- مسيرة المفاوضات مرشحة للاستمرار إلى أجل غير معلوم
- عباس يعتمد على مواقف عربية وأمريكية غير حقيقية
- إعادة بناء منظمة التحرير وإنهاء الخلاف ضرورة وطنية
كتب- محمد سعيد:
كشف تقرير إستراتيجي عن تردِّي وضع السلطة الفلسطينية في رام الله تحت قيادة محمود عباس رئيس السلطة المنتهية ولايته، مُرجعًا ذلك إلى إصرار حكومة اليميني المتطرف بنيامين نتنياهو رئيس وزراء الكيان الصهيوني على توسيع المغتصبات، ورفض إجراء أي مفاوضات جديدة تحتوي بنودها على مسألة القدس وعودة اللاجئين، واعتبار سياسة المغتصبات في المدينة المقدسة خطًّا صهيونيًّا أحمر، ممنوع الاقتراب منه!.
وقال التقرير الإستراتيجي الشهري لمركز "الزيتونة" للدراسات والاستشارات- بعنوان "مستقبل المفاوضات الفلسطينية- الصهيونية في ظل استمرار الاستيطان"-: إن المسار التفاوضي انتكس مرحليًّا خلال الفترة الأخيرة على إيقاع المواقف التي اتخذتها السلطة الفلسطينية في رام الله، والتي اشترطت فيها تجميد المغتصبات مقابل استئناف المفاوضات.
وأشار إلى أن تطورات الأحداث ومؤشرات الواقع تلفت إلى تراجع تدريجي في مواقف السلطة، تعيدها شيئًا فشيئًا إلى مربع التنسيق والتعاون مع الاحتلال.
وأضاف التقرير- الذي وصل (إخوان أون لاين)- أنه بعيدًا عن العثرات التكتيكية التي عطَّلتها مؤقتًا، تبدو مسيرة المفاوضات في المدى المنظور مرشحةً للاستمرار لأجل غير معلوم، في ظل المعطيات والمحدّدات التي تحكم موازين القوى الراهنة، ومواقف واستعدادات الأطراف المختلفة ذات العلاقة.
وأكد أنه منذ توقيع اتفاق أوسلو عام 1993م، الذي أقرَّ تأجيل قضية المغتصبات إلى مرحلة الحل النهائي للمفاوضات؛ دخل الكيان الصهيوني في سباق مع الزمن لفرض وقائع ملموسة على الأرض، محاولاً تقليص المساحة الجغرافية التي ستؤول فيما بعد إلى السلطة الفلسطينية في إطار نتائج أية مفاوضات مستقبلية مع الفلسطينيين.
وهم أوباما
باراك أوباما
وأشار التقرير إلى أنه مع قدوم الرئيس الأمريكي باراك أوباما، وما حمله من مواقف غير مسبوقة إزاء القضية الفلسطينية- وخصوصًا حيال قضية المغتصبات- انتعشت الآمال الفلسطينية الرسمية مرةً أخرى، وارتفع السقف الفلسطيني التفاوضي، متكئًا على الموقف الأمريكي الجديد، الذي أعلن صراحةً أنْ لا مفاوضات إلا بعد التجميد الكامل للمغتصبات، إلا أنَّ هبوط الموقف الأمريكي وتراجعه إزاء قضية المغتصبات وضَعَ عباس وفريقه التفاوضي في زاوية حرجة للغاية.

وقال إن عباس اتكأ على مواقف ولقاءات إيجابية في التعاطي مع ملف المفاوضات مع عواصم عربية، علاوةً على الموقف الأمريكي الذي بدا عليه أوباما، ولكن لم يطُل الأمر كثيرًا حتى بدأ التشدُّد الأمريكي في الذوبان التدريجي، وبدأت المواقف الأمريكية الجادَّة تتراجع شيئًا فشيئًا على وقع التصلُّب الصهيوني.
وأضاف: إن الموقف الأمريكي يتجه الآن نحو اعتماد التسويات الجزئية التي تقبل باستئناف المفاوضات في ظل تجميد المغتصبات لمدة عام؛ ليتمَّ خفض سقف الموقف بعدها إلى ستة أشهر، وأخيرًا ثلاثة أشهر، إلى أن تماهت إدارة أوباما مع إدارة بوش السابقة بقبولها عودة المفاوضات دون أية شروط مسبقة.
حرج
وأوضح التقرير أن التراجع الأمريكي أصاب عباس بحرج شديد، وخاصةً أنه يدرك تمام الإدراك أن وضعه الداخلي ومستقبله السياسي يقف على المحك أمام فصائل المقاومة، وفي مقدمتها حركة حماس، التي تدعو إلى التخلِّي عن المفاوضات "العقيمة" التي لم تجلب للفلسطينيين سوى مزيدٍ من تضييع الحقوق وهدرٍ للثوابت؛ بالتزامن مع تداعيات فضيحة تأجيل "تقرير جولدستون" التي هزَّت سمعته ومركزه السياسي في أكتوبر 2009م.
وقال: "رغم انزعاج عباس من الموقف الأمريكي فإنه لم يستطع معاندته أو الجهر بمخالفته، وإن حاول "التمنُّع" لأطول فترة ممكنة، وسرعان ما بدأ مسار التراجع التدريجي تحت وطأة الضغوط المفروضة، الذي انتهى إلى قبول المفاوضات غير المباشرة، تحت ستار الحديث عن رسالة الضمانات أو ورقة الإيضاحات التي طالب عباس بالحصول عليها قبل إعطاء موافقته العلنية؛ وذلك للتخفيف من وقْع تراجعه شعبيًّا وسياسيًّا، وإحاطته بتبريرات تمكِّنه من الدفاع عن موقفه، ولو شكليًّا، في سياق حملة الهجوم والانتقادات الفصائلية والشعبية الواسعة التي يُتوقَّع أن تصبَّ جام غضبها في وجهه، بل وقد تشارك فيها فئات وقطاعات محسوبة على السلطة وأنصار التسوية.
غطاء عربي
محمود عباس
ولفت التقرير إلى أن النظم العربية وفَّرت غطاءً هي الأخرى لخروج عباس من أزمته بقرار العودة للمفاوضات غير المباشرة عبر لجنة المتابعة العربية على مستوى وزراء الخارجية العرب.

وفي مقابل الموقف العربي يأتي موقف حكومة نتنياهو الذي يبدو في غير عجلة لإبرام أية صفقة تسوية، وفق متطلبات عباس، بل لعلها معنيةٌ أكثر بإدامة وضع المفاوضات في صورتها الحالية (مجمدة- غير مباشرة)؛ ما يتيح لها استمرار سياسة فرض الأمر الواقع على الأرض، مع العلم أن تشكيلة الحكومة الصهيونية الحالية وبرنامجها السياسي يحُولان دون إبداء أية مرونة في قضايا: الحدود، والقدس، واللاجئين، والإصرار على عدم وقف المغتصبات؛ بما فيه "النمو الطبيعي"، ورفض استئناف المفاوضات من النقطة التي توقَّفت عندها في ديسمبر 2008م.
ويكشف التقرير أن إدارة أوباما معنيةٌ بإطلاق المفاوضات الفلسطينية- الصهيونية، ولو بهدف تسكين الجرح الفلسطيني مؤقتًا، ما لم يكن التوصل إلى قيام دولة فلسطين إلى جانب الكيان الصهيوني أمرًا ممكنًا؛ سعيًا منها لأخذ الوقت اللازم لمداواة جروحها المفتوحة في العراق وأفغانستان، ومعالجة العديد من الملفات، التي يقف الملف النووي الإيراني في صدارتها، فضلاً عن محاولاتها الحفاظ على الحد الأدنى الذي يحُول دون انهيار صورة الولايات المتحدة في العالمين العربي والإسلامي.
لوبي صهيوني
ويبيِّن التقرير أن أمريكا تدرك قدرتها المحدودة على الضغط على الكيان الصهيوني، ومدى نفوذ اللوبي الصهيوني في صناعة القرار الأمريكي المتعلق بالشرق الأوسط، هذا فضلاً عن أن الولايات المتحدة غير جادَّة وغير راغبة في تعريض شراكتها الإستراتيجية مع الكيان الصهيوني للخطر؛ إذ يظلُّ الكيان المحدد الأول لصناعة القرار الأمريكي في المنطقة، وبدا واضحًا أن الإدارة الأمريكية ليست قادرةً على اتخاذ إجراءات حاسمة وملزمة للكيان الصهيوني.
وخلص إلى أنه يمكن اعتبار سيناريو استئناف المفاوضات- تحت ستار المفاوضات غير المباشرة وفقاً للتفاهمات الفلسطينية- الأمريكية التي جرت بلورتها مؤخرًا- أمرًا واقعًا، وأن هذا السيناريو يشكِّل حلاًّ مؤقتًا وظرفيًّا لأزمة المواقف المسبقة التي تشدَّد عباس في التمسك بها إزاء التجميد التام للمغتصبات، وتوطئةً لعودة انسيابية إلى مسار المفاوضات الثنائية المباشرة، ربما في غضون أربعة أشهر.
صفقة مشوهة
ويرى التقرير أن هذه الصورة من الممكن أن تجرَّ على الوضع الفلسطيني عدةً من التداعيات؛ أهمها أنه مع استئناف جولات المفاوضات لن يكون أمام عباس وفريقه التفاوضي سوى القبول بالسقف التفاوضي الصهيوني المعروف؛ الذي يمنح الفلسطينيين صفقة تسوية مشوَّهة، أو البقاء في إطار المراوحة التفاوضية لأمد غير معلوم، ويعزِّز من هذا الاحتمال أن التجربة التاريخية تشير إلى أن أمريكا والقوى المتنفِّذة في المجتمع الدولي ليست في وارد الضغط على الكيان الصهيوني، وأن الضغوط عادةً ما تتجه نحو "الحلقة الأضعف"، وهي هنا الجانب الفلسطيني.
ويتوقع محاولة محمود عباس "ركوب الموجة" واستغلال حالة الغضب الفلسطيني على المفاوضات واستمرار عملية قضم الأرض الفلسطينية وتهويد المقدسات؛ بإطلاق تحذيرات للمجتمع الدولي، وعلى رأسه الإدارة الأمريكية، من مغبَّة عودة "العنف" في الضفة المحتلة حال فشل خيار التسوية خلال المرحلة المقبلة؛ ما لم يتم الضغط بشكل جدي وحقيقي لإلزام الاحتلال الصهيوني بدفع استحقاقات التسوية.
هذا غير احتمالية إعادة الأمر إلى الأمم المتحدة؛ لتقوم بالتزاماتها في تنفيذ قراراتها المتعلقة بحق الشعب الفلسطيني؛ بتقرير مصيره، وإقامة دولته، وانسحاب الأراضي المحتلة سنة 1967م، غير أن ذللك التصوُّر يعتبره البعض لاحتمالات دخولها في دوامات ودهاليز الأمم المتحدة التي تؤدي إلى مزيد من ضياع الوقت، فضلاً عن إمكانية تعطيلها وإفشالها من القوى الكبرى وخصوصًا أمريكا.
توصيات
ويوصي التقرير بضرورة وقف المفاوضات السياسية الحالية مع سلطات الاحتلال؛ لأنها تفتقد للجدية، وتطيل أمد الاحتلال، ولا توجد لها مرجعيةٌ محددةٌ تحترم حقوق الشعب الفلسطيني وثوابته الوطنية، وضرورة التداعي إلى بلورة إستراتيجية وطنية موحدة ترتكز على التعامل مع الخيارات المتاحة في إطار المصلحة الوطنية الفلسطينية العليا.
ويطالب بإعادة بناء وتشكيل منظمة التحرير على أسس تنظيمية وسياسية جديدة، بحيث تكون مظلةً لكل الفلسطينيين وفصائلهم في الداخل والخارج، وإجراء انتخابات المجلس الوطني وفق الآليات التي يتمُّ التوافق عليها وطنيًّا، وبحيث تعبِّر بقوة وفعالية عن مصالح الشعب الفلسطيني، وتشكيل قوى ضغط فلسطينية مؤسسية وشعبية، تشكِّل رافدًا لفصائل العمل الفلسطيني، وعنصرَ تحشيد للقوى والطاقات الشعبية واستثمارها في إطار مقاومة الاحتلال ومخططاته "الاستيطانية" التوسعية.