لم يعد خافيًا أن الأزمة السورية اللبنانية أزمةٌ معقدةٌ، وأنه لا بد من تحديد معناها ما دام تدخُّل العالم العربي فيها أصبح أمرًا ضروريًّا، وأن عدم الاكتراث العربي على المستوى الرسمي يسمح باستمرارها وتفاقمها، بل إن عدمَ ظهور الموقف العربي منذ البداية- إلا بشكل جزئي- هو أحد أسباب تفاقم الأزمة.
وقد فُسِّر التدخل العربي الجزئي مثلاً في موقف سوريا من القرار 1559 والأساس القانوني للانسحاب العسكري من لبنان على أنه تحاملٌ كبيرٌ ضد سوريا، علمًا بأن هذا التدخل- وأيًّا كانت دوافعه الحقيقية- بدا وكأنه خوفٌ على سوريا وحرصٌ عليها، بعد أن فتح هذا القرار النارَ على الملف السوري في لبنان، وجعل هذا الملف هو محور الاهتمام العالمي، حتى كادت الدبلوماسية الدولية تَعتبر أن هذا الانسحابَ يُنهي أكبر تهديد للسلم والأمن الدوليين.
ومن المعلوم أن الانسحاب السوري الفوري كان مقصودًا من أجل التحقيق في اغتيال الحريري، وأن عدم الانسحاب يعني الكثير، فهو قد يعني الافتقار إلى الحساسية تجاه مشاعر اللبنانيين الذين فجَعَهم هذا الاغتيال؛ مما يؤدي إلى المزيد من الضغوط على أنصار سوريا في لبنان، بل إن هؤلاء الأنصار كانوا يطالبون مع غيرِهم بسرعة الانسحاب السريع أيضًا استجابةً لقرار دولي صدر في هذه الجريمة البشعة.
كان الانسحاب على هذا النحو مقصودًا وجزءًا من التصور العام لتداعيات الاغتيال، وهل كان بوسع سوريا أن تتردد في الإسراع بالانسحاب أمام هذا الطوفان الدولي والعربي كلٌّ لدوافعه؟! خاصةً وأن سَحب عشرات الآلاف من الجنود فجأةً وتحت وطأة المفاجأة كان من شأنه التعرض لكل المخاطر التي لا يمكن توقعها، وكان من الممكن أن تجنِّد واشنطن العالمَ كله تحت ذريعة الغضب للحريري واستقلال لبنان، بحيث تقوم بتدخل عسكري انطلاقًا من لبنان ضد سوريا، وربما على غرار ما حدث من غزو العراق للكويت، خاصةً وأن القرار 1559 قد صوَّر الوجود السوري في لبنان على أنه ضد رغبة الحكومة اللبنانية، وعلى أنه أشبه بالاحتلال، وذلك عن طريق المطالبة بانسحاب كافة القوات الأجنبية المتبقية في لبنان، وكان من المحتمَل في هذه الحالة أن تنضم دول عربية ولو بشكل متردِّد إلى هذا الاتجاه، على سبيل الامتثال للشرعية الدولية، مهما كانت تداعياتُ هذا الموقف بالغةَ التعقيد داخل هذه الدول لمساندة التدخل الأمريكي العسكري في سوريا.
وإذا كانت مصر والسعودية قد تحركتا لتحسين العلاقات السورية اللبنانية بعد أن ظهر التدهور السريع في هذه العلاقات وانعكاسات ذلك بقوة على الساحة اللبنانية، فقد ظهر أن هذا التحرك- وإن كان متأخرًا بعض الشيء- قد أثار فريقًا في لبنان والولايات المتحدة، فبادر هذا الفريق إلى نقد المبادرة العربية، سواءٌ من جانب الجامعة العربية وأمينها العام أو من جانب مصر والسعودية، ولكنَّ خطورةَ تداعيات الأزمة السورية اللبنانية تجعل الدور العربي بالغَ الأهمية والإلحاح؛ ولهذا السبب نحلِّل في هذا المقال أحدَ أهم أسباب الإحجام العربي، وهو نفسه أهم تحديات هذا الدور، ونقصد به تداخل ملفات ثلاثة:
الأول: هو ملف العلاقات الأمريكية السورية.
والثاني: هو ملف العلاقات السورية اللبنانية.
والثالث: هو ملف التحقيق الدولي في اغتيال الحريري.
وقد أدى التداخل في هذه الملفات بشكل مقصود إلى ارتباك العالم العربي، فأصبح على المدافع عن سوريا في وجه الهمجية الأمريكية الصهيونية أن يختار بين سوريا أو لبنان، وصار هذا الموقف كافيًا لتصنيف المؤيد لسوريا بحيث يمكن بسهولة تحديد موقعه في هذه الأزمة، فكان هذا الموقف يعني أنه يريد أن تفلت سوريا من تركيز اتهامها باغتيال الحريري، ويساعد ذلك على الإفلات؛ ولذلك ظهر اصطلاحٌ جديدٌ في الأزمة هو "الحقيقة أم التسوية"، بمعنى أن لبنان يبحث عن الحقيقة في مدى اتهام سوريا وليس في البحث عن قتلة الحريري أيًّا كانت جنسيتهم، وليس لبنان مستعدًّا لمقايضة التسوية مع اتهام سوريا، وقد أذكت الولايات المتحدة هذا السُلَّم المصطنع للأولويات.
كذلك أصبح المساند لسوريا ضد الولايات المتحدة يصنَّف على أنه ضد حركة "السلام الضائع" الذي تبشر به واشنطن، وأن هذا "الشقي" يقف ضد الاستقلال والحرية في لبنان، ويؤيد الاستبداد والقمع، وأنه إلى جانب ذلك عضوٌ في صفوف القوميين الذين شوَّهت واشنطن- بالاستعانة بصدام حسين- سيرتَهم، ولطَّخت أسماءَهم.
كذلك أصبح المدافع عن سوريا متآمرًا على الشرعية الدولية، وصارت المطالبة باحترام سيادة سوريا وقيادتها دعوةً لكي يفلت المجرم من العقاب، وجهلاً بقواعد القانون الدولي الجديد الذي تنحسر فيه أسوار السيادة في العالم العربي وحده، بينما تظل هذه الأسوار عاليةً في المناطق الأخرى.
وأصبح على الجميع أن يسلِّم بأن قرارات مجلس الأمن ضد سوريا هي وحدها التي تتمتع بالقدسية، وأن لجنة التحقيق الدولية تمارِس بطريقةٍ قانونيةٍ الوصايةَ على سوريا ولبنان؛ لدرجة أن واشنطن تطالب الرئيسَ السوريَّ بأن يمتثل لطلب اللجنة لاستجوابه كمتهم في مقر إقامة اللجنة في بيروت، وليس عليه أن يعترض لأي سبب.
ونسيت واشنطن أنها هي التي سلبت الحريات الشخصية للشعب الأمريكي، ورصدت تحركاته واتصالاته وادعت مشروعية ذلك ما دام هدف الحكومة هو الدفاع عن البلاد ضد شبح مختلَق اسمه الإرهاب، فأصبح هذا الشبح أشبهُ بالتنِّين الذي تصوره توماس هوبز، والذي من أجل استنقاذ الأمريكيين من شروره هانت كل حرياتهم، فكل الأمن مقابل انعدام الحرية، وواشنطن التي تحمل قميص الحريري هي التي اغتالت الآلاف وتعمل على إبادة الملايين، وهي التي لطَّخت سمعة جيشها بالوحل في جوانتانامو وأبو غريب وغيرها، وهي التي استحلَّت دماء الفلسطينيين المطالبين بحقهم في الحرية، فأطلقت يد الصهاينة لإبادتهم قربانًا لإله الحرية الجديد.
في ضوء ما تقدَّم فإننا لا نعتقد أن هناك خلافًا بين المعارضة اللبنانية- وهو مصطلح تاريخيٌّ في الوقت الحاضر- وبين بقية اللبنانيين والعالم العربي، ولكن لا يمكن الاستمرار في خلط الملفات وتداخلها، فالدفاع عن سوريا ضد المخطط الأمريكي الصهيوني وتشجيع سوريا على التعاون مع لجنة التحقيق الدولية ليس إرضاءً لأحد أو تبرئةً لذمتها، ولكن لأنها أول الأطراف التي يهمها كشف الحقيقة في هذا الاغتيال، الذي دفعت وحدَها ثمنَه، وتخفيف ملف العلاقات السورية اللبنانية من قضية التحقيق، الذي يجب أن يجري في هدوء وسرية بدلاً من الحملة الإعلامية المرافقة للحملة السياسية ضد سوريا.
إن كل هذه التداعيات لا يختلف عليها أحد، سوى أن هذا المنحى سوف يفسد المؤامرة الصهيونية الأمريكية؛ مما يؤدي إلى إفساد الآثار الضخمة لاغتيال الحريري، ويُخشى أن يؤدي إلى اقتناع العالم العربي بأهمية دوره على أساس فصل الملفات، وتقدمه بثبات إلى وضع الأمور في نصابها، الأمر الذي قد يدفع المتآمرين إلى اللجوء إلى موجة جديدة تؤجج سعار المؤامرة الكبرى، ويدخل في ذلك اتهام وزير الدفاع الصهيوني يوم 20/1/2005 سوريا وإيران بتدبير عملية فدائية في تل أبيب يوم 19/1/2005، مثلما اتهمت سوريا بتدبير إطلاق عدد من القذائف الصاروخية من جنوب لبنان ضد جنوب الكيان الصهيوني.
وأخيرًا فإن التحقيق في اغتيال الحريري وغيره في لبنان بالغُ الأهمية؛ حتى لا يشعر المجرم أنه يمكن أن يفلت من الملاحقة، كما أن التصدي للمؤامرة الصهيونية على سوريا بالغُ الأهمية أيضًا دفاعًا عن المصالح الإستراتيجية العربية، فضلاً عن الحرص على بناء علاقات جديدة صحية بين سوريا ولبنان، وهو أمر لا يقل أهميةً, ويتطلب السعي إلى تحسين هذه العلاقات، رغم محاولات المعادين للبلدين نسفها تمامًا، واستمرار لجنة التحقيق الدولية في عملها بنفس الروح المتحاملة على سوريا.
---------------
* سكرتير منظمة المؤتمر الإسلامي ومساعد وزير الخارجية المصري الأسبق.