قامت جماعة الإخوان المسلمين على منهج التربية والإصلاح، كوسيلة لتحقيق التغيير الذي تنشده، منذ بداية التأسيس الأول للجماعة، وحتى بعدما بدأت تهتم بالعمل السياسي منذ المؤتمر الخامس، ومرت الجماعة بالعديد من المراحل المهمة، كان منها مرحلة دعم حركة الضباط الأحرار؛ حيث عملت الجماعة على إحداث تغيير من خلال الانقلاب العسكري، وذلك من خلال تنظيمها داخل الجيش، والذي سمحت الجماعة بتحوله إلى تنظيم الضباط الأحرار.

 

وفي النهاية اختلفت الجماعةُ مع حركة الجيش؛ حيث رأت أن الحركة التي دعمتْها تتجه في اتجاه مختلف عن توجهات الجماعة؛ ولهذا اتجه مجلس قيادة الثورة لتصفية جماعة الإخوان المسلمين؛ حتى لا تكون منافسًا له، وبقيت فكرة الانقلاب العسكري فترةً في تاريخ جماعة الإخوان ولكن خارج مصر، وكانت نهاية كل محاولات الانقلاب مأساويةً على الجماعة، ففي كل المراحل ثبت أن النخب العسكرية هي القادرة على توظيف الجيش لخدمة النخب الحاكمة.

 

وفي مرحلة تالية بدأت جماعة الإخوان خوضَ غمار الانتخابات البرلمانية منذ عام 1984، مرورًا بتجربة التحالف مع حزبَي العمل والأحرار في عام 1987، ومع هذه التجارب عملت الجماعة بنشاط في النقابات المهنية وكذلك في الجامعات المصرية، وعلى هذا تأسس منهج للتغيير يقوم على العمل السياسي وعلى خوض الانتخابات، ولكنَّ هذا المنهج لم يحلَّ محل المنهج الأساسي للجماعة، والقائم على التربية واكتساب الأعضاء والمؤيدين.

 

ومع بداية الحراك السياسي في مصر في عام 2005 قامت الجماعة بقيادة مظاهرات تطالب بالإصلاح، وعملت مع القوى السياسية الأخرى المطالِبة بالإصلاح، وطرح هذا الموقف بُعدًا جديدًا للتغيير، يقوم على الاحتجاج السياسي السلمي، ويفتح الطريق أمام حالة من العصيان المدني، وفي نفس الوقت ركَّزت الجماعة على الانتخابات البرلمانية، وحقَّقت بالفعل نتائج متميزة، أدت إلى تأسيس جديد للوضع السياسي للجماعة في الحياة السياسية المصرية، وأكدت أنها تمثل القوى السياسية الجماهيرية الأولى في البلاد.

 

وربما تطرح هذه المواقف أسئلةً حول المنهج الأساسي للجماعة في التغيير، وهل تعتمد الجماعة على الاحتجاج السلمي المتمثل في المظاهرات، أم تعتمد أساسًا على التغيير من خلال صناديق الانتخاب، وقد جاء فوز حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بأغلبية المقاعد في المجلس التشريعي الفلسطيني لتضيف رصيدًا في اتجاه التغيير من خلال صناديق الانتخاب، وحماس تمثل إخوان فلسطين؛ ولهذا فما حققته يؤثر على تصور الجماعة عن منهج التغيير.

 

وفي ظل هذه المتغيرات التي تَطرح بقوة دور الأساليب السياسية في التغيير نرى أن الموقف في مصر يمثل واحدةً من التحديات الأساسية للجماعة، فالنظام المصري يمثل أشدَّ النظم العربية استبدادًا بالسلطة، وهو بهذا غير قابل للتغيير عن طريق صناديق الانتخاب، فمن الواضح أن النظام غير راغب في الإصلاح السياسي، وأمام هذه التحديات نرى اتجاه جماعة الإخوان المسلمين في مصر إلى التركيز على منهج التربية؛ باعتباره المنهج الأساسي في العمل والطريق الأهم للتغيير.

 

وربما يتساءل البعض: لماذا لا تلجأ الجماعة لمنهج العصيان السياسي وهي تملك القدرة على ذلك؟! وقد يرى البعض أنها لا تملك القواعد الكافية لمواجهة النظام، ولكنَّ الحقيقة أن منهج العصيان السياسي يتعارض مع التكوين الأساسي للجماعة، مثلما تعارض المنهج الانقلابي مع الأسس التي قامت عليها الجماعة، ولكن التغيير السياسي من خلال صناديق الانتخاب لم يتعارض مع طبيعة الجماعة بل كان منهجًا مناسبًا لها.

 

فالانتخابات تمثل عملاً جماهيريًّا بامتياز، يرتبط بالعمل التربوي والاجتماعي للجماعة، فكل أنشطة الجماعة التربوية والإصلاحية تقوم على جذب الجماهير ونشر رؤية الجماعة بينهم.

 

وفي الانتخابات أيضًا يكون العمل أساسًا مبنيًّا على الحشد الجماهيري، وهو ما يتناسب مع العمل التربوي والاجتماعي، وكأننا بصدد منهج يعتمد أساسًا على دعوة الناس للرسالة التي تؤمن بها جماعة الإخوان، وكلما تزايد عدد المؤيدين لهذه الرسالة كلما أصبح من الممكن تحقيقها على أرض الواقع، وبهذا يعتمد منهج الجماعة في التغيير على تغيير رؤية الناس أولاً؛ حتى يصبح لدى الجماهير رسالةٌ يعملوا من أجل تحقيقها.

 

وكلما تزايد المؤمنون بمنهج الإخوان كلما نجحت الجماعة في الانتخابات بقدر ما تكون الانتخابات نزيهة، وبهذا يصبح دخول الانتخابات منهجًا ثابتًا للجماعة؛ لأنه أصبح عملاً مكملاً لمنهج التربية، والذي يمثل العماد الأساسي للجماعة، أما العمل السياسي الاحتجاجي فيُعدُّ أداةً مكملةً لها ضرورتُها المرحلية، ولكنها ليست أداةً رئيسةً، وهو ما يفسر إقدام الجماعة على مظاهرات حاشدة في الرابع من مايو عام 2005، ثم جملة من المظاهرات المتتالية، وبعدها ابتعدت عن أسلوب التظاهر، وكأن التظاهر لم يكن لإحداث تغيير، بل كان وسيلةً مكملةً تمهد للانتخابات البرلمانية.

 

وعندما نحاول فهم المواقف السياسية لجماعة الإخوان يكون علينا رد تلك التصرفات على قاعدة أنها حركة اجتماعية تعتمد التربية منهجًا لها.. أي تغيير الناس؛ ولهذا لا تضحِّي الجماعة بفرصة العمل التربوي من أجل موقف سياسي، ولا تقبل فرصةً سياسيةً سانحةً تُنحيها في النهاية عن عملها التربوي.

 

والمشكلة الأساسية في المنهج التربوي أنه لا يمكِّن من فرض الإصلاح السياسي على النظام الحاكم، وبهذا يستمر العمل التربوي ويستمر تأثيره، ولكنَّ التغيير النهائي يصبح مؤجلاً؛ لهذا تحتاج الجماعة لمنهج تربوي يقوم على توجيه الجماهير لفعل اجتماعي واقتصادي وسياسي مشترك، يؤدي لتغيير حقيقي في البناء الاجتماعي مما يؤدي لتغيير البناء السياسي.