بقلم: السفير د. عبد الله الأشعل
تتعرض حماس لضغوط لم يسبق لها مثيل، خاصة بعد أن قرر الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وقف المساعدات إلى الشعب الفلسطيني وسلطته الوطنية، مثلما تتعرض لضغوطٍ هائلةٍ من حركة فتح وأبومازن ومنظمة التحرير الفلسطينية، وكل هذه الضغوط تطالب حماس بالواقعية، وذلك بأن تعترف بالكيان الصهيوني، وأن تعلن ما يسمونه بـ"نبذ العنف". ومعنى ذلك أن حكومة حماس التي تطالب بحقوق الشعب الفلسطيني، وبموقف حازم ضد المشروع الصهيوني، والرد على الاعتداءاتِ الصهيونية، وتطالب بمفاوضات جادة من أجل التسوية الحقيقية التي تحفظ ما تبقى من هذه الحقوق، أصبحت تتحدث لغةً مثاليةً، وتعيش في برجٍ عاجي، وأنها بذلك، وبسبب جهلها بقواعد اللعبة- حسبما ترى السلطة القديمة- قد سببت للشعبِ الفلسطيني المزيد من المعاناة، وعرضت الموظفين في السلطةِ وأجهزة الأمن للحاجة إلى العيش. وعلى الجانب الصهيوني، تسعى حكومة أولمرت بعد تشكيلها إلى إقرار الكنيست لبرنامجها الذي قدَّمه حزب كاديما للناخب الصهيوني، ويقضي بضم المزيد من الأراضيى الفلسطينية من خلال استكمال الجدار العازل والمغتصبات، والتخلي عن بعض المغتصبات التي سوف تضم في الخطة التالية، وهو تنفيذ لمخطط شارون من طرف واحد.
وقد أوهمت دول الكيان العالم، وكذلك العالم العربي بأنها لم تجد شريكًا لها في عمليةِ السلام، بعد أن انحاز عرفات إلى نضال الشعب الفلسطيني، وخيَّب أملها في أن تجعله حارسًا لمشروعها من غضبة الشعب الفلسطيني، فتخلصت منه في نفس الوقت الذي بررت فيه بذلك أسباب انفرادها بالقرار والعمل، وفات على العالم أن دولة الكيان الصهيوني التي استبدلت عرفات بأبو مازن كان يتعين أن تعتمده شريكًا في عملية السلام الوهمية التي تحمل عنوان "خريطة الطريق" إلى (إسرائيل الكبرى)، ولكنها قررت أيضًا أن تمضي بخطتها الأحادية الجانب، من ناحيةٍ حتى تعفي أبومازن من الحرج أمام شعبه وهي تمضي بمشروعها في مراحله المتقدمة، ومن ناحية أخرى، حتى تتذرع بأن الجانب الفلسطيني لا يزال يفتقر إلى الأهليةِ التي تمكنه من أن يكون شريكًا في سلامٍ تسعى دولة الكيان الصهيوني إليه، فألقت اللوم على الجانب الفلسطيني. فلما جاءت حماس، وتركت وحدها تشكل الحكومة دون أن تكون قائدًا لحكومة الوحدة الوطنية، بل وانقلبت عليها حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية، التي تضم كافة الفصائل الفلسطينية، أصبح لدى دولة الكيان الصهيوني المبرر المقبول حتى تمضي وحدها في المشروع الصهيوني، وعذرها أن حماس لا تعترف بها، ولم تعلن نبذ العنف، ودولة الكيان الصهيوني لا يمكنها- كما تعلن دائمًا- أن تتعامل مع حكومة تشكلها حركة إرهابية.
ومعنى ذلك أنَّ صفةَ الإرهاب سوف تزول عن حماس بمجرد اعترافها بالكيان وبأوسلو، وإعلانها نبذ العنف. ومما قوى من ساعد الحجة الصهيونية أن فتح وأبومازن ومنظمة التحرير، وكلهم حريص على مصالح الشعب الفلسطيني، يقف في خندق الكيان الصهيوني، ربما دون التقاء بينهم، بل إنَّ الدول التي زارتها حماس، وهي أساسًا موسكو وأنقرة، قد أسمعت حماس نفس الشروط والمواقف الصهيونية، وهي نفسها التي تصرُّ عليها اللجنة الرباعية والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والأمم المتحدة، خاصةً مجلس الأمن. أي أن مطالبة حماس بالشروط الصهيونية تكتسب شرعيتها من كل هذه المصادر الدولية. وربما كان ذلك هو مصدر الحرج الذي استشعرته القمة العربية في الخرطوم، وهي تنظر قضية الصراع في فلسطين، وأزمة حماس التي خلقها الكيان الصهيوني.
ولو سلمنا جدلاً أنَّ حماس قبلت الشروط الصهيونية حتى بوصفها شروطًا سياسيةً؛ لأنه من الناحية القانونية ليس من حق الكيان الصهيوني أن يفرض هذه الشروط على حماس، فماذا تقدم دولة الكيان مقابل ذلك؟ لقد كانت السلطة السابقة تقبل كل هذه الشروط، ومع ذلك جمدت دولة الكيان أي عملية جدية لسلام حقيقي، وأرغمت السلطة على السكوت عن تنفيذ المشروع الصهيوني، وهو الإبادة اليومية للشعب الفلسطيني، وآماله في الحياة، وفي دولة مستقلة، وضم الأراضي الفلسطينية، والانفراد بتنفيذ هذا المشروع، فضلاً عن هدم المنازل والمزارع، وتضييق الخناق على الشعب في حياته وكرامته.
ومعلوم أنه من الناحية القانونية، لا يمكن الاعتراف بالكيانِ الصهيوني إلا في إطارِ اتفاقية سلام، لأن اتفاق أوسلو لا يمكن أن يكون اتفاقية للسلام، وهو مجرد إعلان المبادئ اللازمة للتفاوض عليها للتوصل إلى تسوية. وأما الاعتراف بأوسلو، فماذا أفاد اعتراف السلطة السابقة بها؟ لا يجوز القول بأن وجود السلطة قائم قانونًا أو هو ثمرة أوسلو وأحد نتائجها، لأن السلطة منتخبة من الشعب الفلسطيني، وتستمد شرعيتها السياسية والقانونية من هذا الشعب. أما نبذ العنف فلا معنى له، لأن العنف الذي تقصده دولة الكيان هو التصدي للعدوان الصهيوني، والأولى أن تطالب هذه الجهات الفلسطينية والدولية الصهاينة بوقف اعتداءاتهم؛ لأن الأصل هو الاحتلال وسياساته العدوانية، واستمرار ضمه للأراضي الفلسطينية في إطار المشروع الصهيوني، فإذا توقفت هذه السياسات وزال الاحتلال، لم يعد للتصدي والمقاومة موضع، ولحل السلام محل المواجهة. ولكن هل تستطيع الحكومة الصهيونية أن تقنع شعبها بالتخلي عن المشروع الصهيوني، فتوقف الضم عن طريق الجدار والاستيطان، وتُمكِّن الفلسطينيين من العيشِ في دولةٍ حتى في مساحة ضيقة إلى جانبها؟ لا أظن ذلك، بل أظن أن الذي يزعج دولة الكيان أن حماس تتحدث لغة الحق، وهي تتسلح بالنزاهة والنقاء الوطني والسياسي، وأن دولة الكيان سعدت بسلطة فاسدة ضاق الشعب ذرعًا بها وبالاحتلال، ولذلك أقبل على سلطة نزيهة تتصدى للاحتلال.
ونفترض جدلاً أيضًا أن حماس استجابت للشروط الصهيونية، كما تطالبها بعض الدول العربية والأجنبية، فإنها بذلك سوف تعفي دولة الكيان من الحرج من مواصلة مشروعها الصهيوني، ولكن ذلك سوف يؤدي في نفس الوقت إلى زوال الشرعية السياسية عن حماس؛ لأن الشعب الفلسطيني قد أكد ثقته بها بناء على برنامج الإصلاح والتطوير والتحرير، وبذلك تكون دولة الكيان، إذا دفعت حماس إلى التخلي عن لاءاتها، قد كسبت الساحة في جانبين مهمين: الأول، أن تحرق حماس وينزع الشعب ثقته بها، ولن يقبل أنها اضطرت إلى ذلك بسبب الحصار الخانق.
وفي نفس الوقت، سوف يكون ذلك تفويضًا شرعيًّا لدولة الكيان من الممثل الحقيقي للشعب الفلسطيني بالمضي في مشروعها الصهيوني. وفوق ذلك، تكون دولة الكيان قد نجحت نجاحًا باهرًا في اختطاف ثقة الشعب بحماس لخدمة مخطط الكيان الصهيوني، كما تكون قد فتحت الباب واسعًا أمام الدول العربية للتطبيع الرسمي مع الكيان تحت ستار أن طريق السلام في فلسطين قد انفتح بمجرد استجابة حماس للشروط الصهيونية. وسوف تنهال المساعدات على الشعب الفلسطيني تشجيعًا له على هذه النتائج الباهرة، بعد أن يكون الشعب قد فقد أمله وممثله الوحيد في أول تجربة ديمقراطية حقيقية في فلسطين.
ويجب أن نذكر في هذا المقام، أن الإصلاح والنزاهة ومكافحة الفساد والديمقراطية في فلسطين كانت تمثل الشروط الأساسية التي إن تمَّت فسوف يعم السلام ربوع فلسطين، وسوف يكون بوسع الكيان الصهيوني أن يتفاوض مع حكومة نظيفة نزيهة ديمقراطية. وقد ظلت هذه الشروط ذرائع لكي تتهرب دولة الكيان الصهيوني والقوى الدولية الأخرى من استحقاقات السلام الحقيقي في فلسطين، ولم يلتفت الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة إلى أنَّ عرفات هو الرئيس العربي الوحيد الذي انتخب انتخابًا ديمقراطيًّا أشرفت عليه مجموعات من المراقبين الدوليين، وأن الفرق الدولية لمكافحة الفساد والإصلاح الإداري والمالي من أمريكا وأوروبا والبنك الدولي قد ظلت تتوارد على فلسطين لتحقيق هذه الأهداف. فلما تحققت هذه الأهداف مع نشأة سلطة تسعى إلى مكافحة الفساد والارتفاع بأحوال الشعبِ الفلسطيني، وإعادة وضعه على خريطةِ الأمل نحو تسوية سياسية تحقق له آماله وحقوقه، ووصلت السلطة إلى الحكم من خلال عملية ديمقراطية شهد بها القاصي والداني، سعى الجميع إلى معاقبة الشعب الذي ظن أن مطالبته بالديمقراطية ومكافحة الفساد هي أوراق اعتماده لنيل حقوقه المشروعة.
والنتيجة التي خرج بها هذا الشعب في هذه الملحمة المؤلمة هي أن الغرب كان يتواطأ مع الكيان الصهيوني بذرائع تبدو مطلوبة ومثالية، وهي النزاهة والديمقراطية، وعندما تحققت سارع إلى حصارها وخنقها، فانكشف الغطاء الأخلاقي في سابقةٍ حاسمةٍ في تاريخه الحديث، كما سقط القناع الصهيوني والأمريكي. صحيح أنَّ الشعبَ الفلسطيني يُعاني مع سلطته من القهرِ الدولي، وتكالب العالم لتبديد أحلامه الصغيرة في حياة ديمقراطية نظيفة؛ تمهيدًا لتحقيق أحلامه السياسية على ما تبقى من الأرض، ولكن الحقيقة هي أن العالم كله يتواطأ ضد هذا الشعب الذي صدَّق يومًا أحاديث الديمقراطية والعدالة وغيرها، ولكنه أدرك أن كل هذه المفاهيم ستظل نجومًا زاهرةً في سماوات العالم العربي، بينما هي تتحقق بالفعل على الأراضي الأوروبية لأبناء الغرب وحدهم.
والسؤال هو: ماذا لو أصرت حماس على موقفها الصامد ومعها الشعب الفلسطيني؟ هذا هو موضوع مقال آخر.