المتابع للسياسة الأمريكية خلال الأسابيع الأخيرة يلحظ تركيزًا خاصًّا فيها على إيران، وعلى الربط بينها وبين حماس وحزب الله وسوريا.. ففي فلسطين تشعر واشنطن بارتياحٍ تامٍّ إزاء سياسات التصفية التي تقوم بها إسرائيل ضد رموز المقاومة جميعًا، ما دامت إسرائيل قد أعلنت الحرب على هذا "الإرهاب الفلسطيني" من جميع الفصائل، وما دامت قد أعلنت أنَّ السلطةَ الفلسطينيةَ وبداخلها حماسُ هي عدو لإسرائيل.
وبالنسبة للمقاومة الفلسطينية- وعلى رأسها حماس- تبذل واشنطن أقصى الجهد لفرض عزلة إقليمية ودولية عليها. فقد أسعدها هذا الجدل الصحفي في تركيا مع رئيس الوزراء بسبب زيارة حماس لتركيا، رغم أنَّ رئيس الوزراء لم يقابل الوفد، والتقى به وزير الخارجية بصفته الحزبيةَ، وذلك بعد تحذير إسرائيل لتركيا بأنَّ علاقاتهما الإستراتيجية سوف تُعاني إذا تقاربت تركيا من حماس، وكان هذا التقارب جزءًا من سياسةٍ تركيةٍ تؤدي إلى تحول تركيا عن تحالفها الإستراتيجي مع إسرائيل.
وقد أزعج واشنطن أن تُعبِّر صحفٌ أخرى عن سعادتها بدور تركي في توثيق الروابط مع العالم الإسلامي، والاهتمام بالقضايا الإقليمية، بينما اتهمتها صحفٌ صهيونيةٌ تركيةٌ بأنَّ تركيا تحن إلى مرحلةِ الدولة العثمانية، التي أسهمت الحركةُ الصهيونيةُ في تقويض أسسها الإسلامية، ويمكن أن نشيرَ إلى تحريض كيسنجر في مقاله بالـ(واشنطن بوست) يوم 27 من فبراير 2006م اللجنة الرباعية أن تُعلن موقفها من حدود 1967م والقدس وتهجير عرب 1948م إلى الضفة الغربية في المستوطنات حتى تصبح إسرائيل دولة يهودية.
أما إيران فقد قررت واشنطن- فيما يبدو- العملَ على عزلها دوليًّا وإقليميًّا، وتصويرها على أنها خطرٌ عظيمٌ على المنطقةِ والعالم، وأنَّ النظامَ الديني غير الديمقراطي في إيران سيزداد خطره إذا حاز سلاحًا نوويًّا.. بُني الخطاب الأمريكي على الإقرارِ بحقِّ إيران في حيازة الطاقة النووية، وأن نقطة الخلاف مع نظام إيران هو تهديده لجيرانه وقمعه لشعبه، وإصراره على حيازة السلاح النووي، وهو ما لن يسمح به المجتمعُ الدوليُّ، ورحَّب بوش بالاقتراحِ الروسي بتخصيبِ اليورانيوم، ولكنه أكد أنَّ مستوى ما تحقق لم يبدد الخوف من الطموحاتِ النووية الإيرانية، وتحاول الولايات المتحدة أن تحشد دولَ المنطقة ضد إيران بسبب دورها في العراق والملف النووي ودعمها لحماس.
في نفس الوقت يعول بوش كثيرًا على موقف الهند وباكستان، وهما الدولتان المساندتان للموقف الإيراني؛ ولذلك فإنَّ تركيز بوش على الهند، وعلى التعاون في تطوير الطاقة النووية للأغراض السلمية، والتحالف الإستراتيجي معها، ودعمها في قضية كشمير، وتحريك الدعم الرسمي الباكستاني لهذه القضية في هذا الاتجاه لا بد أن يُثير التساؤل حول مقابل هذا التغير التاريخي في الموقف الأمريكي، ثم أكد بوش في أول زيارة لرئيس أمريكي إلى أفغانستان أن وجوده العسكري هو بدعوةٍ من حكومتها لاستمرارِ تطوير الديمقراطية والمجتمع، وهو يُعلن لأول مرةٍ أنَّ القوات الأمريكية ليست مهمتها البحث عن بن لادن والملا عمر، كما كان يُردد في السابق، وهو تطور مهم يستهدف الجمهوريات السوفيتية السابقة والصين وإيران.
ولعلنا نلاحظ أنَّ محاولةَ واشنطن احتواء غضب الصين من إلغاءِ تايوان للجنة توحيد الجزيرة مع الصين الأم؛ بذريعة أنَّ اللجنةَ معطلة، واستغراب واشنطن من هذه الخطوة التي جلبت غضبًا صينيًّا عارمًا هو محاولة لعدم إثارة الصين في هذه المرحلة، التي تركز فيها واشنطن على إيران، ومؤدى ذلك أنَّ واشنطن أشعرت الصين بأنها يمكن أن تساعد في هذه القضية إذا ساعدت الصين واشنطن في خطها الهادف إلى عزل إيران وإدانتها في مجلس الأمن.
إنَّ موافقةَ بوش على قبول الهند كقوة نووية وعضوًا في النادي النووي على أن تقبل الهند التفتيش النووي على بعض منشآتها الذرية من جانب الوكالة دون أن يصرَّ بوش أو حتى يُثير اقتراحَ أن توقع الهند على اتفاقية حظر الانتشار النووي، وقبول التعاون معها في المجال النووي، وتقديم المواد النووية التي لا يجوز تقديمها إلا للدول الأطراف في الاتفاقية، وذلك كله انصياعًا للطلبات الهندية كلها تقريبًا، وسط إعلان قادة الهند قبيل الزيارة بأن الهند تتعامل مع واشنطن على قدم المساواة، وهو ما يضع علامات استفهام عمَّا هو مطلوب من الهند مقابل ذلك كله.. الواضح أن الهند مطلوب منها أن تقتنع بأنَّ إيران خطرٌ إقليميٌّ، وأن الهند يجب أن تكون جزءًا من التحالف الدولي ضدها، وربما إقناع الهند بأنها طرفٌ في معادلةِ الأمن الإقليمي في آسيا في مواجهة الصين.
ومما يُذكَر أنَّ الهندَ أيدت في مجلس محافظي الوكالةِ الدولية للطاقة الذرية- خلافًا لمواقفها السابقة المؤيدة لإيران- إحالة ملف إيران إلى مجلس الأمن إذا قررت الوكالة أن إيران لم تحترم التزاماتها وفق اتفاقية منع الانتشار، ويحلو لباكستان أن تؤكد أنها تؤيد حق إيران في حيازة التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية، وأن تغيِّر موقف الهند في الوكالة كان قد تم بضغط أمريكي، ولكننا نعتقد أن تغير موقف الهند لم يكن بسبب الضغط الأمريكي وحده، وإنما ظاهر هذا السبب سبب آخر، وهو سلوك الحكومة الإيرانية في الملف النووى، وكذلك التصريحات الملتهبة التي أدلى بها الرئيس الإيراني حول إسرائيل والمحرقة، وهي التي ألبت عليه الدوائر الصهيونية في العالم، فكانت هذه التصريحات إحراجًا للدول الصديقة لإيران.
ويبدو أن ما تريده الولايات المتحدة من الهند بالنسبة للملف النووي الإيراني هو أبعد من مجرد مساندة الموقف الأمريكي في الوكالة، وإنما الاستعداد لقبول فكرة التحالف الدولي ضد إيران؛ تمهيدًا لإسقاط نظامها، وقد لقي موقف بوش من الاعتراف للهند بوضع الدولة النووية نقدًا شديدًا داخل الولايات المتحدة، وكذلك في الهند وباكستان معًا، على أساس ازدواج المعايير، ورفض الاعتراف بنفس الوضع لإيران وكوريا الشمالية وباكستان، وقد شعر الهنود بالتحدي والندية مع بوش، لأنهم هم الذين طوروا قدراتهم النووية دون مساعدةٍ دوليةٍ، فإذا ضمنت واشنطن الموقف الأوروبي والإقليمي، فهل يكفي ذلك لإقناع إيران بالتوقف عن طموحاتها النووية؟! أعتقد أن هذه العزلة قد تدفع إيران إلى الإسراع بحيازة السلاح النووي لاعتبارات نفسية، كما أن وضع الهند النووي الذي فرض نفسه على واشنطن سوف يشجِّع إيران على تحقيق طموحاتها النووية.
بالمقابل يقوم الرئيس الإيراني بجولة في الخليج لطمأنة هذه الدول إلى سياساته السلمية، خاصةً أن دول الخليج تدرك مخاطر الصدام الإيراني- الأمريكي والإسرائيلي على الخليج والمنطقة بأسرها، خاصةً إذا قررت واشنطن أو إسرائيل ضرب المنشآت النووية الإيرانية وسط شعور عام في العالم الإسلامي باستهداف إيران ضمن استهداف العالم الإسلامي لخدمة المصالح الصهيونية في العالم.
يكفي أن نشير إلى أن صحيفة الـ(واشنطن بوست) قد أجرت استطلاعًا فور صدور تصريحات الرئيس الإيراني ضد إسرائيل، وكشف هذا الاستطلاع عن أن الأغلبية الساحقة في العالم الإسلامي تبدي إعجابها بهذه التصريحات والشجاعة في إبدائها، في مناخ تفرض فيه الحركة الصهيونية كبتًا وقمعًا على العالم الإسلامي.
----------
* مساعد وزير الخارجية السابق ومستشار المؤتمر الإسلامي الأسبق.