هذه الصناعة يعمل بها 2.5 مليون عامل، من عاملين بالمزارع وتُجار الأعلاف وسيارات النقل وأصحاب محالِ بيع الدواجنِ وغيرهم، وليس سهلاً أن يُترك نحو 2 مليون أسرة تعيش في ظل أزمة تمَّ التعاملُ معها بنوعٍ من الهلعِ وليس تعاملاً علميًّا يحافظ على تلك الثروةِ التي أُهدِرت وينتظر أن تمضي عدة سنوات لتعود إلى ما كانت عليه، فهناك 17243 مزرعة دواجن يعمل بها أكثر من 2.5 مليون عامل، بالإضافة إلى محلات بيع الدواجن، والمرخص لها بالعمل، ويتجاوز عددها أكثر من 50 ألف محل وفقًا للاتحاد العام للغرف التجارية، غير أن هناك قطاعًا غير رسمي في إنتاج الدواجن في المدن والقرى المصرية لا تحصره الدولة، وسيعاني من تداعيات وخيمة، خاصة أن معظمه من الفقراء وخاصة النساء اللاتي يَعُلن أسرهن، عَبْر بيعِ الدجاج في المدن أو للأُسر مباشرةً.
ضياع نحو 20 مليار جنيه مصري كاستثمارات موجودة داخل هذه الصناعة، ويضاف أن صناعة الدواجن في مصر نجحت خلال السنوات الماضية من أن تحقق الاكتفاءَ الذاتي في طريقها للتصدير.
استمرار حظر البيعِ والذبح بالمحال التجارية المتخصصة في الدواجن، فإن ذلك يعني دمارًا لتلك الصناعة التي بلغ حجم الاستثمار بها قرابة 20 مليار جنيه، فالصناعة تخسر يوميًّا من 10 إلى 12 مليون جنيه، أي ما يعادل 300 مليون جنيه شهريًّا.
هذا القطاع كان له إيجابياته الاقتصادية على واقع المجتمع المصري من حيث تشغيل هذا العدد الكبير من العاملين في ظل أزمة بطالة خانقة تعيشها مصر، والعمل على سدِّ فجوة إستيرادية كانت من الممكن أن تفاقم أزمة سعر الصرف التي مرت بها مصر منذ سنتين تقريبًا وزيادة العجز في الميزان التجاري الذي يعاني عجزًا مزمنًا يُقدَّر بنحو 6 مليار دولار.
* وفَّرت صناعة الدواجن غذاءً بيروتينيًّا لشريحةٍ واسعة من الفقراء لم يكن متوفرًا لهم من قبل الحصول عليه، وفي هذا الصدد لا بد أن نذكر أن هناك شريحةً من المهمَّشين كانت تدبِّر احتياجاتِها في إطار مواردِها المحدودةِ من الدخلِ بشراء بعض أجزاء الدَّجاج من الأسواق دون الحاجة لشراءِ دجاجة كاملة كشرائِهم أجنحة أو أرجل أو كبد الدجاج بكميات محدودة تناسب ظروفَهم.
* تعاني مطاعم الفاست فود التي تتجاوز استثماراتها الـ 11 مليار جنيه من إجمالي 36 مليار جنيه جحم مشروعات الفرانشايز في مصر من آثار أزمة أنفلونزا الطيور، فهذه السلاسل تضم أكثر من 36 ألف عامل أصبحوا مهددين بالتشرد في حالة استمرار هذا الوضع لفترة طويلة، وبلغت نسبة انخفاض المبيعات لأكثر من 90% خصوصًا في المحال التي تعتمد على وجبات الفراخ فقط، أما المحال التي لها بدائلُ أخرى فانخفضت مبيعاتُها بنسبة 60% موضحًا أن الخسائرَ على المدى القصيرِ تصل إلى 100%، أما الخسائر على المدى الطويل فلا يمكن تحديدُها الآن.
الإجراءات الاقتصادية التي اتخذتها الحكومة لمواجهة الأزمة:
فيمل يلي بعض الإجراءات التي أُعلِنت من قِبَل الحكومةِ لمواجهةِ التداعياتِ الاقتصاديةِ لأزمةِ أنفلونزا الطيور:
1- أُصدِرت تعليماتٌ مكتوبةٌ إلى رؤساء المناطق الضرائبية بالتيسير على منتجي الدواجن وتقسيط المستحقات الضريبية عليهم مع منحهم فترةَ سماحٍ تتناسب مع فترة انتهاء الأزمة، وطبقًا للضرر الواقع على الممولين في الأنشطة الداجنة حيث بلغ عدد الممولين 71 ألف ممول على مستوى الجمهورية منهم 58 ألف ممول من الأشخاص الطبيعيين و18 ألف ممول من الأشخاص الاعتباريين، والمعروف أن مزارع الدواجن تتمتع بإعفاء ضريبي 10 سنوات، ولكن التجار غير معفيين.
2- تشكيل لجنة وزارية لوضع الإجراءات التنفيذية لشراء جميع الدواجن الحيَّة من المنتجين، بما يسمح بتعويض أصحاب المزارع.
3- الاستمرار في إغلاق محلات الدواجن لمدة 15 يومًا مع السماح بتغيير نشاطها مع إعفاء إجراءات التغيير من الرسوم، كما يقوم الصندوق الاجتماعي وجهات الإقراض بتقديم قروض مُيسَّرة لشراء مستلزمات الإنتاج الخاصة بالنشاط الجديد.
4- تشجيع إنشاء المجازر والثلاجات اللازمة للتحول التدريجي لبيع الدواجن مجمدةً بدلاً من الحية،وكذلك تشجيع أجهزة الإقراض الصغير للتحوُّل من تربية الدواجن بالمنازل إلى مشروعات أخرى.
5- نشر إعلان من قِبَل الصندوق الاجتماعي للتنمية لتقديم قروض للمضارِّين من الأزمة سواء كانوا أصحاب مزراع أو تجار، بحيث يمكنهم استئناف نشاطهم أو التحول لنشاط آخر.
مطلوب من المجتمع المدني.
الدور التوعوي في غاية الأهمية من خلال تنظيم حَمَلات توعية ووجود برامج تثقيفية لعموم أفراد المجتمع، خاصة أن التصاق المجتمع المدني من خلال منظماته بالناس يولِّد ثقةً أكبر من البرامج المُقدَّمة من قِبَل الأجهزةِ الحكوميةِ، وليس الدور التوعوي قاصرًا على الجوانب الخاصة بالتعامل الصحي لتجنب الإصابة بالمرض، ولكن أيضًا كيفية الاستهلاك السليم للدواجن والطيور بصفة عامة بما لا يعطِّل إمكانيات المجتمع في هذا الجانب، ولا مانع من تنظيم معارض لبيع الطيور والدواجن عن طريق مؤسسات المجتمع المدني، بعد أن تستوفي الشروط اللازمة، وبذلك نقلِّل من الخسائر الاقتصادية المترتبة على تجنب تناول الطيور والدجاج، وسوف يُعزِّز من هذا الدور مشاركةُ نقابة البيطريين والمؤسسات الأخرى التي تختص بجوانب سلامة الطيور والدواجن المستخدمة.
1- قيام بعض الجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني بجمع الطيور النافقة والتخلص منها بطريقة علمية، وذلك بالمحافظة على الترع والمصارف ومجرى النيل من وجود هذه الطيور وتنبيه الأفراد إلى خطورة هذا التصرف.
2- تبني حملاتٍ لجمع تبرعات لصغارِ المضارِّين من عُمال ومُربين؛ حيث إن هذه الشريحةَ قد يغيب عنها الدعم الحكومي، إذ من المتوقع أن يقدم هذا الدعم للقطاع الخاص المنظم.
3- وقد تفرض قضيةُ التأمين على العمالةِ لدى القطاع الخاص أيًّا كانت صورته مهمةً جديدةً على الجمعيات الحقوقية المعنية بحقوق هؤلاء العاملين سواء بالمزارع أو المتاجر، فمن الواجب أن يتمَّ التأمين عليهم من الآن لتفادي التعرض لمثل هذه الأضرار مستقبلاً إذا ما واجهنا مشكلاتٍ مماثلةً، وأيضًا أهمية وجود جمعيات تعتني بحقوق هؤلاء على أن يسهم فيها فيما بعد أصحابُ المزارع بنصيبٍ من حصة التمويل.
4- من الأهمية بمكان أن تضغط مؤسسات المجتمع المدني لتقديم تعويض لمُربِّي الطيور بالمنازل خاصة في المناطق الريفية، أو على الأقل تقديم قروض متناهية الصغر لهؤلاء؛ حتى يمكنهم تدبير شئون حياتهم.
5- محاربة ارتفاع الأسعار قد تأخذ صورًا عدة منها تفعيل دور جمعيات حماية المستهلك، أو الدعوة للامتناع عن استهلاك البدائل المغالَى في أسعارها، أو الضغط على الأجهزة الرقابية بالدولة للقيام بدورها في مراقبة الأسعار، وتشجيع الفكر التعاوني بتفعيل الجمعيات القائمة سواء كانت انتاجية أو استهلاكية للمساهمة في خدمة المستهلكين.
وقد يُقرأ أداء المجتمع المدني في هذه الأزمة قراءةً سياسيةً، ولكن هذا لا يمنع من أداء الواجب، فالأزمة شأن عام ويجب ألا يتخلف أحد، وعلى الحكومة أن تستفيد من هذه الجهود، بل والعكس هو المطلوب.. أن تقدِّم الحكومة من خلال مؤسساتها التنفيذية ما يساعد المجتمعَ المدني من القيام بدوره، وكذلك على المجتمع الأهلي أن يوظِّف الحدث في إطاره المجتمعي.. فيعي طبيعةَ دوره بأنه أشبه بالدور الإغاثي الخيري وليس نوعًا من الأداء السياسي الذي يستجلب عداءَ الآخرين.
مراجعة سياسات الخصخصة:
يرى البعض أهميةَ مراجعةِ الخصخصةِ في ظل مثل هذه الكوارث، فالقرارات التي اتخذتها الحكومة مؤخرًا بوقف الفوائد على قروض أصحاب مزارع الدواجن أو السماح بالتأخير في سداد أصل القروض لن تلتزم بها بنوك القطاع الخاص، وليس أمام الحكومة إلا بنوك القطاع العام لتفعيل قرارها، ومن جانب آخر فإن الأزمةَ فرضت بالفعل حالةً من البطالة بين العاملين في هذا القطاع، والمُضي في سياسات الخصخصة سوف يضيف آخرين إلى صفوف العاطلين، بينما يعترض البعض على هذا المُقترَح مبينًا أن الدور الاجتماعي للدولة لا يتعارض مع استمرار تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي؛ حيث إن الدعم الذي تقدمه الحكومة يمكنها تقديمُه من خلال بنوك القطاع العام أو الخاص، حيث إن أموال بنوك القطاع العام ليست ملك الحكومة أو هذه البنوك، ولكنها ملك المودعين، فالبنك في الأول والأخير مؤسسةٌ اقتصاديةٌ، وليس جمعيةً خيريةً يمكنها تقديم الدعم من خلال دفعة لهذه البنوك لتعويضها عن فوائد القروض، وفي هذه الحال بإمكان البنوك أيًّا كان نوعها أن تخفض نسبةَ الفوائد كشريكٍ مع الحكومة في هذا الدعم، أما أن تتحمل البنوك هذا الدعمَ بشكل منفرد وبقرار من الحكومة فهذا يتعارض مع أصول العمل الاقتصادي.
أهمية اعتماد المنهج العلمي:
البعض يرى أن الأزمة تم التعامل معها بعيدًا عن المنطق العلمي، وأن سياسة الهلع والخوف لا تتناسب مع إدارة الأزمات، وإذا كنا نتحدث عن دور للمجتمع المدني فيتم التركيز على الأساليب العلمية للتعامل مع هذه الأزمة من خلال طمأنة الناس وتعريفهم كيف يتعاملون معها من خلال كيفية دفن الطيور النافقة في المنازل أو في المزارع، وأن التعامل مع الطيور السليمة لا شيء فيه، وأن إعدام الطيور يكون في تلك الدوائر التي تظهر فيها حالة إصابة فيتم إعدام الطيور في محيط كيلو متر مربع وفي أوروبا يوسِّعون هذه الدائرةَ لنحو 3 كليو متر مربع، وأن يتم توفير الملابس للمتعاملين بصورة مباشرة مع الطيور بالمزارع والمحلات، وأن نستوعب أن درجة حرارة من 60-70 درجة مئوية كافية للقضاء على الفيروس، وأن توفر إمكانيات المعامل المطلوبة، وأدوية الأطفال بشكل سريع.
بداية غرفة الإسكندرية:
في الوقت الذي انصبَّ الحديث فيه عن أصحاب المزارعِ وتمويل الصناعة وهو أمر هام فإن هناك جانبًا آخرَ من الأزمة..فهم قد لا يكونون مرتبطين بقروض البنوك أو التعاملات المؤسسية، وهؤلاء منهم أصحاب المحلات التي كانت تبيع الدواجن، فهم أصحاب أسر، ولديهم التزاماتٌ ضروريةٌ وعاجلةٌ، ومن هنا وحسبما نشرت جريدة الوفد في يوم الإثنين 20/2/2006م اتخذت الغرفةُ التجارية بالإسكندرية قرارًا لمساعدة هؤلاء وخيَّرتهم بين أمرين.. أن يقوموا بإعدام ما لديهم من طيور أو الذهاب بها للمجازر الآلية للذبح والتجميد، وأن يغلقوا محالاتهم لمدة شهر لحين عبور الأزمةِ، على أن تقدِّم لهم الغرفة 300 جنيه كراتب شهري مؤقت لكل تاجر لحين انتهاء الأزمة، هذا بالإضافة إلى توفير محرقة بسعة 4 آلاف دجاجة في حالة تعذُّر قيام التاجر بعملية التجميد، وتقديم سلفة قدرها 5000 جنيه عند استئناف التاجر لنشاطه أو حتى في حالة رغبته في تغيير نشاطه.
وقد طالب المشاركون في ندوة أمانة النقابات المهنية أن يكون هناك دورٌ لاتحاد الصناعات والغرف التجارية في مساعدة المضارِّين، ومن المناسب أن تقوم غرف التجارة في المحافظات التي وصل إليها الفيروس بدور مشابه لما تمَّ في الإسكندرية، ونحسب أن جهات أخرى يمكنها القيام بهذا الدور في نطاقها الجغرافي من خلال الجمعيات الأهلية بتقديم مرتباتٍ مؤقتةٍ للمضارين لحين انتهاء الأزمة أو تقديم قروض لتحويلهم لأنشطة أخرى.
دور المؤسسة الدينية
المعروف أن الشعب المصري متديِّنٌ بطبعه.. متعاطف بشكل كبير، وفي هذه الأزمة لا بد وأن تُوظَّف هذه المشاعر النبيلة لخدمة أبناء الوطن، فعندنا بابٌ واسع من أبواب الزكاة وهو باب "وفي سبيل الله" أو توجيه الصدقات والكفَّارات لهذه الفئة، ومن الممكن أن يوجِّه السادة الخطباء ومن يثق الناس في فتواهم إلى توجيه الناس إلى تعويض من أُضِيروا من هذه الأزمة بأن يتمَّ تقديم بدائل لهم تُعينهم على أمر حياتهم، وهذه البدائل تأخذ شكلين الأول: في الأجل القصير.. بتدبير احتياجاتهم النقدية العاجلة، والثاني: طويل الأجل.. في تقديم مشروع بديل يدرُّ عليهم دخلاً مناسبًا كوجود بعضِ رءوس الماشيةِ من ماعز وخراف يقومون بتربيتها لتعويضهم عن خسائِرهم.. هنا نتذكر فريضةً غائبةً وهي الوقف لمساعدة مثل هؤلاء المتضررين، ولعل صناديق استثمار الوقف تمثِّل حلاً عاجلاً وسريعًا لمعالجةِ مثلِ هذه الأمورِ، وهناك نحو 19 ألف جمعية خيرية في مصر يجب أن تضعَ الأمرَ نصب أعينها.. فتعمل على توفير فرص عمل بديلة أو المساعدة في سدِّ حاجات الأسر أو وقوف هذه الصناعة مرة أخرى لتؤدي الدور المنوط بها.