الحديث عن أنَّ الشعوب العربية ماتت ولا أملَ فيها ولا رجاءَ من ورائها، حديث يُجانبه الصواب... فرغم العراقيل والعقبات التي تُوضع في طريقِ الشعوب ورغم ممارسة الديكتاتورية والاستبداد والقمع ضدها، ورغم الأداة الإعلامية الجبارة التي تحاول زرع الإحباط واليأس والقنوط في نفوس أبنائها ومحاولة تسفيه أحلامها وتسطيح أفكارها، إلا أنها- أي الشعوب- ما زالت تحتفظ في وعيها وذاكرتها برصيدٍ كبيرٍ من الأصالة، والعزة، والقدرة على المواجهة، والتطلع إلى أن يكون لها دورها الخلاق في صنع الحياة وتقرير المصير.

 

تأتي على الشعوبِ لحظات وأوقات فارقة في حياتها تكشف فيها عن حقيقة جوهرها ومكامن القوة فيها، ولا شك أنَّ العامَ الفائت قد شهد حراكًا سياسيًّا على المستوى المجتمعي أظهر مدى الحيوية التي يتمتع بها الشعب المصري، فقد شهدت الحياة السياسية حزمةً كثيفةً من المؤتمراتِ والندوات والتظاهرات، وتمَّ تجاوز كثير من الخطوطِ الحمراء التي لم يكن يسمح بالمساسِ بها أو الاقتراب منها من قبل تحت أي ظرف من الظروف.. نحن لا نستطيع على سبيلِ المثال إنكار دور الشعب المصري في الانتخاباتِ التشريعية الماضية إذ تعرَّض لكل أنواعِ العنت والعنف والأذى ولم يمنعه هذا من الثباتِ والتصميم والصمود في وجه القوة الباطشة كي يصل إلى صناديق الاقتراع للإدلاءِ بصوته ويُعلن بشجاعةٍ عن إرادته الحرة في اختيار مَن يراه أهلاً لثقته رغم سقوط القتلى وإصابة الكثيرين بإصابات خطيرة، هذا فضلاً عن اعتقال الآلاف.. ولا نستطيع أيضًا أن نُنكر الدورَ الفذَّ الذي قامت به الأخواتُ والمرأةُ عمومًا؛ سواء في الحملاتِ الانتخابية التي تضمنت تواجدَ ومشاركة أعداد هائلة منهن في المؤتمراتِ والمسيرات، أو في يومِ التصويت نفسه حيث الإرشاد والدعاية والتوجيه، فضلاً عن تحمُّل المشاق الكثيرة في سبيل الوصول إلى صناديق الاقتراع خاصةً حينما منعت حشود القوات الأمنية الجماهير من الاقتراب من اللجان الانتخابية.

 

ولا نستطيع كذلك أن نجحد هذا الدور العظيم الذي قام به قضاة مصر الفضلاء في الحرص على الإشرافِ الحقيقي على الانتخابات وعدم الاستجابة للضغوط والتهديدات والاعتداءات التي مُورست عليهم في محاولةٍ لصرفهم عن أدائهم لواجبهم... نعم وقعت هناك عمليات تزوير في بعض الدوائر، ولكن هذا لا يمنع من أن نقول إنه لولا هؤلاء القضاة الشرفاء ما استطاع الإخوان أن يحرزوا هذا العدد من المقاعد، ومن ثَمَّ فنحن جميعًا كإخوانٍ وكمواطنين مصريين حريصون على سمعة وكرامة هذا البلد ندين لهؤلاء السادة العظام بالفضل وعميق الامتنان.

 

وتبقى كلمة في حق هؤلاء الشباب، الجند المجهولين، الأتقياء الأخفياء، الذين كان لهم فضل الإعداد الجيد والتخطيط المتقن والانتقاء المتميز والدراسة الدقيقة والحركة المتوثبة الفعالة على كل المستويات، فضلاً عن تحفيز الشعب وتعبئته ودفعه إلى المشاركة والإقبال على لجان الاقتراع في ظروفٍ مأساويةٍ معقدةٍ ومتشابكةٍ وبالغةِ الصعوبة.

 

بهذه الروح- إن تمّتَ المحافظة عليها ورعايتها وتنميتها- يُمكن في المدى المنظور أن تتخلص مصر من مشكلاتها وأن تتخفف من الأعباء التي تئن تحت وطأتها، وأن يحقق الشعب ما يرجوه من آمالٍ وأحلامٍ.. نعم سوف يحاول النظام- وقد بدأ بالفعل- في توجيه ضرباته نحو إخمادِ هذه الروح والعودة بها إلى المربع رقم (1) وتجهيز المسرح لعملية توريث الحكم خلال العامين المقبلين.. ولعل الإصرار على مد العمل بقانون الطوارئ، وتأجيل انتخابات المجالس المحلية، وتعيين السيد جمال مبارك أمينًا عامًا مساعدًا بالحزب وإزاحة قيادات الحرس القديم يصبُّ في هذا الاتجاه.. أيضًا تمثل محاولة الالتفاف حول مشروع قانون استقلال السلطة القضائية، والقيام بتحويل مجموعة من مستشارينا العظام إلى التحقيق أمام نيابة أمن الدولة العليا بهدف إخافة السادة القضاة جميعًا وتصفية حسابات معهم؛ نظرًا لدورهم المشرف الذي قاموا به في الانتخابات البرلمانية، والتي أسفرت عن فوز الإخوان بثمانية وثمانين مقعدًا، أقول يُمثل هذا خطوة على نفس الدرب.. كذلك يعتبر قيام النظام بالتضييق على نواب الإخوان سواء داخل المجلس أو خارجه وفرض حصار من التعتيم الإعلامي الكامل عليهم، إضافةً إلى مداهمة بيوت الإخوان وإلقاء القبض على أفرادٍ منهم تحت زعم إقامة تنظيمات سرية تستهدف قلب نظام الحكم بالقوة وما إلى غير ذلك من اتهامات عفا عليها الزمن وتجاوزتها الأحداث، فضلاً عن تصادمها مع المنطق والعقل والواقع، أقول كل ذلك يُمثل جزءًا من خطة ورسالة من النظام إلى الشعب بنسيان، مسألة الإصلاح السياسي والكف عن المطالبة به.

 

لكن العجلة قد دارت ولا أظن أنَّ الشعبَ بكل نخبه وفئاته وشرائحه سوف تستجيب لهذه المحاولة المكرورة الفاشلة والتي ما عاد يتأثر بها أحد، وأتصور أيضًا أنَّ السادةَ القضاةَ في وقفاتهم المتكررة والتي تدل على عدمِ تراجع وإصرار وثبات وصمود وإيمان بضرورة استقلال السلطة القضائية سوف تكون لها آثارها وتداعياتها على الحياة السياسية برمتها، شريطة أن يقف الشعب بكافة قواه الحية إلى جانبهم ودعمهم، فذلك أدنى ما يجب في حقهم، وفي حق مصر حاضرًا ومستقبلاً.