نستكمل المبادئ السبعة التي حددها الأستاذ البنا في رسالته إلى الحكام العرب، والتي اجتهد في قراءتها من الإسلام العظيم، والتي ينبغي على الأمة الناهضة أن تضعها أمام عينيها.

 

فبعد أن تحدث عن الأمل والعزة القومية كجوانب معنوية ونفسية لا غِنَى عنها لنهضة الأمم تطرَّق إلى الجوانب العملية التي تقيم تلك النهضة في الواقع بين الناس وبأياديهم وأيادي أبنائهم من بعدهم.

 

3) القوة: يقول الأستاذ: "تحتاج الأمة الناهضة إلى القوة وطبع أبنائها بطابع الجندية، لا سيما في هذه العصور التي لا يُضمن فيها السلم إلا بالاستعداد للحرب، والتي صار شعار أبنائها جميعًا (القوة أضمن طريق لإحقاق الحق) والتي استلهمها الأستاذ البنا من الآية الكريمة ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّهٍ..﴾ (الأنفال: 60) وحديث الرسول الكريم- صلى الله عليه وسلم- "المؤمن القوي خيرٌ من المؤمن الضعيف" وشعار الإخوان المسلمين إلى يومنا هذا يحمل كلمة "أعدوا"، وكانت كلمات (الحق- القوة- الحرية) من الكلمات الجامعة التي توضح مجال الدعوة ومدار حركتها.

 

لا شك أن أهم مظهر من مظاهر القوة هو القوة العسكرية، فهي التي تمنح الأمم المهابة والاحترام بين باقي الأمم:  

إذا المرء لم ينهض بقائم سيفه       فيا ليت شعري كيف تُحمى الحقائق

 

وهذه من حقائق الحياة وسنن الكون.. لكن العبرة في كيفية استخدامها، يقول الأستاذ: "إن العسكرية في الإسلام بوليس العدالة وشرطة القانون والنظام، أما عسكرية الآخرين فقد علم الناس جميعًا أنها جيش الظلم وجند المطامع" ومعنى القوة يمتد ليغطي كلَّ جوانب الحياة، فالاقتصاد المتين القائم على الإنتاج والوفر.. قوة، والتعليم المنهجي الهادف إلى صياغة الإنسان علميًّا وتربويًّا.. قوة، والمعرفة الشاملة وثقافة الفكر.. قوة.

 

4) الصحة: يقول الأستاذ: "ينطق الإسلام بعناية بالغة بصحة الأمة العامة وتشديده في المحافظة عليها وإفساح صدره لكل ما فيه خيرها وسعادتها من هذا الجانب الهام".. الآن في نظريات الأمن القومي يَعتبر الباحثون أن الصحة العامة ومعدلات الإصابة بالأمراض وتوطّنها وخطط الوقاية والتحصين ركنٌ ركينٌ من سلامة الأمن القومي- لأي أمة- والإسلام كمنهج حياة وثقافة تحدد أشكال السلوك الاجتماعي لم يترك مجالاً في هذ الجانب إلا وضَّحه وتناوله بالمعالجة الدقيقة، من تناول الطعام إلى النوم إلى العلاقات الأسرية إلى البيئة.. إلى كل مكونات الحياة الطبيعية، وهو ما لفَت نظرَ كثيرٍ من المستشرقين عن طبيعة هذا الإسلام العظيم من أنه دين ودنيا، فنقرأ لأحدهم "إن الإسلام هو وحده القادر على إعطاء البديل الصالح للبشرية بقيمه وتناسقه وتشريعه الحي".

 

5) العلم: يقول الأستاذ: "الإسلام يَعتبر العلمَ فريضةً من فرائضه، وحسبك أن أول آية نَزَلت من كتاب الله ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِيْ خَلَقَ* خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ* اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ* الَّذِيْ عَلَّمَ بِالْقَلَمِ* عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (العلق: 1- 5) وقد وزن الإسلام مدادَ العلماءِ بدم الشهداء، ولم يفرِّقْ القرآن بين علم الدنيا وعلم الدين".. يشير الأستاذ هنا إلى أهم مبدأ من مبادئ النهضة في كل الأمم وهو العلم، وهو ما أدى إلى حالة الانتكاس التي أصابت الحضارة الإسلامية من القرن الرابع عشر، حين أهملت علوم الدنيا والتي كان علماء العرب قد حقَّقوا في بحثها واكتشافاتها خطواتٍ متقدمةً عن الأمم الأخرى، وسيطر على البعض مفهوم أن العلم ما قال الله وقال الرسول.. وحصروا ما قال الله والرسول في الأمور المتعلقة بالعقيدة والفقه وما إلى ذلك، ونسوا أو تجاهلوا قول الحق- تبارك وتعالى- حين قال ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِيْنَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِيْنَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: من الآية 9) ولم يقيد- سبحانه وتعالى- العلمَ هنا بعلوم الدين ولوشاء لفعل بل جعل كلمة ﴿يَعْلَمُوْنَ﴾ مطلقةً لكل ما يُعلم من أنواع العلم، ونحمد الله أننا تجاوزنا هذا الفهم ولم يعد يذكره أحد.

بالعلم والمال يَبني الناس ملكهمو           لم يُبنَ مُلكٌ على جهل وإقلال

 

6) الأخلاق: يقول الأستاذ "الخلق الفاضل المتين والنفس الكبيرة العالية الطموح أهم شيء للأمم الناهضة، والقرآن ربط بين الفلاح وصلاح النفس ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ (الشمس: 9) وجعل تغيير شئون الأمم وقفًا على تغيير أخلاقها وصلاح نفوسها وليس كالإسلام عاملٌ على إيقاظ الضمير وإحياء الشعور وإقامة رقيب على النفس وذلك خير الرقباء، وبغيره لا ينتظم قانون ما إلى أعماق السرائر وخفيات الأمور".

 

ستظل هذه المسافة هي أهم وأقوى مسافة بين الإسلام كنظام حياة وبين باقي الأفكار والنظريات.. تلك المسافة التي يكون فيها الإنسان رقيبًا على نفسه يقظًا على سلوكه.. ممتلئًا إحساسًا بما ينبغي أن يكون وما لا ينبغي.. بما هو صواب وما هو خطأ.. بما هو جميل وما هو قبيح.. كل هذا في صلةٍ مباشرةٍ بينه وبين خالقه الذي يسجد له في اليوم والليلة أكثر من ثلاثين مرة.. "إحسانًا" في علاقة العبودية الحقة بينه وبين الله؛ لأن معنى "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" هو المعنى الذي يملأ عليه كيانه كله فكرًا وشعورًا.. في سكونه وحركته في علاقته بنفسه وعلاقته بالمجتمع من حوله، في تطبيقاته لكل دور من أدواره في الحياة، ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.

 

ومهما قيل في الضمير والردع والقانون فلن تثمر ثمرة في هذا المعنى كثمرة ﴿لِيَجْزِيَ اللهُ الصَّادِقِيْنَ بِصِدْقِهِمْ﴾ (الأحزاب: 24) وحسبنا الشهر السنوي الذي يؤدي فيه المسلم عبادةً بينه وبين خالقه لا يطلع عليه فيها أحدٌ- أيًّا من كان- وأقصد صيام رمضان في عملية مراجعة واستحضار لأهم مكون من مكونات الإيمان الصحيح وهو (خشية الله)، ولا شك أن هذا الجانب في النظرية الأخلاقية في الإسلام من شأنه أن يجعل الإنسان شريفًا عفيفًا طموحًا إلى العلا والسموِّ بمعنى حياته، فيكره الكذب والخداع والجبن، ولا يعرف النفاق والتملق والريبة في علاقاته بمن حوله.

 

7) الاقتصاد المنظم: يقول الأستاذ: "الشئون الاقتصادية هي أهم الشئون في هذه العصور، ولم يغفل الإسلام هذه الناحية، بل وضع كلياتها ولم يقف أمام استكمال أمرها، وأي نظام اقتصادي فاضل يرحِّب به الإسلام ويدعو الأمة إلى تشجيعه ولا يقف أبدًا في سبيله".

 

ولنا أن نتأمل بكل الدقة عبارة "ولم يقف أمام استكمال أمرها.." وللأسف الشديد لا زال هناك مَن ينطق بكلامٍ يشكِّك في إمكانية تعايش المسلمين مع الأنظمة الاقتصادية الحديثة، ومع كل أشكال التطور في مناحي الحياة كلها، رغم أن هذه الجملة السابقة بكل ما فيها من وضوح وبساطة مكتوبة في رسالة لمؤسس أكبر حركة إصلاح إسلامي في هذا العصر، ومنذ ما يقرب من سبعين عامًا..

وقد تنكر العينُ ضوءَ الشمس من رمد      وينكر الفمُ طَعمَ الماء من سقم

 

فإذا كان ثمة تقصيرٌ في تبليغ هذا المعنى للناس كلهم بهذا الوضوح وهذه القوة من العاملين في الحركة الإسلامية فينبغي استدراكه واستكماله؛ لأن هذا المعنى ينطبق على كل مجالات الحياة التي ترك فيها الإسلام فراغًا تشريعيًّا بغرض التطور مع تطور الحياة في لين ويسر.. ليس عن قصور أو نسيان.. بل رحمةً بنا كما جاء في الحديث الشريف، وبعض العلماء أخذ من حادثة (تأبير النخل) والتي أنهاها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بقوله "أنتم أعلم بشئون دنياكم" أخذوا منها اجتهاداتٍ وقراءاتٍ كثيرة، كان من بينها تلك الكلمة الجامعة للأستاذ البنا: "ولم يقف أمام استكمال أمرها.." ولنا أن نتخيل قدر السعة التي في الإسلام كدين متمم لكل الأديان وكنظام حياة حضاري يتوافق ويتطابق مع كل الأزمان، وما يسعه الإسلام يسعنا، والجدير بنا أن نكون على مستوى هذه السعة فهمًا وتطبيقًا.

 

ثم يختم الأستاذ البنا رسالته إلى حكام العرب والمسلمين قائلاً: "إن نظم الإسلام فيما يتعلق بالفرد والأسرة والأمة حكومتها وشعبها أو صلة الأمم بعضها ببعض.. نظم الإسلام في ذلك كله قد جمعت بين الاستيعاب والدقة وإيثار المصلحة وإيضاحها، وأنها أكمل وأنفع ما عرف الناس من النظم حديثًا أو قديمًا.. هذا حكمٌ يؤيده التاريخ ويثبته البحث الدقيق في كل مظاهر حياة الأمة".

 

رحم الله الإمام البنا رحمةً واسعةً، وجزاه خير ما يُجزى رائدٌ في أهله.. فقد كان عبدًا ربانيًّا نورانيًّا.. علم الله ما في قلبه، ففتح عليه من رحمته وبركته وزادَه علمًا وفقهًا، وأسبغ عليه من الصفات ما جعل القلوب تطمئن إليه وتثق به، ولنا أن نفخر ونعتزّ بأننا أصبحنا من هذه القلوب وإن لم نكن من معاصريه، بل إن بيننا في هذه الدعوة العظيمة مَن لم يتجاوز العشرين من عمره يردِّد في يقين وحب (الله غايتنا، والرسول قدوتنا..) وما هذا إلا لصدق وسلامة قلب هذا الرجل، فما كان لله دام واتصل.

 

عاش- رضي الله عنه وأرضاه- عيش المجاهدين المخلصين وتوفَّاه الله مع الأبرار واصطفاه سبحانه شهيدًا، فتحقَّقت له أسمى أمنية كانت تتوق لها نفسه.

 

---------

* عضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين والأمين العام لاتحاد الأطباء العرب.