أ. د توفيق الواعي
بقلم: أ. د توفيق الواعي

لقد نجحت حماس.. هذا الفصيل المجاهد الذي حمل العبء عن الأمةِ الإسلامية ووقف في وجه المحتل ودافع بلا تردد عن فلسطين والمسجد الأقصى، وعن شعبٍ ظُلِمَ من الجميعِ وذُبِحَ أمام الجميع.. حماس التي خاضت غمار الكفاح المسلح بعد أن ألقى الجميع السلاح، وانسحبت الدول بجيوشها الجرارة وآثرت اللهو والعبث وتركت لليهود الحبل على الغارب لتفعل ما تشاء وتتعملق على أكبر الدول في المنطقة، وتجيش العالم ضد العرب، وتجعل منهم خدامًا لها، يهرولون في تلبية طلبها؛ طمعًا في إرضائها، لتساعدَهم ضد شعوبهم، وتسانِدَهم في الحفاظِ على كراسيهم ومناصبِهم.
نجحت حماس التي تحمَّلت ما لا تتحمله الرواسي من القتل والاعتقال لقادتها وأبنائها، وصبرت على تمزقِ السلطةِ وتعدياتها واعتقالاته، ومساعداتها للعدو ضد المقاومة؛ حفاظًا على الدمِ الفلسطيني، وخوفًا من انفراط عقد الوحدة والصمود للشعب.
كما تحمَّلت أفعال الخونة وقيامهم بإرشاد الصهاينة على قادتها واغتيالهم وتمزيق أجسادهم على قارعة الطريق، وصبرت وصابرت على هجر معظم الأنظمة لها، وعلى عدم مد يد المعونة لها أو حتى الدفاع عنها ولو بالبيانات أو حتى الشجب والاحتجاجات.. ومع ذلك لم تَلُم أحدًا أو تُغضِب دولةً من تلك الدول، حتى لا تشيع القطيعة أو تشارك في الخصومات بين تلك الدول بعضها مع بعض.
حماس- التي نجحت في الانتخابات التشريعية في فلسطين- لم تحقق هذا النجاح الكاسح إلا بعد عملٍ وجهدٍ وتربيةٍ وإخلاصٍ ورجولةٍ ودفاعٍ عن شرفِ الأمة وشرف الشعب الفلسطيني المجاهد، ذلك الشعب الذي برهن على أنه يستحق الاحترام والاستقلال، ويستحق حكومةً طاهرةً قوية تُمسك بالرايةِ وتتقدم الصفوف رائدة عظيمة تضرب المثل، وتكون عند التوقعات وحسن ظن الجميع، تكب العدو وتفرح الصديق، وتسير سيرةً طاهرةَ الذيل، نيرة الوجه، عظيمة العزم، ثابتة الخطوة، ترهب عدو الله وعدو الإنسانية.
ولقد كان نجاح حماس المدوي هذا مفاجأةً كبيرةً تناولتها وسائل الإعلام المختلفة، المرئية والمسموعة والمقروءة في العالم العربي والغربي، وخرجت تصريحاتٌ كثيرةٌ من قادتها تارةً غاضبةً وتارةً عاقلةً وسنعرض في هذه العجالة الشيء منها:
- كتب دونال ماكنتر مراسل صحيفة الـ(إندبندنت) 27/1/2006م، معلقًا على تصريحاتِ منع المعوناتِ عن السلطةِ الفلسطينية بعد فوز حماس قائلاً: هل تدرك حماس أنَّ عددَ الموظفين في دوائر السلطة المختلفة يزيد على المائةِ ألف موظف، جميعهم يدينون لمنظمة فتح؟
قادة حماس شرعيون، وقادة الغرب يهددون بقطع المساعدات عن السلطة الوطنية حتى تتراجع حماس عن المقاومة وعن رغبتها في إزالة الكيان الصهيوني، وإذا انقطعت المساعدات فلن تجد السلطة مالاً تدفع به رواتب موظفيها، ولا يمكن لقادة الغرب أن ينفذوا هذا التهديد؛ لأنهم إن نفذوه فسيتم تسريح هؤلاء الموظفين وستعم الفوضى أرض فلسطين وسيزول الاستقرار في المنطقة، وإنَّ إسراعَ رموز حماس بدعوة فتح للتشاور في حكومة وطنية يشير إلى رغبتهم المستترة في استمرار نهج التهدئة التي تؤدي إلى تفاوض، وينبئ بأنَّ هذه الرغبةَ ستصبح يومًا ما حقيقة.
والواقع الذي لا شك فيه أنَّ حرصَ التياراتِ الإسلامية على المشاركة السياسية باهتمام وفاعلية مدفوع بمجموعةٍ من المبررات.
أولها: تهميشها في دولٍ كثيرةٍ ولفتراتٍ طويلةٍ، بل واستهداف رموزها من معظم الحكومات من خلال حملات والاعتقال والتطويق والتضييق والحصار السياسي والثقافي والاجتماعي.
وثانيها: الرياح التي حملها المناخ العام المتزايد للإصلاح السياسي الداخلي، والأخذ بمبادئ التعدديةِ والأدبيات الديمقراطية جعلت من الصعب تجاهلها، في وقت تمَّ فيه السماح لتيارات أخرى بممارسة حقوقها السياسية.
وثالثها: أنَّ المشاركةَ تعتبر المدخل الشرعي الوحيد للانتشار والمنافسة والتفوق للوصول إلى أهدافها الحقيقية في الحكم أو الاقتراب منه عبر منافذها المختلفة.
ورابعها: محاولة التفرقة بينها وبين القوى الإسلامية المتشددة التي تُثير تصرفاتُها غضبَ كثير من الدوائر السياسية الإقليمية والدولية والحلية.
- ولقد أجرى وولف بيلتزر مقابلةً مع بنيامين نتانياهو رئيس الوزراء الصهيوني السابق الذي اعتبر أن فوز حماس "انتكاسة كبيرة لعملية السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين"، وقال إنَّ حماسَ سوف تسير على خطى النظام الإيراني، وأكد أن على "إسرائيل" أن تواصل العمل على مواجهة الإرهاب المتمثل في "حماس".
وزعم نتنياهو أن إيران تقوم بدعم حماس، الأمر الذي من شأنه أن يجعل وجودها في السلطة وتشكيلها الحكومة أمرًا يدعو إلى الحذر.
- الرئيس الأمريكي جيمي كارتر ركَّز على ضرورة قبول حماس التفاوض لقيام دولتين فلسطينية و(إسرائيلية)، والاعتراف بفلسطين كدولة في حدود 1967م.
بشكلٍ عام تفاوتت ردود الأفعال تجاه فوز حماس المدوي، وسوف تثبت الأيام القادمة إن شاء الله أن الشعب الفلسطيني أحسن الاختيار، وتعلم الدرس.
إن حماس غير السلطة الفلسطينية المترهلة؛ حماس ستقابل تعنُّت اليهود بالحزم والعزم، وستصبر وتتقي الله في الناس، وتعيش بينهم- كما هو شأنها دائمًا- لا تسرق أموالهم بل تُنميها، لا تنعزل عن الناس بل ستواسيهم، تأكل مما يأكلون وتعيش كما يعيشون، ولن يبيع أحد من الشعب الفلسطيني أرضَه وشرفَه عندما يجد المثل الحي للرجولة أمامه، ولكن هذا في الحقيقة اختبار للعرب.. اختبار للمخلصين في الأمة، فهل تقفون مع حماس في جهادها، أم تنكصون وتتركون للقوى الباغية تمنع عن فلسطين المال والكهرباء إنا لمنتظرون..
﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: من الآية 40).