لو كانت حماس حزبًا سياسيًّا في بيئةٍ غير فلسطين لكانت قد استحوذت على قلوبِ وعقولِ العامة والخاصة لأسبابٍ عديدة.. أولها، أنها تُقدِّم نفسها على أنها نموذجٌ لمنظمةٍ منطلقاتها دينية، ولكنَّ أداءَها سياسي معاصر، فجمعت بين الدنيا والآخرة، وبين مصاعب الحياة اليومية ومثاليات الأمل في التصحيح.
وأما السبب الثاني: فإنها طرحت برنامجًا لمقاومةِ الفساد بكل تجلياته، أي أنها أعلنت الحرب على قبيلة كاملة، في بيئةٍ عربيةٍ غاصت في الفسادِ إلى الأعناق، فأصبح شعار حماس نذيرًا سيئًا لأقطابِ الفساد في العالم العربي.
والسبب الثالث: أنَّ حماس تُقدِّم طرحًا إسلاميًّا معتدلاً، لا يخجل من هويته الإسلامية، كما يفعل الكثيرون ممن ينتسبون ظلمًا إلى الإسلام، ودوحته الوارفة، في بيئة تصم كل ما هو إسلامي بكل أوصافِ القبح والرذيلة.
أما السبب الرابع: فهو هذه المسحة الوطنية الآبية، التي تصرُّ على التمسك بالحقِّ، وتدعو كل أنصاره إلى معسكرها، ولكنها لا تعذر كل مَن يُعانده.
لا شك أنَّ هذه الأسباب هي التي دفعت الشباب في العالم العربي والإسلامي إلى تجديدِ الأمل في الكثيرِ مما يُمكن تحقيقه، وأولها، أنَّ السلطةَ الغاشمة في أي بلد مهما كان الفساد منتشرًا في ربوعها، فإنَّ بيتها كبيتِ العنكبوت، وهو أوهن البيوت، لا يصمد على نسيمِ الحقِّ، فما بالنا برياحه العاتية، وعواصفه المدمرة؟.
نعم إنَّ حماس تُدرك أنها تدافع عن حقوق، وتستخدم مصطلحات بدأت الأجيال تفقد معناها، وبدأ الشك في تحقيقها يتسلل إلى النفوس أمام سطوة إسرائيل، وسيطرتها الطاغية على الولاياتِ المتحدة، وعلى القرار السياسي العربي.
تُدرك حماس أيضًا أنَّ تعبيرها عن إرادة الشعب الفلسطيني في أن يسترد وطنه السليب هو خير زاد في هذه المهمة التي نذرت نفسها لها رخيصًا في سبيلِ تحقيقها، وسجلها حافل بتضحياتٍ إنسانية، ولذلك عندما تفاضلت القوى أمام هذا الشعب اختار الأقرب إلى الصدق، ولكنه اختار أيضًا أن يحيط هذه الحركة بكل الإشفاق من هذه المهمة التي تبدو للبعضِ مستحيلة.. وعندما اقتربُ في كتاباتي من هذه النقطة، فإنني أخشى أن تفسر هذه الكتابات بأحد تفسيرين؛ إما أنها تحت ستار الإشفاقِ تدعو إلى الركونِ إلى الأمر الواقع بكل سوءاته، وهذا أبعد ما أقصدُ إليه، وإما أنها تُبارك هؤلاء الفتية ثقةً في نصرِ الله مع المخاطرةِ بأن يحسب هذا على أنه نوع من السذاجة السياسية، التي لا تقدر خطورة الواقع، وتدرك أننا قد تجاوزنا زمن المعجزات.
إنَّ ما تملكه حماس من هذه الأوراق لا يكفي، ومن الظلمِ أن تدع المنطقة العربية والإسلامية حماس في مواجهة قبيلتها الفلسطينية، وأمام الوحش الصهيوني الكاسر، بذرائع متعددة، لستُ مستعدًا حتى لمجرَّد تكرارها، فتلك لحظة فاصلة لبعث القضية الفلسطينية، وسوف يحكم التاريخ بشكلٍ بالغِ القسوة على كلِّ الزعامات والدول والجماعات والأفراد الذين استكانوا إلى أنَّ الصراع العربي- الصهيوني قد أصبح صراعًا فلسطينيًّا- صهيونيًّا، ثم تواضع لكي يصبح صراعًا بين الكيان الصهيوني وحماس وحدها، وهذا أقصى ما يمكن أن نتصوره في هذا الظرف.. هذه القوى العربية والإسلامية التي تتذرع بالحكمة، إنما تتحلى بحكمة الجبناء، وقعود المهزومين الذين استراحوا إلى سقوطهم النفسي والأخلاقي، ويرددون بأنه ليس في الإمكان أبدع مما كان، وأما القبيلة الفلسطينية، فإن ظلمها لحماس قد عبَّر عنه شاعرنا أصدق تعبير عندما قال:
وظلم ذوي القربى أشد مرارةً على النفسِ من وقْعِ الحسامِ المهندِ
فما هو المطلوب إذن فلسطينيًّا وعربيًّا وإسلاميًّا؟
لا أظن أننا نختلف على ما يجب عمله لمساندة مشروع حماس، فعلى المستوى الفلسطيني، يجب أن تدرك القيادات الفلسطينية من فتح وغيرها أن حماس تجدد المشروع التحرري، الذي بدأته حركة التحرير الوطني الفلسطيني، ولا يضيرها أن تحمل حماس الراية، ما دامت هذه الراية قد تعرَّضت للانكسارِ عبر نضال هذه القوى المقدر لعقود طويلة.
وأما على المستوى العربي، فإن مساندة حماس ماديًّا وسياسيًّا ودبلوماسيًّا أصبح أمرًا واجبًا حتى تُكفِّر الدول العربية عن مواقفها التي ألزمتها بها الولايات المتحدة، على الأقل منذ قمة بيروت العربية 2002م حتى الآن؛ حيث حظرت عليها واشنطن حتى مجرَّد أن تذكر في قراراتِ القمة كلمة الانتفاضة، بعد أن حذَّرتها الولايات المتحدة بأنَّ مساندةَ الحكومات العربية والمنظمات والشعوب في المنطقة للانتفاضة هي مساندة للإرهاب، فالتزمت المواقف العربية معسكر أعداء الانتفاضة، بل ظهرت بعض القوى العربية متطوعة أو مأمورة بمظهر الواعظ والباحث عن السلام، فناصبت الانتفاضة العداء، وليس أقلها مشروع أبو مازن، الذي طالب بما أسماه عدم عسكرة الانتفاضة، وكأنَّ الانتفاضةَ تقود جيشًا مسلحًا، وتستخدم الصواريخ والطائرات والدبابات، وأدنى هذا التيار التزام الإعلام العربي ولغة السياسة العربية بمصطلح غامض، خلط بين الأوراق، وساوى بين الضحية والجلاد، وهو حث المنظمات الفلسطينية على وقف العنف، وهو يعلم أن "العنف والعنف المضاد" مصطلحات "إسرائيلية" وأمريكية، يحلو للكثير من أبناء هذه المنطقة أن يرددوها بأمانة تامة، تمامًا مثل مصطلح "الحرب على العراق"، أو "حرب الخليج" الأولى والثانية والثالثة وغيرها، وهو ما يدخل في دائرةِ الاختراق السياسي والإعلامي الأمريكي للخطاب العربي، وهو اختراق مقصود أحيانًا من الجانب العربي، ومدفوع أحيانًا أخرى بالرغبةِ في تكرار المصطلحات الدولية وعدم الخروج عليها.
ومن ناحيةٍ ثالثة، فإنَّ المطلوبَ على المستوى الإسلامي، هو الالتحام بالساحة العربية في المجالاتِ السياسية والدبلوماسية والإعلامية، وتشكيل الرأي العام العربي والإسلامي الذي يُؤثِّر بعد ذلك على الرأي العام الدولي، رغم أنَّ بعضَ النظم العربية قد تخشى أن تتحول ضغوط الرأي العام إليها، حتى تتخذ مواقف واضحة في هذا المشروع.
ومن نافلةِ القول، أنَّ محاولةَ حماس الخروج إلى العالم الأرحب يحتاج هو الآخر إلى مساندةٍ عربيةٍ وإسلامية، وكنت أتمنى أن ينتظر السفراء العرب والمسلمون وفد حماس في أنقرة وموسكو، إظهارًا للمساندةِ العربية لهذا الخط مع إدراكه لتخوف العواصم العربية والإسلامية من التصميم الأمريكي على دعم الخط الصهيوني في خنق حماس وحصارها؛ ولذلك فإنَّ حصيلةَ الزيارتين لموسكو وأنقرة قد تواضعت بسبب التخلي العربي والإسلامي، حيث حاولت تركيا ألا تتمادى في إغضاب "إسرائيل" بلا مقابلٍ عربي أو إسلامي، كما تجنب رئيس وزراء تركيا مقابلة الوفد، وكذلك الحال في موسكو، حيث كانت التصريحات الروسية عندما ظهرت المبادرة بدعوةِ حماس مختلفة تمامًا عن تلك التي ظهرت أثناء الزيارة؛ ذلك أنه خلال الأيام القليلة الفاصلة بين دعوة موسكو لحماس وتنفيذ هذه الدعوة صعَّدت "إسرائيل" والولايات المتحدة ضغوطهما على روسيا حتى تبنت روسيا هي الأخرى نفس الشروط "الإسرائيلية" والأمريكية، وكأنَّ حماس كانت بحاجةٍ إلى أن تذهب خصيصًا إلى موسكو لكي تستمع إليها باللغة الروسية.
صحيح أنَّ روسيا تريد أن يكون لها مكانٌ في المنطقةِ العربية والإسلامية، وتعلم أنَّ مساندتها لحماس على الخروج من عزلتها النفسية تُضاف إلى المواقفِ السوفيتية السابقة في مساندة القضية الفلسطينية، ولكن موسكو تدرك أيضًا أنَّ الحكوماتِ العربية والإسلامية ليست ممتنةً بدعوة موسكو لحماس؛ ولذلك فإن أثرَ هذه الدعوة على هذه الحكومات يبدو عند موسكو ووفق حساباتها أمرًا متواضعًا، ولما كانت العلاقات الدولية مؤسسةً على المصالح، كما أنَّ روسيا ليست هي الاتحاد السوفيتي أو عالم القطبية الثنائية الذي عاش فيه، فإنَّ موسكو قدَّرت أنَّ خسائر إغضابها لإسرائيل التي تساعدها في قمع ثورة مسلمى الشيشان، وإغضابها لواشنطن بالتبعية، التي تستطيع أن تؤثر عليها في مواقع متعددة لن يعوضها أحد في العالم العربي والإسلامي.
تلك هي صفحة الحساب البسيطة التي تتطلب زيادة رصيد وأوراق حماس، حتى يشعر العالم الخارجي بأنَّ مجاملةَ حماس تجد لها صدى في العالم العربي، فلا يمكن أن تُجامل الدول الأجنبية حماس لمجرَّد أنها تشعر بأن الحق الفلسطيني يستحق المساندة.
----------
* مستشار المؤتمر الإسلامي ومساعد وزير الخارجية المصري السابق