اسم الكتاب: مِن يهودية الدولة حتى شارون.. دراسة في تناقض الديمقراطية "الإسرائيلية"

تأليف: عزمي بشارة

الناشر: دار الشروق

تاريخ النشر: الطبعة الأولى 2005م

عدد الصفحات: 390 صفحة من القطع الكبير

 

عرض وتعليق: حسين التلاوي

يعيش الكيان الصهيوني في الفترة الراهنة حالةً من الارتباك السياسي، والسبب غياب رئيس حكومته أرييل شارون عن الساحة السياسية بسبب الأزمة الصحية التي ضربته في أواخر العام الماضي 2005م ومطلع العام الحالي، وهي الأزمة التي تزايدت احتمالاتُ إخراجها له من الحياة السياسية الصهيونية وربما من الحياة عمومًا.

 

وقد أدى غياب شارون إلى ارتباك في الواقع السياسي الصهيوني؛ نظرًا للحيِّز الكبير الذي يحتله هذا الجنرال، فهو واحدٌ من الذين ساهموا في تأسيس الكيان الصهيوني على التراب العربي، إلى جانب أنه كان في طريقه إلى ترسيم حدود للكيان الصهيوني لأول مرة في تاريخ الصهاينة.

 

ويلقي كتاب (من يهودية الدولة حتى شارون.. دراسة في تناقض الديمقراطية "الإسرائيلية")- بقلم السياسي البارز من عرب الـ48 عزمي بشارة- الضوءَ على تناقضات نظام الحكم في الكيان الصهيوني، من خلال دراسة بحثية تتناول محاور تقاطع السياسة والاقتصاد وكذلك الأيديولوجيا في ذلك الكيان الذي ينفرد بتلك التقاطعات دون غيره في الأنظمة السياسية العالمية.

 

ويشدِّد الكاتب على أن هذا الكتاب ليس محاولة مناظرة للاستشراق الصهيوني في العالم العربي، كما أنه ليس دراسةً تأريخيةً للفكرة الصهيونية، ولكنه محاولةٌ لدراسة الكيان الصهيوني على مستوى تأثير الإيديولوجيا في الشأن السياسي والاجتماعي الصهيوني، إلى جانب تقاطعات الدين والدولة في كل الأمور في الداخل الصهيوني حتى العسكرية منها، والبنية الاقتصادية الصهيونية وتداخل فكر العولمة فيها.

 

ويقسم الكاتب دراسته إلى 5 أبواب تتفاوت في الطول، يتناول في كل منها موضوعًا محددًا؛ حيث يتناول في الباب الأول النظام السياسي القائم في الكيان الصهيوني وديمقراطيته وتداخل الدين فيه، وفي الباب الثاني يمر على النزعة الأمنية في البناء الصهيوني، ويناقش في الباب الثالث العولمة في الكيان الصهيوني وتأثيراتها في المزج والخلط ما بين السياسة والاقتصاد، أما في الباب الرابع فقد تناول الكاتب الفترة التي مرَّ بها المجتمع الصهيوني بعد انتخاب زعيم حزب العمل الأسبق إيهود باراك رئيسًا للحكومة الصهيونية ودلالاته على طبيعة الخريطة السياسية الصهيونية.

 

ويختتم الكاتب دراستَه في الباب الخامس بمناقشة أسباب سقوط باراك وما تلاها من انتخابات أرييل شارون رئيسًا للوزراء، بالإضافة إلى تحليل لشخصية باراك وكذلك شخصية شارون، وكيفية انتقاله من العسكري إلى السياسي، ويرفق الكاتب في النهاية قوائم للمراجع العربية والإنجليزية والعبرية، وكذلك الصحف والمجلات مميزًا ما بين ما يصدر وما لم يعد يصدر، مع قائمةٍ بأسماء المصادر الوثائقية.

 

وتأتي أهمية هذا الكتاب من أنه يأتي عرضُه في ظل حديث عن تغيرات كبيرة على المستوى السياسي الصهيوني الداخلي في مرحلة ما بعد شارون.

 

أي نظام وأي دولة؟

في الفصل الأول من الكتاب يتناول الكاتب قضية النظام السياسي الصهيوني ومدى ديمقراطيته، وعلاقة الدين بالدولة في الداخل الصهيوني، وذلك من خلال مناقشة المحاور الرئيسة التي تدور حولها السياسة في الكيان الصهيوني، وهي المحاور التي يسميها الكاتب "صراعات"، وهي بالفعل كذلك، وتتمثل في الصراع حول العلاقة بين الدين والدولة، والصراع حول الحريات العامة وإمكانية إخضاعها لمعايير الأمن والسلامة الوطنيين، وأخيرًا الصراع بين مساواة المواطنين ويهودية الكيان الصهيوني، وهو الصراع الذي يرتبط بالنوع الأول من الصراعات؛ حيث إن تدخل الدين في الدولة يؤدي إلى الإعلاء من فكرة يهودية الكيان الصهيوني، وبالتالي قمع غير اليهود في داخل الكيان الصهيوني وهم في المقام الأول عرب الـ48.

 

أما في الفصل الثاني فيتناول الكاتب فكرة الدولة اليهودية والتي يمثلها الكيان الصهيوني بامتياز، والتداخل بينها وبين المفاهيم الديمقراطية، ويستند الكاتب إلى رسالة ما بين أول رئيس وزراء للكيان الصهيوني ديفيد بن جوريون وبين موشيه شاريت في العام 1954م يقول فيها: "ليس لنا أن نفصل الدين عن الدولة، فهناك وحدة مصير بين دولة إسرائيل وبين الشعب اليهودي".

 

وتوضح هذه العبارة السابقة درجة تداخل اليهودية في الكيان الصهيوني؛ حيث وظف الصهاينة نظامًا سياسيًّا يمكنه أن يصطبغ باليهودية، وفي الوقت ذاته يستطيع أن يمارس الديمقراطية، لكنَّ هذا بالطبع قد أدى إلى العديد من التناقضات، وفي مقدمتها عدم إقرار دستور للبلاد؛ حيث رأى المتدينون- ويقدم الكتاب مائير كاهانا نموذجًا عليهم- أن إقرار دستور للدولة يجب أن يكون من الشريعة طالما كانت الدولة يهوديةً، بينما يطلق بعض الديمقراطيين من الليبراليين اليهود تعبيرَ "دولة الشعب اليهودي" على الكيان الصهيوني بدلاً من "الدولة اليهودية" لنزع الصفة الدينية عن الكيان الصهيوني وجعل الكيان الصهيوني مجرد دولة تضم يهودًا.

 

أما الفصل الثالث فقد تناول فيه الكاتب المشكلات التي دخل فيها الدين في الكيان الصهيوني، ومن بينها دخوله في عالم السياسة.. الأمر الذي أوجد التيار الأصولي اليهودي وهو تيارٌ سياسيٌّ ديني، يستغل ممكنات الحياة السياسية الصهيونية من أجل إعلاء دور الدين في الكيان الصهيوني، وذلك على عكس تيار التدين التقليدي الذي يحاول صبغ الكيان الصهيوني ككل بالصبغة اليهودية.

 

الأمن أولاً ثم الاقتصاد!!

الباب الثاني اقتصر على فصل واحد، ناقَشَ فيه الكاتب فكرة النزعة الأمنية لدى الصهاينة عمومًا، والتي تأسست بسببها الأجهزة الأمنية المختلفة التي تحمي الكيان الصهيوني داخليًّا وخارجيًّا، وعلى المستويين الأمنيين العام والداخلي، ويشير الكاتب إلى أن هذا الهاجس الأمني قد أدى إلى إيجاد مدرسة فكرية في السياسة الصهيونية تعطي الأهمية للموضوعات على أساس درجة مساهمته في حماية الأمن الصهيوني، ويسمي الصهاينة هذه المدرسة باسم "بطحونيزم" وهي كلمة تعني "المذهب الأمني"؛ حيث أن "بطحون" كلمة عبرية تعني "أمن" بالعربية، ويشير الكاتب إلى أن الأسس التي قامت عليها النزعة الأمنية الصهيونية وفي مقدمتها الكراهية الشديدة للعرب وكذلك ضرورة التيقظ لمواجهة أية تهديدات تأتي بسبب تلك الكراهية.

 

وننتقل إلى الباب الثالث من الكتاب والذي يتمحور حول فصلَين، يتناول الأول التركيبة الاقتصادية الصهيونية وتداخل العولمة فيها، والنتائج التي ترتبت على ذلك التداخل على مستويات تبني الاقتصاد الصهيوني الفكر الليبرالي، وهو ما قاد فيما بعد إلى ابتعاد الاقتصاد الصهيوني عن الأنماط التقليدية مثل الاقتصاد الزراعي.

 

وفي الفصل الثاني يتناول الكاتب الحِرَاك الذي أدت إليه العولمة فكريًّا في الداخل الصهيوني، ومن نماذج ذلك سعي العولمة إلى هدم القوالب الفكرية والاجتماعية القديمة، من دون إعادة إنتاج قوالب جديدة في الغالب، وهو ما تحقق في الكيان الصهيوني بصورة أو بأخرى.

 

التحولات

ويأتي الباب الرابع في الكتاب كوسيلة من أجل التعرف على تطبيقات كل ما سبق في المجتمع السياسي الصهيوني؛ حيث يحاول الكاتب فيه التعرف على التناقضات التي سبق وأن طرحَها في الساحة الصهيونية الفعلية، فيما سماه عزمي بشارة تحولات "السياسة الصهيونية المعاصرة".

 

وفي الفصل الأول يحاول الكاتب أن يرصدَ التحولات التي سبقت دخول الكيان الصهيوني في مرحلة الحزبين بدلاً من مرحلة الحزب الواحد؛ حيث يوضح الكاتب أن وصول تكتل الليكود إلى السلطة في العام 1977م جاء بعد العديد من التغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهي التغيرات التي تمثَّلت في الانفتاح على المجتمع الدولي بصورة أكبر والسعي إلى الاستفادة من إيجابيات ما آلَ إليه الصراع مع العرب بعد استقرار الوضع إثر حرب أكتوبر في العام 1973م.

 

واستمر الكاتب طوال الفصول التالية في استعراض قضية التغيرات التي طرأت على المجتمع الصهيوني، وأبرز بشارة قضية صعود زعيم حزب العمل الأسبق إيهود باراك لمنصب رئاسة الوزراء؛ باعتباره تكريسًا لمرحلة جديدة في الكيان الصهيوني؛ حيث أشار إلى أن باراك مثل الوسط ولم يمثل اليسار المتطرف، وبالتالي فقد أسس لفكرة يسار الوسط في محاولة للتقرب من اليمين دون التفريط في الفكر اليساري.

 

الباب الخامس والأخير كان محاولةً لرصد فكر المرحلة التي تولَّى فيها أرييل شارون رئاسةَ الوزراء في الكيان الصهيوني إلى جانب رصد بعض ملامح من فكر وسياسة إيهود باراك، بالإضافة إلى لمحة عن الفترة التي تولى فيها زعيم تكتل الليكود حاليًا بنيامين نتنياهو رئاسة الوزراء.

 

وفي حديثه عن باراك أشار الكاتب في الفصل الأول إلى أنه لم يكن رجلَ سلام لا قبل توليه الحكم ولا بعد ذلك، وذكر الكاتب في الفصل الثاني أن السبب الرئيسي وراء سقوطه أمام شارون في انتخابات العام 2001م هو أنه دخل في مواجهة مع حزبه حزب العمل؛ وذلك بسبب تبنيه سياساتٍ تجاه التسوية مع الفلسطينيين قريبةٍ من فكر نتنياهو بصبغة يسارية وهو ما لم يُرضِ غالبية أعضاء الحزب.

 

شارون البطل التوراتي!!

وقد خصص الكاتب فصلاً للحديث عن أرييل شارون، مشيرًا إلى التطويرات التي أدخلها في الفكر العسكري الصهيوني، وكذلك المبادئ التي استنَّها الصهاينة للعمل في الجيش الصهيوني، ومن أشهرها المبدأ القائل بـ"طهارة السلاح" أي ضرورة أن يكون أخلاقيًّا، وبغض النظر عن فكرة الأخلاق التي يمكن للسلاح الصهيوني أن يتحلى بها فقد أرسى شارون فكرة "نظافة السلاح" أي تنازل حتى عن الأخلاقيات التي وضعها الصهاينة لحمل السلاح، وهو ما يعطينا فكرةً عن الذهنية العسكرية لشارون، كما يستعرض الكاتب ممارساتِ شارون السياسية في عملية التسوية مع الفلسطينيين ومن بينها إهمال خريطة الطريق.

 

وفي نهاية الكتاب يشير عزمي بشارة إلى أن شارون أعطى النموذج على يهودية الكيان الصهيوني، وذلك بعد أن أعلى من شأن الأحزاب الدينية في فترة من فترات حكمه، بالإضافة إلى أنه عمل على إعلاء الصهاينة اليهود على عرب الـ48 الخاضعين لسيطرة الكيان الصهيوني.

 

وما سبق يعني أن شارون يعتبر التجسيد الأفضل للكيان الصهيوني اليهودي في أساسه العنصري في توسعاته وسياساته في التعامل مع الأقلية العربية في داخل الكيان الصهيوني، وهو ما جعل شارون أفضلَ سياسي صهيوني بالنسبة للرأي العام الصهيوني بعد مناحيم بيجين رئيس وزراء الصهاينة والذي مات في الثمانينيات.

 

والكتاب بصفة عامة يُعتبير دراسةً علميةً موضوعيةً تساعد على إدراك الآليات التي تحكم الكيان الصهيوني سياسيًّا واجتماعيًّا وتؤثر في فكره الاقتصادي، وخاصةً فكرة يهودية الدولة، وذلك منذ تأسيس الكيان الصهيوني إلى المرحلة الحالية التي شهدت قيادة أرييل شارون لها، مشيرًا إلى التناقضات التي وقع فيها الصهاينة بسبب إصرارهم على تبني الديمقراطية مصحوبة بالحفاظ على الهوية اليهودية للدولة.

 

ويمكن القول بأن الدراسة كانت موضوعيةً غير منحازة ضد الكيان الصهيوني ودعمت مختلف نقاط الانتقاد التي وُجِّهت إلى الكيان الصهيوني وقادته بالعديد من الأمثلة والنماذج من الحياة الصهيونية ذاتها ومن شهادات الصهاينة أنفسهم.

 

وقد اهتم الكاتب بتوثيق المعلومات التي أوردها في الكتاب، موردًا قوائم تقسيم المراجع والمصادر التي استند إليها في إعداده لدراسته.. الأمر الذي يجعل هذه الدراسة بدايةً لانطلاقة توثيقية وأكاديمية في العالم العربي لهذا الموضوع المتعلق بالفكر الذي تأسس عليه الكيان الصهيوني، والتطبيقات الفعلية لهذا الفكر على أرض الواقع.