بقلم: ياسر الزعاترة

لم تكن حركة المقاومة الإسلامية حماس هي التي همَّشت منظمة التحرير الفلسطينية أو وضعتها على رفوف النسيان، فمن فعلوا ذلك هم أنفسهم الذين يبكون اليوم على أطلالها، ويرون أن حماس ستهيل التراب على الإنجاز الأكبر للفلسطينيين منذ الاحتلال.

 

لا يحتاج المراقب إلى قدرٍ كبيرٍ من الذكاءِ كي يُدرك أن حملة البكاء على منظمة التحرير لا صلة لها ألبتة بكونها منجزًا وطنيًّا يوحِّد الفلسطينيين في الداخل والخارج، بقدر ما هي لعبة للمناكفة مع خصمٍ سياسيٍّ حاز على ثقةِ الناس على نحو لم يتوقعه الجميع. ولو فازت حركة فتح في الانتخابات لما تذكَّر أحد هذا الملف، ولواصلت السلطة الفلسطينية دورها الذي لعبته منذ تأسيسها عام 1994م، بوصفها الممثل الحقيقي للفلسطينيين.

 

من المؤكد أن حماس، وعلى رغم فوزها في الانتخابات، ليست حريصة بحالٍ من الأحوال على تهميش منظمة التحرير أو إحالة دورها للسلطة الفلسطينية، وعلى مَن يشكك في ذلك أن يتذكر أن حماس لم تسع إلى الفوز الذي تحقق ولم تتوقعه، ولو توقعته لأدارت العملية على نحو مختلف.

 

 حماس تمثل نصف الشعب الفلسطيني

 

على أن ذلك لا يعني أن حماس ستعترف بهذه البساطة بأن منظمة التحرير هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، إذ كيف لحركة تدرك تمام الإدراك أنها تمثل نصف الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج أن تعترف بكيان سياسي هي ليست عضوًا فيه، ومعها حركة الجهاد الإسلامي بوصفه الممثل الشرعي والوحيد للفلسطينيين. ألا يعني ذلك أنها تلغي نفسها، هكذا بكل بساطة، وتمنح قرار الشعب الفلسطيني لأناس تختلف معهم في النهج والرؤية؟

 

في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير التي اجتمعت لتفرض على حماس نفي نفسها من المعادلة السياسية، ثمة أعضاء يمثلون فصائل انقرضت من الوجود، وثمة أعضاء يمثلون ثلاثة فصائل حازت متحالفة على مقعدين في المجلس التشريعي كان لممثليها في التنفيذية قصب السبق في ساحة الجدل مع حماس حول موقفها.

 

حماس كما أعلن قادتها على استعدادٍ كامل للاعتراف بمنظمة التحرير ممثلاً شرعيًّا ووحيدًا للشعب الفلسطيني، ولكن على قاعدة الإبقاء على مسئولية الدول العربية والإسلامية، إضافة إلى التوافق على مبدأ إعادة التشكيل الذي يأخذ في الاعتبار جملةً من المعطيات بالغة الأهمية.

 

أول المعطيات التي تستدعي إعادة التشكيل هي الخريطة السياسة الجديدة للشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، ذلك أن القسمة الحالية لم تعد تمثل الواقع، لسبب بسيط هو أن حماس والجهاد ليستا جزءًا منها، فيما تراجع صوت اليسار على نحو واضح خلال العقدين الماضيين.

 

لا يمكن لأي تشكيل يمنح حماس والجهاد أقل من نصف أعضاء المجلس الوطني واللجنة التنفيذية أن يكون عادلاً بحال من الأحوال، ومَن يرى غير ذلك لا يكون حريصًا على الوحدة أو إعادة التشكيل، مع أن الأخذ والعطاء في هذا المقام يبقى ممكنًا من أجل التوافق.
الجانب الآخر الذي يستدعي إعادة التشكيل هو ذلك المتعلق بما طرأ على أسس المنظمة من تغييرات منذ نشأتها إلى الآن، فقد تأسست من أجل تحرير الأراضي المحتلة عام 48، وإذ بها بعد أقل من عقدين تتنازل عمَّا أنشئت من أجل تحريره وتتحدث عن تحرير الذي احتل بعد تأسيسها. وفي أي حال فإن تجربة التنازلات والتفاوض منذ عقود ما زالت تلح على إعادة التشكيل، لا سيما بعد أن افتضحت لعبة المفاوضات في كامب ديفيد عام 2000م.

 

يجب أن تعود للمنظمة أبجدياتها الأساسية، وإذا لم يكن بالإمكان الحديث عن تحرير المحتل عام 48، فلا أقل من وضع برنامج تحرير للمحتل عام 67 بغير وسيلة الاستجداء، ومن دون قيود أو شروط تكبل الأجيال، وأقله بالحديث عن تطبيق قرارات الشرعية الدولية من دون قيد أو شرط.