أقرُّ وأشهد بأن عصرنا الذي نحياه هو أزهى عصور الديمقراطية وأكثرها حريةً وآدميةً وإنسانيةً، وهو عصر من الآخر (مية مية).

 

• فلله الحمد والمِنَّة لا نزال أحياء، رغم أنَّ الناسَ في تسونامي مثلاً ماتوا بالآلاف، وعندما حدثت عندنا أسوأ كارثة لم يمت سوى ألف بني آدم على أقصى تقدير، وحسبهم أن الحكومة المصرية فتحت لهم باب الشهادة على مصراعيه ليدخلوه من باب (السلام 98) آمنين مطمئنين!!

 

• ولله الحمد والمنَّة لم نشتكِ يومًا من نقصِ المياه ليدهمنا، والعياذ بالله، خطر الجفاف الذي نراه على وجوه الغلابة من أهل أفريقيا في نشرة الساعة التاسعة يوميًّا على القناة الأولى، ولا يمكن اعتبار الذين تعجُّ بهم مستشفيات ومراكز الكلى المصرية نتاجَ المياهِ الملوثةِ وسوء المعالجةِ وفساد المرشحات والذمم.. لا وألف لا.. وعلى العكس، هذه الكلى المريضة ناتجةٌ عن أحد أمرين: إما أن أصحابها كانوا يقومون برفس الغطاء من على أجسادهم في فترات الليل، وخاصةً مع نزول الطلّ.. أو أن هذه الأمراض لا تعدو كونها ابتلاءً من الله جلَّ في علاه، وحصاده في النهاية تكفيرٌ للذنوب وجنَّات نعيم في الآخرة بعد الوفاةِ، سواءٌ بالمرض أو بسموم تحملها أجهزة الغسيل الكلوي المنتهية الصلاحية.. المهم أن المصير سيكون الجنة.

 

• ولله الحمد والمنة لا توجد عندنا أزمةٌ حقيقيةٌ في تسرب الطلاب من التعليم الثانوي وتفضيلهم عدم إكمال دراستهم والالتحاق بأحد أندية كرة السلة لممارسة اللعبة كما هو الحال مع الشباب الأمريكي لأسباب عديدة، تأتي في مقدمتها أن الحكومة اتخذت إجراءاتها الحاسمة للوقوف في وجه كرة السلة ومنع انتشارها، ومن وجهة ثانية لا توجد عندنا ملاعبُ حقيقيةٌ أو أندية لممارسة الرياضةِ وثالثًا الحملة القومية لدعم الرياضة تؤكد أن الرياضةَ عندنا هي كرة القدم، وهي تعني فقط "أهلي وزمالك"، وكلاهما لا يلتحق به الشباب إلا بالواسطة، وأخيرًا التسرب لا يمثِّل ظاهرةً لطلاب الثانوي وكذا الإعدادي والابتدائي، والتسرب الحقيقي الذي تسعى الحكومة لمواجهته هو ذلك الكائن إلى- وليس من- المدارس!!

 

• ولله الحمد والمنة لا توجد في بلادنا صراعاتٌ عِرقية أو طائفية أو قَبَلية على السلطة، ولم نسمع يومًا عن قتلى بالمئات في حربٍ أهلية بسبب السلطة كتلك التي توافينا بصورها نشرةُ التاسعةِ مساءً على القناة الأولى، سواءٌ في رواندا أو أثيوبيا أو أوغندا أو حتى أرمينيا وقيرغيزستان؛ لأننا شعبٌ نؤمن بالقضاء والقدر، وهو ما رسخه في وعينا تديننا الفطري الذي يحُول بيننا وبين مجرد مدِّ النظر إلى ما متَّع الله به ولاة الأمر من ميزات أهمها الثبات إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولاً.

 

• ولله الحمد والمنة وقَى سبحانه وتعالى بلادَنا من شرورِ الانقساماتِ الداخليةِ في صفوفِ القصور الرئاسية، فلا تَسمع عن ملك سافَرَ فانقضَّ على ملكه أميرٌ، أو عن رئيسٍ خلعه أخوه، أو عن ابن رئيس أقصى عمَّه، فهذه كلها مخاطرُ جنَّبنا الله إياها بحكم ربِّ أسرتنا الكبيرة الذي يرى في العدل ميزةً لا تعدلها ميزة، إضافةً إلى كونه يؤمن بأن "كلٌّ ميسَّرٌ لما خُلِق له" : فلا يمكن لرجل السياسة أن يلعب في ملعب الاقتصاد، كما أن محترف الاقتصاد لا يملك مقوماتِ السياسي التي يسوس بها الحزب واللجان والشعب، وأما الشعب فلا يملك من مقومات السياسة والاقتصاد إلا ما يؤهله ليتلقَّى أهم أخبار الدنيا في نشرة التاسعة مساءً على القناة الأولى.

 

• ولله الحمد والمنة في بلادنا الكل ينكر ذاتَه ويتناسى صفاتِه الذي جبله الخالق عليها، فلا تسمع عن احتكار لسلطة حتى وإن كانت أبويةً تُخوِّل لصاحبها أن يفعل في بنيه ما شاء، ولا تشاهد استئثارًا لوالدة بولدها، بل إيثارًا به في سبيل (بقاء الوطن) مستقرًّا وثابتًا، بغير قلاقل، فهل تعدل تضحيات الأم تضحيات؟! خاصةً أن أتون السياسة في أوطاننا نيرانه لا تستعِر إلا بالتضحيات التي تجلِّي الذهب وتذهب بخبثِ المعارضةِ.

 

جنَّب الله أوطانَنا شرورَها، وأبقى لنا أزهى عصور الديمقراطية لينتشرَ.. ويتوغلَّ.. ويستمر.. ويستمر.. ويستمر.. عصرًا بعد عصر وجيلاً بعد جيل.. ويستمر ويستمر!!

----------

* رئيس تحرير موقع (إخوان أون لاين)