لا أدري لماذا تذكرت المقولة المشهورة في ذلك المسلسل الإذاعي القديم "إنت اللي قتلت بابايا" وصارت تلح الآن على خاطري موجهًا حديثي لمعالي الدكتور أحمد نظيف ورفاقه "إنت اللي قتلت فراخي".. كلما تذكرت الحملة الحكومية الشعواء في طريقة علاج موضوع أنفلونزا الطيور بدعوى الشفافية والحرص على إظهار الحقائق.. ولكن أين كانت تلك الشفافية في كثير من القضايا التي آلمت الوطن كثيرًا وكثيرًا؟!
المهم أن هذه الشفافية "الحكومية" في موضوع "أنفلونزا الطيور" قد أدَّت إلى إثارة حالةٍ من الذعر والهلع في نفوس المواطنين عكس ما هو مفروض في مثل هذه الحوادث"، فقد أدت الحملات الأمنية لمواجهة "الفراخ الإرهابية" إلى القبض على العديدِ من الأحياء منها وهدم مساكنها "العشش", ورأينا لأول مرة وقد تخلص الناس من طيورهم وتركوها في الشوارع بل ورأينا الناس يفرون منها كأنهم يفرون من حيواناتٍ مفترسة.
فقد ذكرت جريدة (المصري اليوم) في صفحتها الأخيرة بعدد الأحد 27 من فبراير 2006م، أن رواد مقهى رامي بشارع طلعت حرب بمدينة التحرير بإمبابة قد فروا بمجرد دخول دجاجة مجهولة إلى المقهى؛ وذلك في أثناء مشاهدة مباراة الجيش الملكي مع الأهلي مساء الجمعة 5/2/2006م".
أرأيتم ما فعل بنا الهلع وقد كنا في الماضي نتندر لجبن شخص ما بأنه "بيخاف م الفرخة" فماذا عن حالنا جميعًا الآن؟
أيضًا انهيار صناعة وطنية عريقة تبلغ استثماراتها مليارات الجنيهات وقطاع يعمل فيه عشرات الألوف من البسطاء فماذا يفعل أولئك المستثمرون؟ وأين ولمن يذهب أولئك البسطاء? وما خطة الحكومة لمواجهة توابع الكارثة التي أحدثتها بطريقة العلاج الخاطئة فكانت كمَن أراد أن يُعالج الصداع فأمر بقطع الرأس المصاب به؟!
وقد كان من الواجب أن تتم معالجة الأمر دون تهوين أو تهويل.. ولكن المعالجة الخاطئة أدت إلى تهويل الأمر وكأننا أمام وباءٍ حاصد, وللعلم فإنَّ عدد من أدَّت أنفلونزا الطيور لوفاتهم حول العالم- طبقًا لتقارير منظمة الصحة العالمية- يدور حول رقم المائة شخص, وبمراجعة حوادث الكوارث في مصر نقول على سبيلِ المثال: كارثة العبارة السلام 98 الأخيرة "1000" راكب, حوادث الطرق في مصر التي زادت على المائة وخمسين حالة وفاة في أحد الشهور بما فاق عدد الشهداء في فلسطين والعراق, كارثة حريق قطار الصعيد أكثر من خمسمائة, الكبد الوبائي يقتل أكثر من مائةِ ألف سنويًّا بخلاف السرطان والفشل الكلوي وغيرهما, والذي حدث أنَّ الحكومةَ أطلقت الشائعات وأعدمت مئات الآلاف من الدجاج وفي الوقت نفسه تؤكد انحسار المرض.
الذي دفعني للصرخة في عنوان المقال هو أن "حماتي" حفظها الله بينها وبين تربية الطيور المنزلية علاقة تمتد لأكثر من ثلاثين عامًا ونستفيد أنا وأسرتي من هذه العلاقة في شكلِ معوناتٍ غذائية مضمونة السلامة دون هرمونات أو أعلاف ممزوجة بالدماء وغيرها, فلمَّا وقعت الكارثة بدأنا نحاول إقناعها بضرورةِ التخلص من أولئك الأصدقاء- رغم طول العشرة- خوفًا عليها وبدأت معركة الذبح بما يساوي- في صورةٍ مبسطة- مذبحة المماليك بالقلعة، وقد فرحت العائلة بالعملية فرخة- أقصد فرحة- مؤقتة سرعان ما زالت بعد الانتهاءِ من الغداء الكبير لاختفاءِ المعونات البروتينية مستقبلاً, وبمجرد رؤيتي لمعالي الدكتور أحمد نظيف في نشرة الأخبار بالتليفزيون صرخت فيه: "إنت اللي قتلت فراخي.. آه يا فراخي".
آخر الكلام: قال تعالي: ﴿فَإِِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا* إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (الشرح: 5, 6).
---------
* باحث في العلوم السياسية