كتب- حسين محمود
وصل وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري إلى القاهرة اليوم الأحد 3/12/2006م لإجراء مباحثات مع الرئيس حسني مبارك وعدد من المسئولين المصريين، من بينهم وزير الخارجيَّة أحمد أبو الغيط حول الأزمة العراقيَّة، تتناول الملف الأمني المُتفجِّر في العراق، كما يناقش زيباري عددًا من الملفات الأمنيَّة التي تمس الدعم المصري الممكن لاحتواء الوضع المتدهور في العراق.
وتأتي هذه الزيارة في إطار التحركات السياسيَّة التي تشهدها حاليًا عدد من الدول العربيَّة من جانب عدد من الأطراف لا سيما العراقية والأمريكيَّة لوقف التدهور الأمني والسياسي القائم في العراق حاليًا، وتضمَّنت هذه التحركات زيارة قام بها الشيخ حارث الضاري الأمين العام لهيئة علماء المسلمين للقاهرة مؤخرًا، بالإضافة إلى استضافة الأردن عددًا من الاجتماعات العراقيَّة- العراقيَّة.
وتهدف هذه التحركات في المنطقة إلى زيادة الدور العربي في الأزمة العراقيَّة، بعدما أدى الغياب العربي إلى مزيد من التدهور لدرجة أوقفت البلد على حافة الحرب الأهلية التي يؤكد العديد من المراقبين أنَّ العراق دخل فيها بالفعل.
وفي هذا الإطار تقف العديد من الأسباب وراء سعي العديد من القوى الدولية والإقليمية الأخرى إلى الظهور على الساحة العراقية في الفترة الحالية، ومن أبرز تلك الأسباب العمل على جذب العرب السنَّة إلى دائرة العملية السياسيَّة بعيدًا عن المقاومة؛ بدعوى التقليل من التوتر الميداني؛ مما يساعد في تقليل الاحتقان الطائفي بين السنة والشيعة.
لكنَّ زيارة نائب الرئيس الأمريكي ريتشارد تشيني إلى السعودية قبل يومين فقط من لقاء بوش- المالكي في العاصمة الأردنية عمان قد تكون محاولةً أمريكيَّةً لاستخدام النفوذ السعودي الديني التقليدي لدى السنة في العالم الإسلامي لدفعهم إلى تبنِّي أجندة تساعد الأمريكيين في إنهاء وجودهم بالعراق بصورة تحفظ ماء وجههم، ودون أنْ يخلِّفوا وراءَهم كارثةً تتمثل في حرب أهلية بالعراق أو انقسام إلى دويلات مختلفة على أساس الطائفية.
وثاني هذه الأسباب التصدي للنفوذ الإيراني المتصاعد في المنطقة، وهو ما وضُح في مطالبة لجنة دراسة العراق التي يقودها وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جيمس بيكر في آخر تقرير لها قدمته للإدارة الأمريكية بالعمل على الحوار مع جيران العراق وخاصةً إيران وسوريا، الأمر الذي- على الرغم من ضروريته- قد يساعد في زيادة النفوذ الإيراني.
وقد تدعَّم هذا الدور من جانب طهران بعد انتصار حزب الله اللبناني على الجيش الصهيوني خلال عدوان الصيف الماضي، وبالتالي فإن محاولةَ إدخال العنصر العربي السني في العراق يأتي كحلٍّ وسط بين التخلي تمامًا عن الدور الإيراني المطلوب في العراق وبين الاستعانة بإيران كشريكٍ وحيدٍ أو مع دمشق للأمريكيين في تسوية الوضع بالعراق.
ومن جانب آخر فإنَّه وطبقًا لعدد من المراقبين فإنَّ هناك حاجةً أيضًا لإيجاد تكتل عربي يملأ الفراغ الذي سيخلفه الأمريكيون وراءهم بعد الانسحاب من العراق، وهو الأمر الذي يتعلق أيضًا بالتقرير الذي سوف تصدره لجنة بيكر يوم الأربعاء القادم والذي أوصت فيه- وفق تسريبات- بضرورة سحب قوات الاحتلال الأمريكي من العراق بنهاية العام 2007م، على أنْ يكون الانسحاب تامًّا في العام 2008م، وبالتالي فإنَّ الجهة المرجَّح لها أنْ تملأ الفراغ الأمريكي هي قواتٌ عربيةٌ، ويدعم ذلك ما سبق أن أعلنت عنه السعودية من أنَّها سوف ترسل قواتٍ إلى العراق في حالة انسحاب القوات الأمريكية منها.
وفي السياق تأتي تحركات زيباري- بالتوازي مع زيارة الدكتور عبد العزيز الحكيم رئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، والمقرب من طهران، إلى واشنطن غدًا الإثنين- وغيره من المسئولين العراقيين لتقوية التحالف الذي تحاول الولايات المتحدة تشكيلَه مع الدول العربية التي تصفها بـ"المعتدلة"، والتي تشمل مصر والأردن والسعودية وباقي دول الخليج العربيَّة، بما قد يساعد في لعب دور كبير في تسوية قضية الشرق الأوسط والتصدِّي لـ"محور المقاومة" الذي تقوده سوريا وإيران والذي تزعم الولايات المتحدة أنَّه بمثابة عنصر اضطراب في المنطقة.
ويظهر من السابق أنَّ التواجد العربي المطلوب في العراق سيكون له أكثر من دور يبدأ في الناحية السياسيَّة، ثم يتطور إلى لعب دور أمني من خلال وجود قوات عربيَّة في العراق، بالتوازي مع المساهمة في بناء الاستراتيجيَّة الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط والتي تعتمد على بناء الأحلاف، وهي الاستراتيجيَّة التي يُعتبر منتدى المستقبل لنشر الديمقراطية وترقية حقوق الإنسان بالعالم العربي أحد أهم دعائمها في المنطقة، على الرغم من فشله للآن في تحقيق تقدم ملموس في تلك الاستراتيجية الأمريكيَّة.