لدينا في الصورة فريقان كلاهما يواجه الآخر، وكلاهما يختلف خطه عن الآخر في السعادة والابتهاج بالفوز، ففي اليوم الذي أجريت فيه الانتخابات الصهيونية، والتي فاز بها حزب كاديما، وابتهج ثلث الشعب الصهيوني على الأقل بهذا الفوز كانت حركة حماس تقدِّم حكوماتها للمجلس التشريعي، وتحصل على ثقته، ويبتهج الفلسطينيون بهذا الفوز.

 

وتختلف البهجة لدى الفلسطينيين عنها عند الصهاينة؛ ففي فلسطين يشعر الناس بأن تعبيرَهم الحرَّ ثمنه مرتفعٌ، وهو أدَّى إلى اغتيالِ البسمةِ على شفاههم، ولذلك أسبابٌ كثيرةٌ، أولها، الضغوط الداخلية التي تطالب حماس بأن تسلك نفس السبيل التي سلكته السلطة الفلسطينية السابقة، بما ينطوي عليه ذلك من مخاطرَ وتراجُع وفوضى بين أنصار حماس، ويمثِّل هذا الاتجاه قيادة فتح وعلى رأسها أبو مازن الذي قبل على مضضٍ تشكيلَ الحكومةِ بعد أن رفضتها اللجنةُ التنفيذيةُ لمنظمة التحرير الفلسطينية، وأكد أبو مازن أنه سوف يتدخَّل إذا أخلت حماس بعجلة القيادة، مؤكدًا أنه يرى من خلال مفاوضات سرية مع الكيان الصهيوني أن التسويةَ ممكنةٌ خلال عام على الأقل، هذا التصريح أثار الدهشةَ بأن الإعلانَ عن تسويةٍ خلال عام لا ينسجم مع الوضعِ الحالي للموقفِ الصهيوني.

 

أما المواقف الدولية المناهضة لحماس فقد شملت الدولة العظمى في العالم، والاتحاد الأوروبي، وكندا، حيث أُعلِن عن وقف الاتصالات الدبلوماسية بين البعثات الدبلوماسية الأمريكية والكندية في فلسطين، وبين حكومة حماس، فضلاً عن أن الموقف العربي من حماس في القمة العربية كان موقفًا ضعيفًا.

 

على الجانب الآخر أيَّد الصهاينة حزب كاديما، ولكن هذا التأييد كان أقل بنسبة 30% مما كان متوقعًا، وسببه في ذلك أن الناخبين أيدوا الحزبَ؛ لأن شارون هو الذي أنشأه، ولكنَّ التأييدَ لم يكن كافيًا بسبب الفارقِ بين شخصيةِ شارون وشخصيةِ أولمرت، فالأول يتمتَّع بشخصيةٍ كاريزميةٍ جعلت الناخبين يسيرون خلفه أينما كان، بينما خليفته لا يتمتع بهذه الشخصية، ولكنه يقود الحزب بنفس البرنامج الذي وضعه شارون، وهذا البرنامج هو الذي يتمتع بتأييد الشعب الصهيوني، لذلك فإن الاحتفالَ بنجاحِ هذا الحزب عند الصهاينة يعني الأملَ في استكمالِ المشروعِ الصهيوني واغتصابِ الأرض الفلسطينية، في مقابل الأمل الفلسطيني في أن تنجح حماس في تكسير العقبات التي تواجهها من أجل استرداد بعض الحقوق الفلسطينية المغتصبة، فالصورة كما نرى من الجانبين تُظهِر طرفين، الأول يسعى إلى استرداد حقوقه، والثاني يسعى إلى المزيد من اغتصاب هذه الحقوق، الأول لا يتمتع إلا بتأييدِ الشارع الفلسطيني والعربي، أما الثاني فيتمتع بتأييدِ الشارع الصهيوني، ويقود الدولةَ الصهيونيةَ صوب مشروع شارون.

 

ومعنى ذلك أن المواجهة بين الطرفين لا مفر منها، خاصة بعد أن أعلن إسماعيل هنية رئيس وزراء السلطة أن حكومتَه لن تتهاونَ في الدفاعِ عن الشعبِ الفلسطيني ضدَّ العدوان الصهيوني، ومن الطبيعي أن تنفيذ برنامج كاديما الذي فاز على أساسه في الانتخابات، سوف يُواجَه بمقاومةٍ فلسطينيةٍ، مما قد يؤدِّي إلى استمرار سياسة الاغتيال الصهيونية، والتراجع في الصفوف الفلسطينية، وانهيار حكومة حماس بسبب الخلاف بينها وبين أبومازن حول العدوان الصهيوني. ويترتب على ذلك انهيارُ أي فرصةٍ للتسوية؛ لأن أي تسوية سوف تكون لصالحِ الطرفِ الأقوى، ولكنَّ التسويةَ في ذاتها تكون ممكنةً في اللحظةِ أو عند النقطةِ التي يشعر فيها الطرفان أنهم بحاجةٍ إلى التفاوضِ للوصولِ إلى هذه التسوية، والوضع الحالي في فلسطين، والدعم الأمريكي المطلق للكيان الصهيوني، والمطاردة والضغود المستمرة على الجانب الفلسطيني لا يمكن أن تساعد على الوصول إلى هذه النقطة.

 

كذلك فإن الدعم العربي المفقودَ يجعل حماس تكافحُ الداخل والخارج، بعد أن قرَّرت القمة إعادة طرح المشروع العربي للسلام، وهو يمثل أقسى صور الاستجداء السياسي، والغريب أن العالم العربي يفزع؛ لأن الكيان الصهيوني لا يتجاوب مع اليد الممدودة لها بغصن الزيتون، ولم يدرك العالم العربي أن العلاقاتِ الدوليةَ لا تعترف إلا باللاعبِ الذي يحمل الأوراق المناسبة للعبة.

 

وفي الجانب العربي والفلسطيني هناك أوراقٌ كثيرةٌُ، ولكنها معطلةٌ، ولو استُخدِمت لدفعت الكيان الصهيوني إلى التفاوض، وما دامت دولة الكيان تشعر بأن العالمَ العربي مستسلمٌ لأقدارِه، فإن قوتَها كفيلةٌ بإخضاعِ الشعب الفلسطيني، وتشعر دولة الكيان الصهيوني بأنها (اللاعب) الوحيد الذي يقرِّر مصير اللعبة بنفس القواعد والأساليب التي تعود عليها.

 

خلاصة الصورة أن المشروع الصهيوني يتقدَّم إلى مساحاتٍ جديدةٍ، بينما المشروعُ الفلسطيني لا يزال نظريًّا، ولكنَّ أهمَّ الأوراقِ عند حماس هو رصيدُ الشارع، واحترامُ العالم لخطابها، الذي يؤكد على إرادة شعب أعلن صوته منذ منتصف الستينيات، وحملت حركة فتح لواء المعركة العسكرية والدبلوماسية والإعلامية والسياسية، حتى سلمت الراية لحماس، تُجدِّد شبابَ المقاومة، وتضيف فصلاً جديدًا في سجل التأكيدِ على أن الحقَّ الفلسطيني لن يضيعَ، ما دامت سواعدُ أبنائه تتحدَّى الدبابات، وإرادات أفراده تتحدى الإبادة بالصواريخ والطائرات، فمن العبث إبادة عدّة ملايين أصروا على العيش في أرضهم، مهما كانت القوى الغاشمة التي تساند قوى الغصب والإبادة.