تابعنا عبر وسائل الإعلام المختلفة حادث غرق العبارة المصرية "السلام 98"، التي كانت تحمل على متنها قرابة الألف وأربعمائة راكب، غرق أغلبهم ولم يتم إنقاذ ما لا يتعدى الأربعمائة منهم، غرق ما يقرب من ألف شخص بعد مأساةٍ تضافر فيها الكثيرُ من عوامل الفشل والفساد وانعدام المسئولية، وظهر من خلالها أن الفسادَ قد دخل في كل شيء، وضرب في البلاد حتى النخاع، فالسفينة قد انتهى عمرها الافتراضي، ومع ذلك فالشركة المالكة تصر على استخدامها طمعًا في المزيد من الربح، وربان السفينة شخصٌ انعدم فيه الإحساس بالمسئولية، فعندما شعر بقرب نهاية السفينة واتجاهها نحو الغرق قفزَ إلى البحر في مركب مطاطي لينجو بنفسه تاركًا النساءَ والأطفالَ والشبابَ والشيوخَ لا يجدون حيلةً ولا يهتدون سبيلاً للنجاةِ.

 

وتمر سفينةٌ أخرى لنفس الشركة بجوار السفينة المنكوبة قبل غرقها ويتركها الربان، ويؤثر مبدأ السلامة، ويصل بسفينته إلى وجهته دون أن يبذل أي مجهودٍ لإنقاذ ولو راكبًا واحدًا، ودون أن يمد يد المساعدة ولو بالكلمة لأولئك المذعورين الذين ينتظرون الموت... تصل معلوماتٌ للسلطات الفرنسية بالحادث في الليل فترسل إشارةً إلى السلطات المصرية عند الثالثة فجرًا- أي بعد سويعات من الحادث- فكيف تعامل المختصون مع هذه الإشارة؟!.. لم يفعلوا شيئًا، وكأن الأمر لا يعنيهم وذلك حتى السابعة صباحًا.. كل ذلك والركاب يصارعون الموت والأمواج في البحر مع البرد والخوف والفزع، في ظلمات بعضها فوق بعض، ويتضح بعد ذلك أن الرادار- الوحيد- معطل منذ شهرين، وكذلك جهاز اللاسلكي الذي من المفروض أن يستقبل إشارات الاستغاثة، كل هذا والمسئولون في سبات عميق , أو قل لا مبالاة منقطعة النظير، ليس لديهم أي إحساس بالمسئولية، لا أمام الله- الذي سيحاسبهم يوم القيامة- ولا أمام الناس الذين ائتمنوهم على أرواحهم وأرواح ذويهم، وبدلاً من أن يلقى أقارب الضحايا المساعدة والمواساة في مأساتهم ومحنتهم، إذا بهم لا يجدون إلا الهراوات والقنابل المسيلة للدموع والبطش والتنكيل!!

 

دلالات الحادث

"من ثمارهم تعرفونهم" حكمة بليغة من حكم السيد المسيح- عليه السلام- وهي تنطبق إلى حد كبير على وضعنا الراهن، فما كشفت عنه حادثة العبارة من فساد وانعدام الشعور بالمسئولية والاستهانة بأرواح الناس و...، يدل دلالةً قاطعةً على أن هناك دمارًا قد أصاب البنيةَ الأساسيةَ لشخصية المواطن المصري، والذي لم يعد يعبأ بشيء سوى مصلحته وحياته والتي صارت أقرب إلى الحياة (....) من حيث الاهتمامات والغايات.. هذا الخراب، وهذا التدمير لمنظومة القيم والمبادئ في نفس الفرد، ما الذي أوصلنا إليه، ومن المسئول عن حدوثه؟!

 

إنه الاستبداد:.. نعم أخي القارئ، إن المسئول عن هذا الخراب الذي دمر الإنسان المصري من الداخل قبل الخارج هو النظام الاستبدادي الذي يجثم على صدورنا منذ عشرات السنين، ويقوم- بطريقة منظمة- بإفساد وتدمير الفرد في أعز ما يملك- في شخصيته وكيانه- لتسهيل عملية قيادته والسيطرة عليه، ومن ثم يبقى المستبد محتفظًا بمكانه أطول فترة ممكنة، وتراه يستخدم في ذلك منظومة متكاملة تحيط بالناس من كل جانب بدءًا بالتعليم الذي يهدم أكثر مما يبني، وكذلك الإعلام بوسائله المختلفة وبخاصة المرئية منها حيث التركيز على الشهوات والضغط عليها، وتخويف الناس من المطالبة بالإصلاح، وإبراز محاسن النظام الاستبدادي، وأنه لا خيار للشعب سواه إن أراد الحياة....، ومع التعليم والإعلام يأتي دور الأمن الذي من المفترض أن يبث الطمأنينة في النفوس، نجده يزرع الخوفَ والفزعَ والشعورَ بعدم الأمان على أي شيء. . وفي ظل هذا الجو تنمو بذور الفساد وتظهر ثمارها في كل مكان، وتمتد لتشمل جميع القطاعات، ويغض الاستبداد الطرف عنه، وكيف لا، وبه يتلوث الجميع وينكفئون على مصالحهم، ويزداد حبهم للنظام الاستبدادي الذي وفَّر لهم هذا المناخَ، ونقلهم من خانة الصعاليك إلى خانة أصحاب رؤوس الأموال ورجال الأعمال.
هذا الجو الموبوء، ما المتوقع أن يكون نتاجه؟!

 

لقد كان النتاجُ متوافقًا مع البذور التي غرست في كيان الفرد، وما حادث العبارة إلا ثمرة مرة من هذا النتاج النكد، ومن قبلها كان قطار الصعيد الذي راح ضحيته أكثرمن أربعمائة فرد، ومن قبلها كانت الأسمدةُ المسرطنةُ والتي كان من آثارها عشرات بل مئات الآلاف من مرضى الكبد والسرطان والكلى، ومما يذوب له القلب كمدًا أن الطفولة البريئة لم تسلم من هذه الأمراض الفتاكة، فأصبح الكثير من نزلاء معهد السرطان من الأطفال، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

 

كأس أفريقيا

وفي خضم أحداث العبارة، وما تبثه الفضائيات من صور ومشاهد مفزعة، واستمرار وجود البعض على قيد الحياة لأكثر من يوم، ومع تجمع أهالي الضحايا في سفاجا ينتظرون أي معلومة عن ذويهم، نجد رد الفعل الإعلامي لا يتناسب مع هذا الحدث..

 

فمن المفترض أن المصيبة التي أصابتنا في أعز ما نملك، في أبناء بلدنا من المفترض أن تكسونا جميعًا- رسميًّا وشعبيًّا- بالحزن والأسى، وأن يكون ما حدث سببًا لوقفة شديدة وحاسمة مع النفس تتم فيها مراجعة الأسباب الحقيقية لهذه الكارثة، وأن تصطبغ وسائل الإعلام وكل شيء في بلدنا بمظاهر الحزن على فلذات الأكباد.
فهل حدث هذا؟!

 

للأسف الشديد أن ما حدث هو العكس تمامًا.. لماذا؟ لأن ثمة حدثًا "أهم" قد تزامن مع غرق العبارة وهو بطولة كأس الأمم الأفريقية والمنعقدة في مصر، والدولة بكل إمكاناتها تقف خلف البطولة، ولم لا وهي تحقق من ورائها مكاسب عديدة، فهي تلهي الشعب وتنسيه مشاكله المزمنة، وتضغط على مشاعره في اتجاه اللهو لا الجد، وتدفعه لتفريغ طاقاته في التشجيع والترقب واللهفة على فريقه الذي طالما خذله في مواطن عديدة.

 

إذن فإلهاء الناس بمباريات الكرة هدف عظيم يخدم نظرية الاستبداد ويكرِّس من وجوده، لهذا تحشد الدولة كل إمكاناتها بما فيها آلتها الإعلامية الجبارة في تعبئة الناس نفسيًّا، والضغط على مشاعرهم بكل الطرق لتتجه حيثما تريد، وينجح الاستبداد في ذلك نجاحًا باهرًا، وليس أدل على ذلك مما رأيناه خلال أيام البطولة الأفريقية من توحد اهتمامات الشعب المصري بمختلف طوائفه نحو فريقه القومي، وكأن انتصاره هو الذي سيبني حضارتنا، ويحل مشاكلنا، ويقضي على الفقر والبطالة والجهل والمرض.... شعب يعاني الأمرين، ويعيش الكثير من أبنائه تحت خط الفقر.... شعب مكلوم في ألف من أبنائه، والعالم كله يتابع حادث العبارة ويضرب كفًّا بكف على حالة اللامبالاة والإهمال والفساد التي وصلت إليها أحوال مصر... ومع هذا كله يتم تناسي وتغافل هذه المصيبة، والتركيز الشديد على البطولة، لتتحول اهتمامات الشعب الذي كان من المفترض أن يكون حزينًا، وأن يتشح بالسواد، ويعلن الحداد. 

 

 تتحول الاهتمامات نحو الفريق القومي بصورة غير مسبوقة أصبحت حديث العالم، وظهر ذلك جليًّا في تكالب الناس على شراء التذاكر، وسباقهم على تلوين بشرتهم بألوان العلم المصري.. النساء قبل الرجال.

 

ويذهب جميع المسئولين إلى المباراة النهائية في عمل له دلالته، فبعد أن نجحوا في إلهاب مشاعر الناس، وتحضيرهم لهذا الحدث منذ شهور، جاءوا ليكونوا معهم وسط المشجعين، فيشعر الناس بأنهم منهم، وأنهم يحرصون على إسعادهم، وينسون في خضم ذلك ما فعلوه معهم من إفساد وتخريب، بل ويزداد رصيدهم لديهم.

 

وتفوز مصر بالكأس لتنطلق الأفراح بشكل غير مسبوق، ويعبر الناس عن فرحتهم وكأننا قد استعدنا عزنا ومجدنا من جديد... مشاعر ملتهبة، وفرح هيستيري يشعر من خلاله الاستبداد بأنه قد نجح في مراميه، ولم لا وهو بذلك قد ضمن استمرار تكالب الناس نحو الحياة المادية الشهوانية، وضمن استمرار ضغطه على عقولهم وسيطرته عليهم , وبخاصة مع قطاع الشباب- أمل الأمة- واطمأن أن المستقبل له، فالثمار أنضج مما كان يريد، وإنا لله وإنا إليه راجعون..

 

أسئلة تحتاج إلى إجابة

أولاً: لماذا هذا الفرح الهيستيري على أثر فوز الفريق القومي؟ هل لأن الناس عانت كثيرًا من الإحباط المستمر في كل المجالات يفعل القيادات المستبدة، والتي فشلت في تحقيق أي نجاحات على أي صعيد؟! ووجد الناس الفوز فرصة للتنفيس؟!

 

ثانيًا: هذا الفوز الساحق والفرح الجارف هل سيشبع البطون الجائعة، ويحل الأزمات الخانقة التي يعانيهما كل طبقات الشعب؟!.

 

ثالثًا: لماذا هذا التركيز الإعلامي المتعمد والمدروس على أفراد الأسرة الحاكمة وحضورها؟! هل هو تسويق لها ورفع لأسهمها بعد التدني الملحوظ فيها؟ وهل هو تلميع لوجوه تستعد لعهد جديد من الاحتكار السياسي والاستبداد؟!

 

رابعًا: رسم الأعلام على الوجوه- أيًّا كان السبب- وطريقة اللبس والبطون العارية، هل هو بداية لتغيير في هوية الأمة؟!

 

خامسًا: تضييع أمر الله في هذا اليوم من صلاة وغيرها من تبرج وسفور واختلاط مشين، هل أصبح من الأمور المألوفة التي لا تلقى استغرابًا ولا استنكارًا لا من الآباء والأمهات ولا من المسئولين على أمر التربية والحفاظ على هوية الأمة من الضياع؟!

 

الإصلاح طريقه شاق

إن معاول الهدم التي تهدم في كيان الشخصية المصرية أكبر مما نتخيله، وقد ظهر أثرها بوضوح في حادث العبارة، وفي رد فعل الشعب نحو فوز فريقه بالكأس الأفريقي
معنى ذلك أن طريق الإصلاح طريق شاق، وكيف لا وهو يتعامل مع أمة تتهدم من داخلها يومًا بعد يوم.

 

لقد تهدمت اليابان وألمانيا في الحرب العالمية الثانية ولكنهما أعادتا بناء دولتهما في فترة بسيطة، لأن الهدم لم يشمل أعز ما تملك، لم يشمل نفوس أبنائها ومنظومة القيم والأخلاق داخل ذواتهم.

 

من هنا نقول إن أهم مشكلة تواجه تيار الإصلاح الآن ليست في الفقر أو البطالة أو الجهل أو المرض، بل في الاستبداد الذي نجح في تدمير الإنسان من داخله بدرجة كبيرة، لذلك ينبغي أن تتوحد الجهود لإعادة بناء ما تهدم من هذه الشخصية... لابد من إعادة بناء جيل جديد وأن تتضافر جهود المصلحين في العمل على إيجاده وإلا غرقت مصر بأسرها كما غرقت العبارة، وضاعت جغرافيتها كما ضاع تاريخها ومجدها.