جاءت التحركات الشعبية الأخيرة في الشارع الفلسطيني تنديدًا بالممارسات الصهيونية في المدينة المقدسة؛ مغايرة لتوقعات رجالات السلطة الذين أدعو، وفي أكثر من مناسبة أن الشعب الفلسطيني أنهك بفعل الانتفاضة القاسية، ولم يعد يقوى على المزيد من التضحيات، والتحركات.

 

حيث أثبتت القدس أنها كانت ولا تزال (الباروميتر) الحقيقي الذي يقيس مدى يقظة الشارع الفلسطيني، ابتداءً بثورة البراق عام 1929م مرورًا بحرق الأقصى عام 1969م وانتهاءً بزيارة شارون للأقصى عام 2000م.

 

شكلت الفعاليات الجماهيرية، والتحركات الشعبية مصدر قلق لدولة الاحتلال دومًا، فقد ارتبطت تلك التحركات في الذاكرة الصهيونية بالانتفاضتين الأولى والثانية، اللتين بدأت شرارتهما بعد ردة الفعل العفوية الشعبية على ممارسات الاحتلال، وما تبعهما من تحول طبيعي للفعل المسلح، والعمل العسكري.

 

ومن أجل ذلك تبدو دولة الاحتلال اليوم متيقظة لهذا الخطر، حيث تسعى جاهدة لضرب تلك التحركات، ووأدها في مهدها حتى لا تكبر وتتعاظم، وفي سبيل ذلك؛ مارس الاحتلال سياسة ضبط النفس، وهي سياسة جديدة لم تكن في قاموس دولة الاحتلال، حيث عمد الجيش الإسرائيلي على تفريق المسيرات، والمظاهرات باستخدام الغاز المسيل للدموع، والرصاص المطاطي، وهو الأمر الذي فسّر عدم وقوع أي من الشهداء خلال المواجهات التي دارت في مدينة القدس، كما سعى الاحتلال جاهدًا إلى حصر تلك المظاهرات في مدينة القدس، والحرص على عدم امتدادها إلى بقية مدن الضفة الغربية.

 

وركز الاحتلال من اعتماده على قوة المستعربين، وهي (وحدة صهيونية يرتدي عناصرها الزي المدني الفلسطيني، وتنتشر بين الشبان أثناء اندلاع المواجهات مع جنود الاحتلال)، حيث يشرعون باعتقال المشاركين في تلك المظاهرات، ومن ثم يقومون بتسليمهم إلى الجيش الإسرائيلي بعد أن يوسعوهم ضربًا، وهي خطوة تهدف إلى إحباط التحركات الجماهيرية، ونشر حالة من عدم الثقة، والبلبلة بين الشبان الفلسطينيين.

 

كما تعتبر التحركات الشعبية نقطة ضعف دولة الاحتلال؛ حيث تنقل كاميرات عشرات المصورين، والصحفيين المحليين، والدوليين الجيش الصهيوني المدجج بالسلاح يواجه مجموعة من الفتيان العزّل من السلاح خرجوا للتعبير عن رفضهم الممارسات الإسرائيلية في مدينتهم المقدسة، وهو ما يفسر استهداف الصهاينة للصحفيين أثناء تغطيتهم الفعاليات الجماهيرية في القدس.

 

أم كمال.. قصة خيمة وصمود

وقد أصبحت السيدة "أم كمال الكرد" رمزًا للنضال الجماهيري، والشعبي في مدينة القدس بعد أن رفضت إخلاء منزلها لصالح المستوطنين الصهاينة بالرغم من كل التهديدات، والإغراءات، وبالرغم من استشهاد زوجها بعد أن طرده الاحتلال من منزله عنوةً، حيث قامت بنصب خيمة أمام منزلها الكائن في حي الشيخ جراح بالقدس، وأطلت من خلالها على العالم عبر وسائل الإعلام العربية، والأجنبية تتحدث عن معاناتها، وعن رفضها الخروج من منزلها مهما كلف الأمر، وأصبحت "أم كمال" تتصدر صفحات الصحف العالمية ونشرات الأخبار.

 

كما أضحت خيمتها (خيمة الصمود)، كما اصطلح على تسميتها؛ محجًّا للسياسيين والوفود من القناصل الأوروبيين، بالإضافة إلى وفد مسلم من الكونجرس الأمريكي، وعدد كبير من الشخصيات الأجنبية، وقد عبرت جميع هذه الوفود عن دعمها للحاجة "أم كمال"؛ مما جعلها هدفًا للصهاينة حيث قاموا بهدم خيمتها أكثر من "8 مرات" في محاولة يائسة لطمس الحقيقة، وإخراس صوت الحق، ولا تزال "أم كمال" متمسكةً بحقها.. ثابتة الخطى حتى مماتها "كما تقول".

 

كما رفضت "أم زياد" عرضًا من وزير السياحة الصهيوني حينما أتى شخصيًّا إلى منزلها، وعرض عليها شيكًا مفتوحًا مقابل ترك منزلها، لأجل هذا كله اختارتها الهيئة الإعلامية العالمية من أجل الدفاع عن القدس شخصية العام 2008 ضمن احتفاليات القدس عاصمة الثقافة العربية، كما منحتها وسام الشجاعة من أجل الدفاع عن القدس.

 

السلطة والدور المشبوه

ولا ننسى في هذا السياق دور السلطة، وأجهزتها الأمنية التي استنفرت جميع عناصرها لمنع أي تجمع، أو مسيرة، أو اعتصام تعرب عن تضامنها مع المدينة المقدسة، وهو نفس المشهد الذي شهدناه أثناء الحرب الصهيونية الأخيرة على غزة، حيث اُعتبرت الضفة، وحسب رأي كثير من المراقبين الجبهة الأقل تفاعلاً مع الحدث المقدسي.

 

وتأتي ممارسات الأجهزة الأمنية منافية تمامًا للموقف الرسمي للسلطة الفلسطينية التي تدعي دعمها، ومساندتها للتحركات الجماهيرية، أو ما اصطلح على تسميته بـ(المقاومة السلمية)؛ حيث منعت السلطة حتى الأطفال من الاقتراب إلى مواقع التماس، وحمت ظهر الصهاينة من حجارتهم، وهو الدور الذي أشادت به الحكومة الإسرائيلية حين عبرت علانية عن مدحها لأداء أجهزة السلطة في كبح جماح المواطنين، ومنعهم من التظاهر، زاعمةً أن تنسيقًا على أعلى مستوى يتم بين الجانبين لمنع تحول أحداث القدس إلى انتفاضة عنيفة في الضفة الغربية.

 

ولم يقتصر دور السلطة على منع التظاهرات في مدن الضفة الغربية، بل امتد لمهاجمة بعض وسائل الإعلام التي سلطت الضوء على الانتهاكات الإسرائيلية في القدس، حيث اتهم "ياسر عبد ربه" عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير؛ فضائية (الجزيرة) بـ"الرقص على دماء الفلسطينيين لخدمة أجندة خارجية؟!!!".

 

هم في رباط

ولم يقتصر دور الشباب المقدسي، والفلسطيني على التظاهرات والاحتجاجات، بل انتقل إلى الحماية الفعلية للمسجد الأقصى، وذلك من خلال (المرابطون) الذين نذروا أوقاتهم وجهدهم للدفاع عن الأقصى، وصدِّ اعتداءات المتطرفين الصهاينة الذين يحاولون اقتحامه في أكثر من مناسبة.

 

والمرابطون هم من مختلف الأعمار؛ فمنهم الفتية، والشباب والرجال والنساء، ومنهم العجزة الذين تصل أعمار بعضهم فوق السبعين عامًا، وهؤلاء جميعًا يتوافدون إلى الأقصى من مختلف مدن الداخل الفلسطيني، حيث يصلُّون الفجر في الأقصى، ويبقون معتكفين مرابطين، ومدافعين عن الأقصى حتى صلاة العشاء، ومن ثم يغادرون ويعودون في اليوم التالي.

 

ويمكن القول إن لهؤلاء المرابطين الدور الكبير في إفشال الكثير من محاولات الصهاينة اقتحام الأقصى، ولهم الفضل كذلك في إبقاء الأقصى قضيةً حيةً في قلوب المسلمين، ولفت أنظارهم لما يجري للأقصى.

 

المقاومة ترد

كما شهدت الفترة الماضية تصاعدًا في أعمال المقاومة (الفردية والشعبية) حيث أصيب شرطي صهيوني بجراح في كفه وصفت ما بين الخفيفة، والمتوسطة جراء إطلاق نار من مسدس في منطقة رأس العامود بمدينة القدس المحتلة، وزعمت المصادر الصهيونية أن هذا الهجوم يأتي في سياق العمل الفردي البعيد عن العمل التنظيمي، كما ألقى الشبان الفلسطينيون القنابل الحارقة، و(الأكواع المتفجرة) على الدوريات الصهيونية.

 

معركة الوعي

ويخوض الشبان الفلسطينيون، والمقدسيون معركة من نوع آخر تدور رحاها على شبكة الإنترنت، وذلك من خلال موقع (الفيس بوك) و(اليوتوب)، والمدونات، والمنتديات، والمواقع المختلفة التي ترفع عليها كل يوم مئات الملفات، والمواضيع والصور التي تثبت أحقية المسلمين بالمدينة المقدسة، وتدحض الروايات الصهيونية، كما يستهدف العاملون الفلسطينيون في هذا المضمار التأثير على الرأي العام العالمي، والأجنبي على وجه الخصوص من أجل استمالتهم إلى جانب الحق الفلسطيني في المدينة المقدسة، ويهاجم (الهكرز) الفلسطيني العديد من المواقع الصهيونية، ويعملون على تدميرها، أو نشر مواقع معادية للصهيونية عليها.

 

إن ردة الفعل الشعبية، والجماهيرية في مدينة القدس، وحتى يكتب لها النجاح، والتواصل؛ لا بد لها من دعم جماهيري، وإعلامي في بقية المدن الفلسطينية، والدول العربية، والإسلامية حتى لا يشعر المقدسيون أنهم مكشوفو الظهر في ميدان الدفاع عن أولى القبلتين، ومسرى رسول الله.