اسم الكتاب: قراءة للإسلام من جديد

تأليف: نهرو عبد الصبور طنطاوي

الناشر: نهرو عبد الصبور طنطاوي

تاريخ النشر: الطبعة الأولى/ 2005م

عدد الصفحات: 320 من القطع الكبير

عرض وتعليق: حسين التلاوي

 

تزايدت في الفترة الأخيرة الدعوات الصادرة من داخل العالم الإسلامي بغرض إجراء مراجعات للعديد من الأمور الإسلامية الفكرية والفقهية على حد سواء، والتي يعاني المسلمون فيما بينهم من الاختلاف حولها، وذلك بغرض الوصول إلى منظومة فكرية وفقهية إسلامية جديدة، تساعد المسلمين على الخروج من المأزق الحضاري الذي سقطوا فيه، والذي يرجع بالدرجة الأولى إلى سوء تطبيق أو عدم تطبيق المسلمين أنفسهم لتعاليم الدين الإسلامي.

 

إلا أن البعض من داخل العالم الإسلامي والكثيرين من خارجه يدعون أيضًا إلى إعادة قراءة الدين الإسلامي، ولكن من منطلق آخر وهو العمل على هدم الأساس الإسلامي العام؛ بغرض إيجاد تطبيق للدين يتماشى مع التصور الغربي للحضارة الإنسانية.. الأمر الذي يكفل الغرب مؤونة مواجهة الإسلام فيما يرونه صراع الحضارات، وبالتالي ضمان الهيمنة الفكرية على شريحة كبيرة من سكان الكرة الأرضية تبلغ أكثر من مليار نسمة.

 

وفي ظل هذه الدعوات المتشابهة في الهيكل والمختلفة في الجوهر يأتي كتاب (قراءة للإسلام من جديد)؛ ليقدم لنا نوعًا من المراجعة الفقهية للعديد من القضايا التي يختلف عليها المسلمون اختلافًا كبيرًا يصل إلى حد التعارض، ومن أبرز هذه القضايا مسألة الولاء والبراء، ويؤكد الكاتب في مقدمته للكتاب أنه لا يهدف إلى تقديم قراءة للأمور الفقهية المختلف عليها من واقع القرآن الكريم دون التحيُّز إلى مذهب فقهي على حساب الآخر، وذلك بصورة موجَزة فرضتْها طبيعة عدد صفحات الكتاب.

 

ويشمل الكتاب 82 فصلاً، تناولت العديد من القضايا الفقهية التي اختلف عليها المسلمون؛ وذلك بسبب الاختلاف على التأويل ما بين التأويل النصي للقرآن الكريم وبين التأويل مع فتح باب الاجتهاد والقياس، ولم يقسِّم الكاتب الفصول ضمن أبواب؛ وذلك من أجل التيسير على القارئ في الرجوع إلى الموضوع الذي يريده مباشرةً من خلال الفهرس المفصَّل الذي وضعه الكاتب في نهاية الكتاب، والذي أوضح فيه الكاتب الموضوع الذي يتناوله في الفصل من خلال كتابة عنوان شامل للفصل يدل تمامًا على الموضوع الذي يناقشه الفصل.

 

وفي أول فصول الكتاب قام الكاتب بتقديم صورة تعريفية للدين الإسلامي لجأ فيها إلى التعريفات اللغوية وكذلك التعبيرات القرآنية التي دلت على الإسلام؛ مما جعل هذه الصورة للدين الإسلامي تشمل تعريفَه اللغوي بأنه الاستسلام والانقياد، كما ناقَشَ الكاتب فكرة أن الدين الإسلامي هو الدين الذي نزل على الرسول- صلى الله عليه وسلم- فقط؛ حيث يؤكد من واقع القرآن الكريم إلى جانب النقاش المنطقي أن الإسلام هو دين الله تعالى وأن الرسول- صلى الله عليه وسلم- بُعث لكي يكمل الدين الإسلامي لا لكي يؤسس دينًا جديدًا، واستشهد الكاتب في ذلك بوحدانية الأطر العامة للرسالات السماوية.

 

ويشير الكاتب إلى أن الله تعالى قد أطلق مسمى الإسلام كاسم علم على بعثة الرسول- صلى الله عليه وسلم- بحيث صارت دعوتُه هي الدعوة الإسلامية وصار أتباعه هم المسلمين، وذلك استجابةً لدعوة نبي الله إبراهيم عليه السلام.

 

وفي الفصل الثاني قدم الكتاب تعريفًا للقرآن الكريم يوضح أبرز المبادئ التي يستند عليها الكتاب الكريم، ويؤكد الكاتب أن القرآن الكريم هو الكتاب السماوي الوحيد الذي يحتوي كل المبادئ والأخلاقيات السامية التي تدعو إلى الوحدة بين الناس أجمعين، بالإضافة إلى احتوائه على تعاليم تتعلق بالمؤمنين به وأخرى ترتبط بغير المؤمنين، في سابقةٍ هي الأولى من نوعها في الكتب السماوية.

 

وقد ذكر الكاتب بعضًا من المبادئ التي تفرد بها القرآن الكريم على غيره من الكتب الدينية السماوية وغير السماوية، وفي مقدمة هذه المبادئ- كما يقول الكاتب- أن القرآن الكريم يوضح أن إله البشر كلهم واحد وهو الله سبحانه وتعالى، إلى جانب تأكيدها على تزكية الله تعالى للإنسان على غيره من المخلوقات مستدلاًّ بأنه الكائن الوحيد الذي يستر عورته.

 

بعد ذلك ناقش الكتاب بعض الأمور المرتبطة بالقرآن الكريم والآداب الواجبة في التعامل معه والأخذ عنه، ووظائف الرسول- صلى الله عليه وسلم- والكيفية التي اتبعها الرسول- عليه الصلاة والسلام- في توضيح العبادات والنسك، وكذلك أسباب التأكيد على طاعة الرسول- صلى الله عليه وسلم- في القرآن الكريم.

 

ثم ينتقل الكاتب إلى مناقشة قضية في منتهى الأهمية وهي مصادر التشريع؛ حيث يؤكد الكاتب أن القرآن الكريم فقط هو الذي يَصلُح كمصدر للتشريع دون الرجوع إلى السنة النبوية المطهرة؛ وذلك بدعوى أن السنة النبوية تحتوي على العديد من التناقضات، موردًا بعض الأحاديث الشريفة التي يقول إنها تتناقض مع بعضها البعض، ومن بينها أحاديث في قضية التبول وقوفًا أم قعودًا.

 

وهذه القضية تُعتبر من القضايا الأساسية في الدين الإسلامي؛ حيث إن العلماء على اختلافهم أكدوا صلاحية السنة النبوية للأخذ بها مصدرًا للتشريع على جانب القرآن الكريم، بل إن الرسول- صلى الله عليه وسلم- أكد أن القرآن الكريم والسنة النبوية مصدرُ هداية للأمة الإسلامية إلى أن تقوم الساعة، وذلك في حديثه الشريف: "تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدًا.. كتاب الله وسنتي".

 

ومن واجب المؤسسات الإسلامية الرسمية والأهلية والمفكرين والقوى الدينية في العالم الإسلامي- وفي مقدمتها الأزهر الشريف- أن تعمل على مناقشة هذه القضية وإزالة اللبس القائم فيها والعمل على دراسة الأحاديث التي يحتجُّ بها معارضو الأخذ بالسنة النبوية؛ وذلك لترسيخ السنة النبوية كواحدة من مصادر التشريع في الإسلام إلى جانب القرآن الكريم.

 

ويتابع الكاتب نقدَه للمصادر المختلفة للتشريع غير القرآن الكريم؛ حيث يتناول الاجتهاد وأقوال الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، فيشير إلى أن أقوال الصحابة والمجتهدين ليست مقدسةً، وبالتالي فإن عدم اتباعها لا يوقع من يمارسه في الإثم.

 

قضية العلل في القرآن الكريم كانت أيضًا من الموضوعات التي ناقشها الكاتب في الكتاب؛ باعتبارها واحدةً من القضايا الإسلامية ذات الحساسية والتي اختلف عليها الفقهاء كثيرًا، ويشير الكاتب إلى خطأ القول بـ"العلل" في أحكام القرآن الكريم، ويقصد أنه من الخطأ القول بأن الله تعالى قد أنزل هذه الآية أو تلك لعلة ما، لكن الأفضل أن يكون مفهوم "السبب" هو القائم وراء نزول الآيات القرآنية بدلاً من مفهوم "العلل"، ويلجأ الكاتب إلى تفريق ابن حزم ما بين "العلة" و"السبب"؛ حيث يرى أن العلة أمر ضروري ولا يفارق المعلول، فيما أن السبب- وفق ابن حزم أيضًا- أمر اختياري.

 

ويستمر الكاتب في مناقشة القضايا التي ترتبط بالقرآن الكريم؛ حيث ناقش أيضًا قضية الآيات المحكمات والآيات المتشابهات، والأسباب التي وردت في القرآن الكريم لأن نتبع المحكم ولا نتبع المتشابه، حيث إن المحكم واضح فيما أن المتشابه هو ما لا يعلم أحد إلا الله تعالى تأويلَه كالحروف في مفتتح السور القرآنية.

 

بعد ذلك يتجه الكتاب إلى مناقشة مجموعة من القضايا الفقهية التي ترتبط بالحياة اليومية والممارسات المختلفة للمسلم في كل جوانب ومجالات حياته، مثل الممارسة السياسية، وكذلك نظام الحكم، والدولة في الإسلام، وفي هذا السياق يفرق الكاتب بين الحكم وبين السياسة؛ حيث يرى أن الحكم هو القضاء، أما السياسة فهي إدارة أمور الناس في الدنيا أي إدارة أعمال الدولة الإسلامية ذاتها.

 

ويحدد الكاتب الخصائص التي ينبغي على الحاكم أن يتحلى بها ومن بينها العدل، إلى جانب الرحمة واللين بالمحكومين ومشاورتهم في الأمر، وطاعتهم في الأمور التي يردونه عنها وذلك في إطار تقويم الحاكم من جانب المحكومين.

 

ومن هذه المسألة إلى مسألة العقوبات كما حددها القرآن الكريم، ويناقش الكاتب في هذا المقام عقوبة الارتداد عن الإسلام والكفر والخروج عن الملة، بالإضافة إلى العقوبة المفروضة في الجرائم التي لم ترد فيها عقوباتٌ بدنيةٌ في القرآن الكريم ومن بينها العصيان وارتكاب الذنوب فتكون عقوبتها الازدراء.

 

إلى جانب كيفية عقاب مرتكبي الجرائم التي لم يحدد لها القرآن الكريم أية عقوبة، وهي الجرائم التي يقدم لها الكاتب نموذجًا من ارتكاب المعاصي تمامًا مثل النموذج الذي قدمه في الجرائم التي لم ترد فيها عقوبة بدنية.. الأمر الذي يُعدُّ نوعًا من التكرار في مضمون الجريمة، وعمومًا يشير الكاتب إلى أن عقوبة الجرائم التي لم يحدد لها القرآن الكريم عقوبةً معينةً تكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 

بعد ذلك يتجه الكتاب إلى مناقشة بعض العناوين الرئيسة في المذهب الشيعي؛ حيث يوضح الكاتب المصادر التي يستند عليها الشيعة في تلقيهم تعاليم الإسلام وفي مقدمتها القرآن الكريم والسنة النبوية كما وردت عن كبار علمائهم، مع عدم أخذهم بالقياس إلى جانب احتكام الغالبية منهم فقط إلى الإجماع؛ حيث يرفض بعض الشيعة أيضًا الحكم غير الموجود في القرآن الكريم والسنة النبوية حتى ولو أجمع عليه علماء الشيعة.

 

ويتناول الكاتب أيضًا بعض الخصائص المنهجية للمذهب الشيعي، وفي مقدمة هذه الخصائص فكرة الإمامة والولاية، ويورد بعض القواعد التي يضعونها لتنظيم هذه المسألة، ويشير الكاتب إلى أن فكرة الإمامة عند الشيعة تتلخص في أن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه هو الأحق بالخلافة من أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ويختلف الكاتب مع الشيعة في احتجاجهم ببعض الآيات غير المحكمة لتبرير تولية الإمام علي؛ حيث يرى الكاتب أن الآيات المتشابهات لا تصلح للحكم بها.

 

كما حضرت في الكتاب أيضًا قضية الجهاد في الإسلام، حيث يقدم الكاتب تعريفًا له من القرآن الكريم، حيث أكد أن الجهاد هو أمر من الله تعالى يهدف إلى محاربة من يحاربون المؤمنين ويؤذونهم، ويوضح الضوابط القرآنية التي تحكم الجهاد ومن أهمها عدم القتال في الأشهر الحرم.

 

كما يناقش الكاتب أيضًا قضية وجود المشركين وغير المسلمين في القرآن الكريم والأطر القرآنية للتعامل معهم، ويشير في هذا السياق إلى الضوابط التي وردت في كتاب الله تعالى في الدعوة الإسلامية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما يعرض الكاتب إلى العديد من الآيات التي أكدت على أهمية الحرية الدينية وحرية الاعتقاد في الإسلام.

 

ويتناول الكتاب أيضًا في بعض فصوله يعض القضايا التي تتعلق بالتعاملات الإنسانية، مثل علاقة الرجل بالمرأة في القرآن الكريم، ومكانة المرأة ومنزلتها عند الرجل كما حددتها آيات الله تعالى.. كذلك كانت لقضية الذنوب والكبائر موقعها في الكتاب؛ حيث تناول الكاتب قضايا مثل مصير مرتكب الكبيرة وكيفية اجتماع الشرك والإيمان في نفس الإنسان في وقت واحد، بالإضافة إلى مسألة خروج الإنسان من النار بعد دخوله إليها وذلك في الحياة الأخروية ودخوله إلى الجنة بعد ذلك.

 

وينتهي الكاتب بالمرور على قضية الشفاعة في القرآن الكريم، وصفات كلٍّ من الشافع والمشفوع كما وردت في القرآن الكريم، ويقول إن من بين الشفعاء في الآخرة هم من أذن لهم الله تعالى بالشفاعة، ويشكِّك الكاتب في أن المقام المحمود هو الشفاعة؛ حيث يقول بأن المقام المحمود هو شيء لا يعلمه إلا الله تعالى، وأن القول بأنه الشفاعة فهذا من اجتهاد العلماء، وهو في هذا لا يستند إلى حديث الرسول عليه الصلاة والسلام والمعروف بدعاء الشفاعة؛ حيث إن الكاتب لا يحتج بالسنة النبوية، وهي القضية التي سبق وأن أشرنا إلى خطورتها على التشريع الإسلامي وضرورة تدخل علماء المسلمين من أجل حلها.

 

وبهذا الفصل ينتهي الكتاب الذي حاول تقديم بعض المفاهيم الجديدة في مجال الفقه الإسلامي بغرض تقديم حلول للقضايا التي يختلف فيها المسلمون؛ مما يؤدي إلى توافق المسلمين في النهاية على منظومة فقهية واحدة، والكتاب بصفة عامة يُعتبر محاولةً جديدةً في هذا المجال، على الرغم من نقاط الانتقاد التي أشير إليها أثناء هذا العرض المختصر.