أعلم جيدًا أن العنوان قد يكون مثيرًا بعض الشيء وخاصةً بعد أزمة الرسومات المسيئة للرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، والتي أثارها بعض الصحفيين من دولةِ الدنمارك منذ فترةٍ قريبة، وأتبعتها صحف لدول أوروبية أخرى بالنشر بشكل مستفز، ويعبِّر عن جهل واضح بالإسلام وبالنبي محمد.
وأعلم أيضًا أنَّ الأمةَ استيقظت وثارت وتظاهرت وقاطعت مقاطعةً وصلت إلى حد الدول كما فعلت السعودية وغيرها وأصبحت المحلات و(الهيبرات) الكبرى تتفاخر بأنها لا تبيع منتجاتٍ دنماركيةٍ، واشتدت المقاطعة حتى باتت الدنمارك تصرخ من جرَّاء ما حدث، ولكنها بكبر المتغطرسين ترفض الاعتذار للأمة بشكلٍ واضحٍ، والأمة ترفض المصالحة بشكل أوضح.
إلا أننا وسط هذا الزحام من المواقف المؤيدة للمقاطعة لنصرة النبي الكريم نفاجأ بالأمس بالشركةِ العربيةِ للأسمنت المصرية تقول "نعم للدنمارك"، وتعقد صفقةً مع شركةٍ دنماركيةٍ قدرها 71.5 مليون دولار أمريكي وهي صفقةٌ كبيرة بالطبع، ولا أدري هل (البزنس) طغى على أولوياتِ رجال الأعمال وعلى رأسها نصرة نبيهم؟ وهل لم تعد بذات القيمة التي تعتبرها شركة استثمارية وتراعي مشاعر مليار ونصف مسلم على مستوى العالم، وهل لم يوجد إلا هذه الشركة وهذه الدولة لعقد الصفقة؟.. أسئلة كثيرة أعلم جيدًا أن أحدًا لن يرد.
وأنا أعلم جيدًا أنه ليس هناك موقفٌ رسمي بمصر لمقاطعةِ الدنماركِ، ولكن هناك ما هو أكبر؛ حيث هناك موقفٌ عالمي إسلامي للمقاطعةِ من أجل الضغط؛ حتى نتوصل إلى الحصولِ على احترام ديننا ونبينا وأنفسنا كمسلمين، ولا أدري هل نرفع شعار مقاطعة مَن يتعامل مع الدنمارك أم أننا سنُتهم بالتأثير على الاقتصاد الوطني وتتعالى شعارات "سيبوا الناس تاكل عيش" وغيرها من الشعاراتِ التي فقدناها في أزمة أنفلونزا الطيور، حيث قطعت الحكومة أرزاقَ ملايين المصريين، وأثَّرت على صناعةِ بقيمة 17 مليار جنيه مصري وغيرها من الصناعات التي انهارت بسبب التدخلات الفاشلة وعدم احترام إرادة الأمة، وتناسى البعض أن الرزق يأتي من السماء.. من عند الله عز وجل، وليس من أمريكا وأوروبا وغيرهم من الذين أصبحنا نخشاهم أكثر مما نخشى من الله، وأترك هنا المجالَ والحكمَ للشعوب؛ فهي تمتلك القدرةَ على اتخاذ القرار المناسب بالمقاطعة أو لا.
----------
* باحث سياسي