الفوز الذي حققته حركة المقاومة الإسلامية حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية الأخيرة نَقَل أولَ حركة إسلامية عبر صناديق الاقتراع الحرّ المباشر من مقاعد المعارضة إلى مقاعد الحكم، ومع هذه النقلة أصبحت حماس في مواجهة استحقاقات الحكم تحت الاحتلال، بما يعنيه ذلك من تضاعف التحديات التي تواجهها الحركة، والتي يحرص البعضُ على إظهار حماس بمظهر العاجز مسبقًا عن القدرة على مجابهتها.
وإذا كان الإسلاميون في الدول الأخرى واجهوا أو سيواجهون تحدياتٍ متنوعةً- سواءٌ وهم في مقاعد المعارضة أو المشاركة في الحكم- فإن الأمر بالنسبة لحماس سيكون مضاعفًا وأكثر تعقيدًا، فقد ظهر قبيل ظهور النتائج وعقبها أن حماس لم تكن في مواجهة انتخابية داخلية عادية، بل كانت ولا تزال في مواجهة نظام دولي ضاغط، وعجزٍ عربي وإسلامي فاضح، وتربُّص داخلي يتناغم مع التربص الخارجي، وقبل ذلك كله احتلال استيطاني متغطرس ومتمترس خلف هذا الموقف الدولي والإقليمي، وإذا كانت التحديات التي تواجهها حماس كثيرة ومتنوعة فإننا سنقتصر على عشرة منها:
1- التعامل مع الاحتلال واستمرار المقاومة
لعل هذا هو التحدي الأخطر، فحماس- صاحبة مشروع المقاومة الذي نالت به ثقة الناخبين- أصبحت الآن في الحكم، سواءٌ بشكل منفرد أو مشترك، وهذا الوضع يفرض عليها التعامل المباشر مع سلطات الاحتلال بشكل يومي.. فماذا ستفعل؟! وهل ستواصل مشروعَها المقاوِم وعملياتها الاستشهادية أم ستوقف هذه العمليات؟!
ما ظهر حتى الآن من تصريحات لقادة الحركة يؤكد استمرارَ نهج المقاومة، وقد رفضت الحركة أكثر من مرة نزع سلاحها والاعتراف بإسرائيل وإن أشارت إلى إمكانية عقد هدنة طويلة مع العدو الصهيوني مقابل إطلاق سراح الأسرى والمعتقلين من السجون الإسرائيلية والانسحاب إلى حدود يونيو عام 1967 ووضع رابط جغرافي بين قطاع غزة والضفة الغربية المحتلة، كما أن رئيس مكتبها السياسي خالد مشعل أعلن أن حماس ستتعامل بمسئولية مع الالتزامات التي قطعتها السلطة الفلسطينية بما يخدم مصالح الشعب الفلسطيني، بل وصل إلى أبعد من ذلك بقوله إن الصراع الحالي مع اليهود ليس صراعًا دينيًّا ولكنه سياسي؛ ما يعني إمكانية حله عبر النضال السياسي من خلال المفاوضات ولو بطرق غير مباشرة عبر أطراف ثالثة.
ورغم أن ملف مفاوضات التسوية هو من اختصاص منظمة التحرير- باعتبارها المرجعية العليا للشعب الفلسطيني- إلا أن سلطة الحكم الذاتي سلبت ذلك الملف من المنظمة خلال الفترة الماضية لصالح حركة فتح في الداخل، لكن هناك توافقًا الآن على عودته إلى المنظمة، وهو ما يُزيح عبئًا كبيرًا عن حماس التي ستمثِّل مكابح للمفاوضين الفلسطينيين لمنع تقديم تنازلات للعدو دون الحصول على مقابل جيد كما كان يحدث من قبل.
أما فيما يخص التعامل اليومي مع سلطات الاحتلال لتسيير الشئون المحلية والخدمية فإن حماس لم تقل كيف ستحلّ هذه المشكلة وإن كان من المتوقع أن تختار في إطار حكومة ائتلافية أشخاصًا من خارجها لتولِّي تلك المسئوليات التي تتطلَّب احتكاكًا مباشرًا مع سلطات الاحتلال.
تبقى بعد ذلك العمليات الاستشهادية.. فهل ستعود حماس إليها إذا رفض العدوّ الهدنة التي عرضتها عليه؟ وما موقف كتائب عز الدين القسام حال حدوث هدنة طويلة؟! لقد رد خالد مشعل حين سُئل عن دمج هذه الكتائب ضمن أجهزة الأمن الوطني باقتراح تشكيل جيش وطني يضمُّ معظمَ الأجهزة الأمنية وكذلك كل الأجنحة العسكرية للحركات المختلفة.. لكنَّ هذا الاقتراح بالطبع لن يلقى قبولاً إسرائيليًّا وبالتالي دوليًّا.
2- التعامل مع النظام الإقليمي والدولي
هناك ضغوطٌ إقليميةٌ ودوليةٌ كبيرةٌ على حماس لتغيير نهجها المقاوِم وتعديل ميثاقها والاعتراف بإسرائيل كثمن لقبول المجتمع الدولي لحماس، وتقديم الدعم المالي لحكومتها، ووجدْنا أن الدول الأوروبية والولايات المتحدة تهدِّد بوقف مساعداتها للفلسطينيين، رغم أنها مساعداتٌ سبق الاتفاقُ عليها مع السلطة الفلسطينية؛ بحجة أنها لا تريد أن تقع هذه المعونات في يد حماس.
لكنَّ هناك مؤشراتٍ على أن ما حدث هو مجرد ضغوط لابتزاز حماس لن تستمر طويلاً؛ إذ ستجد الدول الأوروبية والولايات المتحدة نفسَها مضطَّرةً لمد الجسور مع حماس قبل أن يتحوَّل الشعب الفلسطيني كله إلى استشهاديين، في الوقت نفسه بدأت حماس تُظهر لغةً معتدلةً إلى حدٍّ ما عبْر ردودها غير المنفعلة على المواقف الأوروبية والأمريكية من ناحية وعبْر عرضها هدنةً طويلةً مع العدو برعاية دولية، وعبْر إعلان قيادتها أنها ستتعامل بواقعية مع الاتفاقات المبرَمة مع إسرائيل بما يخدم الشعب الفلسطيني وممارسة الديمقراطية بمسئولية.
وقد بدأت وفودٌ من حماس جَوَلاتٍ عربية وإسلامية؛ بهدف استكشاف الموقف قبل تشكيل الحكومة، وقد بدأت أولى الجولات من مصر التي تحاول لعب دور وساطة بين حماس وإسرائيل لكنها تضغط على حماس للاعتراف بإسرائيل وإنهاء المقاومة، وهو ما ترفضه حماس بشدة، ولو أدى الأمر إلى التخلي عن تشكيل الحكومة كما صرَّح قادتها، كما أن أطرافًا عربيةً ودوليةً مهمةً بدأت تُظهر نوعًا من المرونة والقبول بحماس؛ باعتبار أنها خيار الشعب الفلسطيني الذي وصل إلى السلطة عبْر أصدق انتخابات عربية، ومن هذه المواقف الموقف الروسي والقطري والسعودي والأردني وحتى المصري، وهي قوى إقليمية مهمة، ناهيك عن الدعم العلني من سوريا وإيران الذي قد يسد العجز المالي الناجم عن وقف المعونات الدولية.
3- التعامل مع الوضع السياسي الداخلي
بحصولها على 74 مقعدًا تمثل حوالي 60%من المجلس التشريعي تبدو حماس ممثلةً لغالبية الشعب الفلسطيني، وتنتقل حركة فتح صاحبة التاريخ العريق إلى المركز الثاني، في حين لم تحصل القوى السياسية الأخرى التي شاركت في الانتخابات سوى على مقاعد محدودة جدًّا؛ ما يعني انتقال الحياة السياسية الفلسطينية إلى ثنائية حماس وفتح على المستوى السياسي، مع وجود قوى مقاومة أخرى على الساحة رفضت المشاركة في الانتخابات مثل الجهاد الإسلامي.
ومنذ إعلان فوزها في الانتخابات أعلنت حماس رغبتَها في تشكيل حكومة وحدة وطنية تضم مختلف الأطياف الفلسطينية والاتفاق على مشروع وطني بين الجميع، لكن فتح تزَّعمت المعارضة لهذا الاتجاه بهدف دفع حماس إلى زاوية صعبة، وإظهارها بمظهر الضعيف غير القادر على إدارة شئون الدولة.
وتشير الخبرات السابقة لحماس أنها ستكون قادرةً على إدارة العمل السياسي الداخلي بمرونة كبيرة، وأنها ستمارس الديمقراطية بمسئولية كما أعلن قادتها، ولعل دعمها لترشيح سيدة مسيحية شيوعية لرئاسة بلدية بيت لحم دليلٌ على ذلك.
4- بناء نظام سياسي حديث
تميُّز النظام السياسي الفلسطيني المقاوِم قبل أوسلو وظهور سلطة الحكم الذاتي بتعددية داخل منظمة التحرير والمجلس الوطني الفلسطيني ضمَّت غالبية الأطياف الفلسطينية باستثناء حماس والجهاد، وبعد عودة غالبية قيادات فتح وبعض قيادات الحركات العلمانية الأخرى الموافِقة ولو جزئيًّا على خيار التفاوض إلى الداخل عقب اتفاق أوسلو سلبت السلطة الفلسطينية الجديدة التي شكَّلتها فتح غالبية اختصاصات منظمة التحرير وخاصةً ملف التفاوض وتعيين سفراء في الدول المختلفة، إضافةً بالطبع إلى إدارة الشئون الداخلية، لكنَّ هذا الأمر أصبح مرفوضًا من القوى الصاعدة الجديدة وعلى رأسها حماس التي طالبت مرارًا بإعادة النظر في تشكيل منظمة التحرير وإعادة الاعتبار إليها، وجاءت الانتخابات الأخيرة لتفرض هذا التغيير بقوة الصندوق؛ حيث يفترض أن يصبح نواب حماس في المجلس التشريعي أعضاءً في المجلس الوطني الفلسطيني، ومن ثم سيكون لهم تمثيلهم المناسب في منظمة التحرير.
وقد جدَّدت حماس دعوتَها لإعادة النظر في دور وتشكيل منظمة التحرير لتعكس الواقع الفلسطيني الجديد ولتُمسك بالملفات الإستراتيجية وعلى رأسها ملف المفاوضات مع العدو الصهيوني، وهو حقٌّ قديمٌ لها؛ باعتبارها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني وفق قرارات الجامعة العربية والأمم المتحدة.
أما في الداخل فقد تداخلت السلطات والمسئوليات بين الحكومة ورئيس سلطة الحكم الذاتي، وقد ساعدت شخصية ياسر عرفات في تكريس هذا الخلط؛ حيث كان يجمع في يده كلَّ الخيوط حتى أُجبر على اختيار رئيس للحكومة يتمتع بصلاحيات معينة حددها القانون الأساسي للسلطة الوطنية، وحتى بعد الفصل بين دور رئيس السلطة ورئيس الوزراء ظلَّ هناك تداخلٌ بين الجهتين، والسبب في ذلك أن كليهما يتبع حركة فتح التي كانت قيادتها المركزية تتدخل لحسم أي مشكلة تظهر بين بعض مسئوليها، سواءٌ في مقر الرئاسة أو الحكومة، أما الآن وقد توزعت السلطة بين رئاسة في يد فتح وحكومة في يد حماس فقد أصبح تحديد المسئوليات والاختصاصات مهمًّا، وهذه فرصةٌ أمام حماس لبناء نظام سياسي حديث يقوم فعلاً على التعددية والديمقراطية ووضوح الاختصاصات والفصل بين السلطات وإعادة الهيبة للسلطة القضائية بشكل خاص، وكذلك بناء مؤسسات أمنية مهنية مستقلة عن التنظيمات السياسية، مهمتها الوحيدة هي حفظ الأمن الداخلي دون التحيُّز لأحد، كما وضعت الانتخابات الأخيرة أساسًا جيدًا لتعزيز دور المرأة والأقليات الدينية في النظام السياسي الفلسطيني.
5- المعونات الخارجية
لعلَّ هذه المشكلة كانت الأبرز عقب إعلان فوز حماس، فقد قررت إسرائيل حجْبَ اقتطاعات الضرائب والجمارك التي كانت تحصِّلها لصالح السلطة الفلسطينية، كما أعلنت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وقف مساعداتهما للفلسطينيين حتى تُغيِّر حماس سياستَها وتعترف بإسرائيل، وتمثل المعونات الخارجية عصبَ الحياة الفلسطينية حيث تمثل المورد الأساسي لدفع الرواتب (140 ألف موظف) وتطوير الخدمات والمرافق، وقد تلقت السلطة العام الماضي 500 مليون يورو (606.4 مليون دولار) من الاتحاد الأوروبي وحوالي 300 مليون دولار من الولايات المتحدة، وعادةً ما تصل المدفوعات من حصيلة الضرائب والجمارك إلى حوالي 50 مليون دولار شهريًّا، وكان من المتوقَّع أن تصل المدفوعات هذا الشهر إلى 55 مليون دولار.
وذكرت المفوضية الأوروبية للعلاقات الخارجية بنيتا فيريروفالدنر أن البنك الدولي جمَّد قسمًا من المساعدات المخصصة للسلطة الفلسطينية لعام 2005؛ لأنه اعتبر أن شروط منح تلك المساعدات (شفافية، توفير وظائف اجتماعية) تمَّت تلبيتها بشكل ضعيف، وشمل قرار التجميد 35 مليون يورو من المساعدات الأوروبية.. القصد بطبيعة الحال هو الضغط على حماس لتغيير قناعاتها والانخراط في عملية التسوية والاعتراف بإسرائيل، وهو ما تزال حماس ترفضه بشدة.
ورغم المواقف الرسمية المتشدِّدة التي ظهرت حتى الآن من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي فيما يخص موضوع المعونات.. إلا أن هذا الموقف غير الأخلاقي الذي يعاقب الشعب الفلسطيني على ممارسته للديمقراطية بشفافية لن يصمد كثيرًا؛ لأن البديل سيكون أكثر إيلامًا للغرب حين يتحوَّل كل أو غالبية الفلسطينيين إلى استشهاديين، كما أن حماس التي تصرُّ على نهجها المقاوم ستجد أنصارًا، سواءٌ من الدول العربية أو الإسلامية يعوضونها عن تلك المعونات، وهناك توقعاتٌ بأن تتدخل إيران لملء الفراغ الأوروبي الأمريكي.
كما أن روسيا عبَّرت عن رفضها لقطع المعونات، وأعربت دول عربية مهمة- مثل السعودية ومصر والأردن وقطر والإمارات- عن استعدادها الفعلي لتقديم الدعم، وتُواصِل حماس تحركاتها الإقليمية والدولية لإقناع الأطراف المختلفة بعدم وقْف المساعدات التي تُصرف كرواتب للموظفين ولاستمرار الخدمات والمرافق العامة، كما أنها تعتزم تطبيق خطّة تقشف وضبط النفقات وتطبيق الشفافية الكاملة ومحاربة الفساد؛ ما قد يوفر قدرًا كبيرًا من الأموال المهدَرَة.
6- بناء نظام اقتصادي مستقل ومتطور
يرتبط الاقتصاد الفلسطيني ارتباطًا مباشرًا بالاقتصاد الإسرائيلي؛ حيث يعمل آلاف العمال الفلسطينيين في المصانع الإسرائيلية، ويتم تصريف معظم المنتجات الفلسطينية في السوق الإسرائيلي، كما يتم استيراد الكثير من احتياجات الشعب الفلسطيني من المنتجات الإسرائيلية، ولا يستطيع الفلسطينيون تصدير أي منتجات عبر المعابر والحدود إلا بموافقة إسرائيلية، ومن هنا يظهر مدى الارتباط.
لكنَّ فك هذا الارتباط تدريجيًّا أمرٌ في غاية الضرورة لبناء اقتصاد مستقل لدولة تسعى الى الاستقلال الكامل، وقد ساعدت الانتفاضة في فكِّ هذا الارتباط جزئيًّا بتراجع أعداد العمال الفلسطينيين في المصانع الإسرائيلية؛ بسبب المنع والحصار والإغلاقات المتكررة، ووجد هؤلاء العمال بدائل متعددة بعيدة عن تلك المصانع، كما سعت السلطة الوطنية إلى فتح منافذ عربية لتصريف المنتجات الفلسطينية مع إعفائها من الرسوم والجمارك.
وقد لمست حماس بشكل واضح كما لمس الجميع حالةَ الهلع التي اجتاحت بعض الأسواق الفلسطينية وخاصةً سوق الأسهم الذي تراجع بنسبة كبيرة منذ إعلان فوز حماس بسبب خشية المستثمرين، كما أن بعض المستثمرين الفلسطينيين قد بدأ تصفية نشاطه في الداخل للهروب بأمواله للخارج، لكنَّ غالبيةَ هؤلاء ممَّن تحوم حولهم شبهاتُ الفساد والذين يخشون من المساءلة والشفافية، وهنا نقطة البدء الحقيقية لإقامة اقتصاد فلسطيني مستقل وحديث يعتمد أساسًا على الشفافية وتكافؤ الفرص وتشجيع القطاع الخاص وتوفير البنية التشريعية والقضائية والبيئة السياسية التي تساعده على النجاح، وقد أعلنت حماس أن سياستَها الاقتصادية تقوم على أساس دعم مبادرات القطاع الخاص واعتباره الركيزة الأساسية للتنمية الاقتصادية في المرحلة القادمة.
وذكر بيان للحركة "أنها تودُّ أن تُطمئن القطاع الخاص الفلسطيني والذي تقدِّر له دورَه الرئيسي في تحمل المسئولية الجسيمة خلال السنوات الماضية والقطاع الخاص العربي الذي نعتبره العمق الرئيسي لنا والرئة التي نتنفس من خلالها".
وأضاف البيان: "إننا ندعم مبادراتهم ومشاريعهم، وندعوهم لتطوير وتوسيع وزيادة هذه الاستثمارات"، مشيرًا إلى: "إننا جزء من النظام الاقتصادي العالمي وجزء من أدوات السوق العالمية، وسنحرص على استمرار هذه الأدوات بالعمل وبمنطلق الشفافية وتوازن الفرص وبعيدًا عن المحسوبيات".
وتحتاج حماس إلى كسب ثقة رجال الأعمال والمستثمرين الفلسطينيين في الداخل وبشكل أكبر في الخارج لزيادة استثماراتهم داخل الوطن المحتل لبناء مشاريع تنموية وخدمية تُسهم في دفع الاقتصاد الفلسطيني وتوجد فرص عمل لآلاف العاطلين، وتشير الثقة الكبيرة التي حازتها حماس في الانتخابات إلى قدرتها على حشد رجال الأعمال المترددين لإقامة مشاريعهم في فلسطين، خاصةً مع توفيرها للبيئة السياسية والقانونية المحفزة ووقوفها بحزم ضد الفساد والمحسوبية والمافيات التي هيمنت على السوق خلال الفترات الماضية.
7- مشكلة البطالة
تتراوح نسبة البطالة في الأراضي الفلسطينية بين 22: 40%، ويعيش عددٌ كبيرٌ من الفلسطينيين على دولارين يوميًّا في المتوسط وفق بيانات البنك الدولي، وتتفاقم المشكلة مع استمرار سياسات الإغلاق والحصار، ورغم أن المشكلة قديمة إلا أن حماس مطالَبةٌ بتقديم مساهمتها للحل، وقد ناشد الاتحاد العام لعمال فلسطين- في بيان له- بأن "تقوم الحكومة القادمة بالعمل على توفير فرص عمل للعمال، خاصةً وأن هناك أكثر من 400 ألف عامل في الضفة الغربية وقطاع غزة متعطلين عن العمل".
ودعا البيان الحكومةَ القادمةَ إلى "إقامة مشاريع إنتاجية من أجل استيعاب آلاف العمال وإعادة إعمار ما دمَّره الاحتلال خلال سنوات انتفاضة الأقصى والعمل على استصلاح الأراضي الزراعية والدفيئات، وإعادة تشجير وزراعة الأراضي المخلاَّة واستغلالها من أجل إعادة تطوير الاقتصاد".
8- الأجهزة الأمنية
شغلت الخلافات والنزاعات المسلَّحة بين أجهزة الأمن الفلسطينية الرأيَ العام المحلي والدولي خلال الفترة الماضية، فيما أُطلق عليه حالة الفلتان الأمني والتي راح ضحيتَها العديدُ من الفلسطينيين، وكانت هذه الحالة التي نَشَرت الرعب بين المواطنين إحدى الأسباب التي دفعتهم للتصويت لصالح حماس.
وقد وعدت حماس في برنامجها الانتخابي بمواجهة هذه الحالة، وهي مطالبة الآن بتنفيذ وعدها، لكنَّ المشكلة أن غالبية هذه الأجهزة تتبع رئيس السلطة، فقد منح القانون رئيس السلطة صلاحيات الإشراف المباشر على جهاز الاستخبارات والأمن الوطني وقوات الـ17 والحرس الشخصي وجهاز البحرية.
في حين أعطى القانون رئيس الوزراء صلاحية الإشراف على ثلاثة أجهزة أمنية، من خلال وزارة الداخلية لكونها جزءًا من مجلس الوزراء؛ حيث تشرف وزارة الداخلية على أجهزة "الشرطة والأمن الوقائي والدفاع المدني".
ومن صلاحيات مجلس الوزراء- حسب القانون- "حفظ النظام العام والأمن الداخلي" وتسود حالةٌ من الهلع حاليًا بين صفوف هذه القوات التي تخشى المحاسبة كما يخشى العديد من قياداتها العليا والوسيطة فقْدَ مناصبهم، ومن هنا يكثِّفون ضغوطَهم الآن لنقل تبعيتهم إلى رئيس السلطة وليس مجلس الوزراء الذي ستهيمن عليه حماس، لكنَّ جهودهم تصطدم بنصوص قانونية ليس لديهم القدرة على تغييرها حاليًا.
وقد سعت حماس لطمأنة جهاز الأمن بأنها لن تفصل أحدًا من عمله، لكنها ستجعل جهاز الآمن جهازًا مهنيًّا يعمل لصالح كل الشعب الفلسطيني وليس لصالح فئة معينة فيه، كما أنها ستضع معايير صارمة للممارسة والمساءلة؛ بهدف منع إساءة استخدام السلطة.
9- النظام الأخلاقي
بحكم انتمائها إلى التيار الإسلامي فإن لحركة حماس رؤيتَها الشاملة للحياة والتعاملات تنطلق من منظورها الإسلامي، وقد سعَت حماس وهي خارج السلطة لنشر القيم الإسلامية في المجتمع وساعدَها في ذلك أن المجتمع الفلسطيني محافِظٌ بطبعه، لكنَّ هناك العديد من أوجه الحياة والتعاملات التي لا تزال بعيدةً عن الالتزام بالقيم الإسلامية، مثل انتشار بعض محلات الخمور والملاهي الليلية، خصوصًا في رام الله والبنوك الربوية والسلوكيات غير الإسلامية، مثل انتشار الرشوة والمحسوبية.
وقد عبَّر بعض أصحاب محلات الخمور عن مخاوفهم من إغلاقها، وبدأ بعضهم في تحويل نشاطها إلى إنتاج مشروبات غير كحولية، ورغم أن حماس ستسعى لنشر القيم والفضائل الاجتماعية وستسنُّ من التشريعات ما يخدم ذلك.. إلا أنها حريصةٌ على عدم فرض هذه القيم قسرًا على الناس وتفضل استخدام أسلوب الإقناع وإيجاد البدائل أولاً.
10- وحدة الحركة
يبقى التحدي الأخير أمام حماس هو الحفاظ على وحدتها هي، فمع انفتاح العمل السياسي أمامها بهذه الصورة، ومع الحاجة إلى تقديم اجتهادات عملية للتعامل مع المسائل الشائكة- من مثل التعامل مع العدو، والموقف من العمليات الاستشهادية، والتعامل مع الأطراف الأخرى في الداخل والخارج- ستنشأ اجتهاداتٌ متنوعةٌ قد تُحدث خلافاتٍ وانشقاقاتٍ داخل الحركة.
كما أن انفتاح العمل السياسي أمام الحركة قد يجلب للحركة أمراضَ العمل السياسي التي تصيب كلَّ من يدخل في هذا الميدان، ومن ذلك التنازع على اقتسام المناصب والصلاحيات والنفوذ والمال، وستثبت الأيام القادمة قدرةَ حماس في التعامل مع هذه التحديات جميعًا.
------
* كاتب صحفي.