ويبدو أن نجاح حماس بهذه الأغلبية الساحقة قد فاجأ مصر الرسمية التي رغم أنها لا تعلن موقفها من حماس وما إذا كانت منظمة مقاومة أو منظمة إرهابية.. إلا أنها تتعامل مع حماس باعتبارها طرفًا ضمن الأطراف الفلسطينية، وتتوسط بين كل هذه الأطراف بهدف التوفيق بينها في التوصل إلى موقف فلسطيني واحد؛ حتى تسهل إعادة الاتصال بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وتدرك مصر بالضرورة أن خارطة الطريق تهدف فقط إلى إنهاء الفصائل المسلَّحة وترك التسوية بعد ذلك لرحمة إسرائيل. كما أن مصر من باب أولى لا بد أنها تدرك أن خطة شارون تؤدي إلى تسوية نهائية مبتسرة، ولكنها هي النص الذي يشغل "مسرح السلام" حتى لو تغيَّب الممثلون الفلسطينيون عن أداء الدور الذي يحدده لهم النص. فإذا كان الدور المصري منصبًّا على التوفيق بين الفصائل الفلسطينية وعلى البحث عن حل وسط بين إصرار إسرائيل على نزع سلاح الفصائل وبين إصرار هذه الفصائل على عدم المساس بها.. فإن المشهد الفلسطيني قد تغيَّر بشكل كبير بعد صعود حماس، وأصبحت مهمة مصر في المرحلة الجديدة فيما نأمل أن تقوم بإقناع إسرائيل بأن الفصل بين نزاهة الانتخابات الفلسطينية ونتائجها أمرٌ مستحيل، وأن ما تمثله حماس من رغبة في السلام العادل هو خيار الشعب الفلسطيني، وأنه ليس صحيحًا أن حماس تتمسك بالسلاح وممارسة العنف كهدف في ذاته. كما يجب على مصر أن تؤكد لإسرائيل أن نقطة البداية في المشهد الفلسطيني هو الاحتلال والتوسع والاستيطان وإذلال الشعب الفلسطيني وإنكار حقوقه العادلة وتصفية حركات المقاومة وكوادرها، وأنه إذا كان لدى إسرائيل نيةٌ حقيقيةٌ في السلام فلتبرهن على ذلك بالأعمال وليس بالأقوال، وليس لإسرائيل أن تحدِّد للشعب الفلسطيني الطرف الذي يمثله. من ناحية أخرى فإنه يجب على مصر أن لا تتوقف طويلاً أمام التناقض المصطَنع الذي افتعلته إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية بشأن خيارات حماس بين المقاومة أو السلام، وكأن المقاومة هي بديل للسلام، وتَقصد إسرائيل بالسلام ذلك الوضع الذي يخدم المصالح الإسرائيلية وحدها ويُفرض بعد ذلك على الجانب الفلسطيني. يجب على مصر أن توضِّح لإسرائيل والولايات المتحدة أن نجاح حماس سببه الرئيسي التلاعب بأقدار الشعب الفلسطيني والتذرُّع بوجود عملية للسلام، وأن تحذر إسرائيل من أن توهم العالم بأن نجاح حماس هو السبب في رفض إسرائيل لأي عملية سياسية، يستوي في ذلك أن تكون حماس هي السلطة الفلسطينية أو أن تكون حماس طرفًا وجزءًا من هذه السلطة، ويجب على مصر أن تساعد حماس في الحصول على خطاب سياسي يحقق أهداف الشعب الفلسطيني ولا يجافي منطق الخطاب الدولي. من ناحية أخرى لا يخفى أن مصر تنظر إلى الساحة الفلسطينية بعد نجاح حماس على مستويات مختلفة، المستوى الأول هو علاقة حماس بالقوى السياسية الأخرى وخاصةً فتح، في ضوء تاريخ فتح في النضال الفلسطيني، ولماذا انفضَّ الناس من حولها رغمَ تاريخها النضالي؟! وربما خلصت مصر من هذا الدرس إلى أن الجماهير تفهم بالسليقة وتشعر بالطبيعة مهما كان الخطاب الإعلامي مشوشًا أو ممعنًا في التضليل، وأن حرية الانتخاب تسمح للناس بأن تختار وفق غريزتها السياسية؛ ولذلك لا يستطيع تاريخ فتح أن يحصِّنها في نظر الناخب ولا أن يشفع لها في البقاء رغم كل شيء. من ناحيةٍ ثالثة فإنَّ مصر الرسمية تنظر إلى صعود حماس في إطار الوضع المصري الداخلي؛ ذلك أن حماس وغيرها من فروع التيار الإسلامي في العالم العربي انطلقت من قاعدة واحدة ومدرسة تاريخية عريقة هي (الإخوان المسلمون)، ولا يمكن أن نغفل حقيقةً مهمةً في هذا التحليل، وهي أن صعود الإخوان المسلمين في مصر وتحولهم من الاختباء من السلطات إلى مقعد محاسبة السلطات- رغم أن مقاعدهم في البرلمان أقل بكثير من ثقلهم في الشارع في مصر- قد أزعج الحكومة وأربَك الحزب الحاكم، كما أثار الشك عند قراءته للموقف الأمريكي من الإخوان المسلمين، كما أدى الموقف الأمريكي من حماس إلى إرباك النظرة المصرية إلى حماس، فقد رحَّب الرئيس بوش بنزاهة الانتخابات ولكنَّه أصر على التلاعب بنتائجها، فأوقف المعونة عن السلطة حتى يُشعر الشعب الفلسطيني بمدى الضرر الذي أصابه بسبب اختياره حماس. ويبدو أن هذا الموقف الأمريكي في تحليل الموقف المصري جاء مقلوبًا؛ ذلك أن الموقف الأمريكي امتدح النزاهة ورفض النتيجة التي أدت إليها هذه النزاهة في فلسطين، أما في مصر فقد أدانت الولايات المتحدة "التزوير" المصري بينما لم ترفض نتائج الانتخابات، ومعنى ذلك أن الولايات المتحدة التي تمسكت "بمحمود عباس" قد اعتبرت أنه يجب أن يكافأ ببقائه؛ وذلك بسبب تمسكه بنزاهة الانتخابات، بينما فُسِّرت الإدانة الأمريكية للتزوير المصري على أنها إدانة للنظام في مصر، واعتُبر هذا التزوير جزءًا من الملفَّات السلبية الغاضبة التي تكوِّنها واشنطن ضد الحكم في مصر، وحتى ترد على بعض الانتقادات التي أشارت باستهزاء إلى صفقة ودِّية بين الحكومتين المصرية والأمريكية حول السماح للإخوان بخوض الانتخابات، ومن المتصوَّر أن يكون لمصر عددٌ من الأدوار المحتمَلة في ضوء الاعتبارات التي تحكم الموقف المصري من مجمل هذه القضية!! ومن المهم أن نركِّز على هذه الاعتبارات حتى يسهل تصور الأدوار: أما الاعتبار الأول: فهو أن حماس ونجاحها في الانتخابات يؤدي إلى تقوية الإخوان المسلمين في مصر، وربما أوعزت إسرائيل إلى الدول العربية بأن هناك رابطةً بين كل التيارات الإسلامية التي تستهدف النظم الحاكمة في المنطقة العربية، ومن ثم فإن التقارب أو التفاهم أو التحالف بين إسرائيل وهذه الدول في هذا الشأن أمرٌ مهمٌّ في مواجهة هذه الاحتمالات وتحت ستار التعاون لمكافحة الإرهاب، ولا شك أن هذا الافتراض كان قائمًا في المنطقة العربية خلال العقود السابقة بترويج أمريكي. الاعتبار الثاني: هو أن التوفيق بين سلاح المقاومة وبين العمل في إطار السلطة الفلسطينية يؤدي إلى أحد أمرين: إما التشديد على نزع سلاح المقاومة قبل تولي السلطة.. وإما أن تقدم حماس تنازلاً جوهريًّا في موضوع السلام قد يصل إلى حدِّ نزعِ السلاح على مراحل عبر فترة زمنية معينة. الاعتبار الثالث: هو أن هزيمة فتح فألٌ سيئٌ على الحكومات القائمة، خاصةً وأن كل الانتقادات الموجهة لفتح تتشابه مع تلك الموجهة إلى الحكومات العربية. وأخيرًا فإن التحدي الأكبر بالنسبة للدور المصري في هذا الموضوع هو محاولة جمع الطاقات الفلسطينية في ورقة واحدة قوية تعمل من أجل الشعب الفلسطيني كما تقف في وجه الحكومة الإسرائيلية في قضية التحرير وإقامة الدولة الفلسطينية. غير أن الرئيس مبارك صرَّح بعد لقائه بوزيرة الخارجية الإسرائيلية بأن أبو مازن لن يكلِّف حماس بتشكيل حكومة ما لم تتحقق الطلبات الإسرائيلية في الواقع، وهي نبذ العنف، ونزع السلاح، والاعتراف بإسرائيل!! إذا كان ذلك هو الموقف المصرى فسوف تكون له مضاعفاتٌ خطيرةٌ في مصر والساحة الفلسطينية، وقد لوحظ أن موقف أبو مازن قد أصبح هجوميًّا ضد حماس بعد زيارته للقاهرة، وهذا يضع علامات استفهام كبيرة حول موقف مصر من هذه القضية، وتصبح مهمة حماس في مصر أشد تعقيدًا بعد أن أصبح الموقف المصري في خانة الموقف الأمريكي والإسرائيلي، دون أن يشرح المعنيون في مصر فلسفة هذا الموقف الغريب!! -------------- * سكرتير منظمة المؤتمر الإسلامي ومساعد وزير الخارجية المصري السابق.
اللقاء في القاهرة بين الرئيس مبارك وأبو مازن يوم الأول من فبراير 2006 كان مناسبةً مهمة للتوصل إلى رؤية مشتركة مفيدة للمسرح الفلسطيني المضطرب.