د. حلمي القاعود

 

يخطئ مَن يظن أنَّ سلوك الوزير الإيطالي "روبرتو كالديروني" الذي كان يشغل منصب وزير الإصلاحات الدستورية في تحديه لمشاعر الأمة الإسلامية بارتداء قميص عليه الرسوم المسيئة للنبي- صلى الله عليه وسلم- كان يعبر عن مبادرة شخصية ترتبط به وحده ولا تتعداه إلى غيره، فالوزير المذكور سبق أن صرَّح مطالبًا بابا الفاتيكان بشن حرب صليبية ضد المسلمين.. مما يعني أنَّ مفعول الحرب الصليبية منذ نهايات القرن الحادي عشر الميلادي حتى اليوم، ما زال حاكمًا للعقل الغربي بصفةٍ عامة، وأن فكرة الهيمنة على المسلمين وبلادهم مع قهرهم وإذلالهم هي السائدة في التفكير الغربي بصفة عامة، وهي السائدة في التفكير الغربي المعاصر؛ كما كانت سائدة منذ تسعة قرون أو أكثر.

 

الوزير الإيطالي ليس نشازًا في الواقع الغربي الاستعماري، ولكنه جزء أصيل منه وجد في نفسه الجرأة والصفاقة للإعلان عن الدعوة إلى شن حرب صليبية ضد المسلمين، ثم ترجم عن دعوته بارتداء القميص الذي يحمل الرسوم المسيئة لنبي الإسلام- صلى الله عليه وسلم-.

 

ولا ريب أن الفترة الاستعمارية التي حكمت سلوك الأوروبيين ومن بعدهم الأمريكان؛ هي امتداد للحروب الصليبية الوحشية التي تهدف إلى إخضاعِ المسلمين ونهب ثرواتهم وبلادهم.
لقد ظلت المرحلة الاستعمارية متوهجة حتى اليوم وإن اتخذت أشكالاً متعددةً وأكثر قسوة وبشاعة، وخاصةً في المجالاتِ العسكرية والاقتصادية والثقافية.

 

لقد علَّق الكاتب الفرنسي المعروف "ريجيس دوبريه" على الرسومِ المسيئة لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- بأنَّ النهج الفكري الأوروبي ما زال استعماريًّا، وقال لصحيفة "نوفيل أبزرفاتور" الفرنسية: إنه يطلب من الأوربيين التخلي عن محاولات فرض أفكارهم على عالم يلعب فيه الدين الدور الأكبر.

 

لقد اجتمع الاتحاد الأوروبي ليؤيد الدنمارك في مواجهة غضب الأمة الإسلامية، وأكد الاتحاد أن حرية التعبير لا مساومةَ عليها، في حين أن هذه الحرية المزعومة تقف أمام "المحرقة اليهودية" وقفةَ الطفل المؤدب الذي لا يستطيع أن يشكك فيها أو في أرقامها من قريبٍ أو بعيدٍ، ونحن نتذكر ما جرى بالأمس القريب لدافيد ايرفنج الذي عوقب بالسجن ثلاث سنوات على آرائه في المحرقة وأعدادها.

 

ومع ذلك فإن في القوانين الأوروبية ما يجعل حرية التعبير غير مطلقة، ولا يمنح العلمانية حق استباحة المحرمات ففي تشريع حقوق الإنسان لعام 1789م، عام الثورة الفرنسية؛ تقول المادة الحادية العاشرة: "إن لكل مواطن الحق بالتعبير عن آرائه بحرية.. على ألا يتجاوز الحدود التي نص عليها القانون".

 

ويضم قانون العلمنة وفصل الدين عن الدولة في فرنسا الذي صدر عام 1881م، عددًا كبيرًا من الملاحق والموانع والمحرمات التي أقرَّ بها الغرب والفرنسيون عمومًا، مثل حماية القاصرين، والسر الطبي، والحياة الشخصية، ومنع التحريض على الحقد العرقي والديني والشتم والقدح والذم والإدلاء بتصريحات معادية لليهودية أو مبغضة للنساء.. إلخ.

 

إن أوروبا خلعت خوذتها العسكرية، ولكن تفكيرها بقى استعماريًّا، كما يقول الكاتب الفرنسي "ريجيس دوبريه"، واعتقد أنها لم تخلع الخوذة العسكرية بعد، فالقوات المتحالفة مع أمريكا، ما زالت تعيث في الأرض فسادًا بأفغانستان والعراق وتهدد العالم العربي بل العالم الإسلامي كله، وما زالت الخوذة العسكرية اليهودية تستأصل الفلسطينيين في الضفة والقطاع، وقد عبر "شيراك" مؤخرًا عن المخبوء الأوروبي، والغربي عامةً، حين أعلن استعداد بلاده استخدام القنابل النووية ضد الدول التي يراها إرهابيةً أو ترعى الإرهاب وفْق زعمه، ويقصد بها دول المسلمين.

 

الوزير الإيطالي "كالديروني"؛ حين تحدى مشاعر المسلمين، وارتدى القميصَ الذي يحمل رسومًا مسيئة للرسول- صلى الله عليه وسلم- عبَّر ببساطة شد