- انحياز قيادتها نحو موسكو يهدد المصالح الأمريكية

- نظام الدولة قد يكون ضحيةً تُجدِّد الحرب الباردة

 

كتب- عصام فؤاد:

يبدو أن عهد الثورات الملونة لم ينتهِ بعد في الجمهوريات السوفيتية السابقة، فما زالت الفرشاة الأمريكية تجتهد لتصبغ حشودًا جماهيرية جديدة بألوانها الخاصة، والتي لن يكون آخرها ما تشهده حاليًّا جمهورية قرغيزيا المسلمة.

 

فقد شهدت مدينة أوشي القرغيزية اشتباكات دامية- يوم الثلاثاء 23/3/2010م- بين الشرطة ومتظاهرين؛ ما تسبب في سقوط عدد من الجرحى غير اعتقال العشرات، على خلفية مطالبتهم باستقالة الرئيس كرمان باكييف، والإفراج عن المعارض المسجون حاليًّا إسماعيل إسحاقوف.

 

المظاهرة التي لم تلفت كثيرًا من وكالات الأنباء، حملت العديد من الإشارات التي تحتاج للرجوع في تاريخ البلاد وعلاقاتها المتشابكة مع أمريكا والصين وقبلهما الاتحاد الروسي.

 

وتتمتع قرغيزيا أو قرغيستان بموقع إستراتيجي مهم ومتميز في منطقة آسيا الوسطى، ولا تزال عاصمتها بيشكيك نقطة تقاطع مصالح دول الغرب وروسيا على مدى سنوات عديدة.

 

وهي ثاني أصغر دول آسيا الوسطى، إذ تبلغ مساحتها 198.500 ألف كلم2، ويحدها من الشمال كازاخستان، ومن الجنوب الصين وطاجيكستان، ومن الشرق الصين، ومن الغرب أوزبكستان.

 

وحتى انضمامها إلى حقبة العهد السوفيتي أوائل القرن الماضي كانت ديانة جميع سكان قرغيزيا هي الإسلام، إلا أن الاضطهاد والتهجير الذي تعرَّض له عدد كبير من أعراق القرغيز؛ أدَّى لتناقص أعداد المسلمين لصالح المسيحية، التي كسبت نحو 13% من السكان، قبل استقلال البلاد عن الاتحاد السوفيتي في أغسطس عام 1991م بعد انهياره.

 

ويقدر عدد سكان البلاد حاليًّا بنحو 5.5 ملايين نسمة، يشكل المسلمون حوالي 85% منهم، وهم على عقيدة أهل السنة والجماعة، ويتبع غالبيتهم المذهب الحنفي.

 

وقرغيزيا دولة جبلية فقيرة، يعتمد اقتصادها على تربية المواشي وقطاع الزراعة الذي يمثل نحو 75% من إجمالي الناتج المحلي، وأهم منتجاته القطن والقمح، كما يبقى قطاع التعدين- لاسيما استخراج الذهب- وقطاع السياحة محدودين للغاية من حيث الإيرادات، ويمثل تصدير الذهب 40% من مجموع الصادرات، ويوجد في قرغيزيا مصادر طبيعية، تشمل الفحم والنفط والغاز الطبيعي واليورانيوم، بالإضافة إلى الطاقة المائية.

 

وعقب التحرر من السوفيتية؛ شهدت البلاد حملات موسعة لنشر استخدام اللغة القرغيزية، حتى صارت لغة البلاد الأولى، ولتحل الروسية في المرتبة الثانية، رغم بقاء سيطرتها على لغة التخاطب الأساسية في الشئون التجارية والدراسات العليا.

 

ولا تزال موسكو هي اللاعب الرئيسي في قرغيزيا وصاحبة الشراكة التاريخية والإستراتيجية مع عاصمتها السياسية، فضلاً عن أن روسيا هي صاحبة النصيب الأكبر في تجارة قرغيزيا الخارجية بنحو 25%.

 

وينازع النفوذ الروسي هناك الطموح الصيني في منطقة آسيا الوسطى المليئة بخطوط نقل البترول والغاز والمطلة على بحر قزوين الغني بالنفط، وينافسه التدخل الأمريكي عبر المنظمات غير الحكومية والبعثات التعليمية إلى أمريكا ومراكز تعليم اللغة الإنجليزية، بالإضافة لبرامج دعم الديمقراطية وبعض الوسائل الإعلامية التي يتم توظيفها، حسب استجابة النظام للرغبات الأمريكية.

 

ديكتاتورية عاكييف

ورغم الديكتاتورية الشديدة التي اتسم بها عهد الرئيس السابق عسكر عاكييف، إلا أنه كان ينال الرضا الروسي والأمريكي، بحفاظه على مصالح روسيا الإستراتيجية، وتعاونه مع الإدارة الأمريكية والصهيونية.

 

وكان عاكييف يتفاخر بإنفاقه 13% من ميزانية بلاده في محاربة الإسلاميين، وشملت الاعتقالات آلاف المسلمين بعد انتقاداتهم لأمريكا وحربها على أفغانستان، كما حظرت حكومته تدريس الدين الإسلامي بالمدارس، وعقّدت سبل إنشاء المدارس الدينية بجملة تراخيص من وزارة الداخلية.

 

وترى موسكو وواشنطن أن محاربة الإسلاميين في البلاد فائدة لكلا الطرفين؛ لتخوف الأخيرة من أثر الإسلاميين على حربها في أفغانستان، أما الأولى فهي تعلم أن أي تقدم في صفوفهم قد يمتد إلى باقي الجمهوريات- السوفيتية سابقًا- المسلمة، قبل أن تصل للمسلمين المضطهدين في أراضي الاتحاد الروسي نفسه.

 

وغير التعاون العسكري والاستخباراتي مع الصهاينة، أعلن عاكييف عن نيته افتتاح سفارة لقرغيزيا في القدس تأييدًا للكيان الصهيوني، وقدَّم لواشنطن خدمة جليلة بموافقته في ديسمبر 2001م على إنشاء قاعدة عسكرية أمريكية بالقرب من العاصمة بيشكيك، لدعم حربها على أفغانستان.

 

وكانت قاعدة ماناس مركز انطلاق للهجمات الأمريكية على أفغانستان، وضمت نحو 1000 عسكري يسهرون على تأمين الإمدادات والطلعات الجوية التي لا تستغرق أكثر من ساعة ونصف الساعة للوصول إلى الأجواء الأفغانية.

 

ثورة السوسن

وعلى إثر انتخابات شابها العديد من صور التزوير الفجة، قادت المعارضة مظاهرات احتشد فيها مئات آلاف القرغيزيين، وبدأ الانفجار من محافظات الجنوب؛ حيث سيطر المتظاهرون على ميدنتيّ أوشي وجلا أباد، قبل أن ينطلقوا في عاصفة كبيرة يوم 24 مارس 2005م إلى العاصمة بيشكيك؛ حيث حاصروا البيت الأبيض مقر الحكومة، ليجبروا رئيس الوزراء على الاستقالة، فيما هرب عاكييف إلى موسكو التي منحته حق اللجوء السياسي.

 

ثورة السوسن الصفراء جاءت مختلفة عن مثيلتها الحمراء في جورجيا عام 2003م والبرتقالية في أوكرانيا عام 2004م، ليس فقط في أن نسختها الآسيوية طبعتها بحالة من الفوضى والإجرام والسرقات، وبعض العنف والدماء، ولكنها افتقرت أيضًا للتمويل الأمريكي الذي حرك سابقتيها، وقدمت صورة أكثر وطنية وشفافية، باعتمادها فقط على جهود أبنائها الذاتية.

 

وانتخب المتظاهرون المعارض كرمان كاييف رئيسًا للجمهورية، والذي سارع لإزالة شكوك روسيا بإعلان الوفاء لها، وترسيخ العلاقات الإستراتيجية بين البلدين.

 

وأكد استمرار بلاده في التجمعين الإقليميين الأهم بالمنطقة، وهما: منظمة الأمن الجماعي للدول السوفيتية السابقة، التي تضم كلاًّ من أرمينيا، وروسيا البيضاء، وكازاخستان، وروسيا وطاجيكستان، إضافة إلى قرغيزستان. ومنظمة شنغهاي، التي تضم كلاًّ من الصين، وكازاخستان، وروسيا، وطاجيكستان، وأوزبكستان، إلى جانب قرغيزستان.

 

وصاحب صعود باكييف وحزبه فتور في العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية، والتي تدهورت أكثر بعد أغسطس 2008م، حينما شاهدت بيشكيك لطمة الدب الروسي القاسية لجارته جورجيا؛ ردًّا على محاولات واشنطن مد خيوط حلفها الأطلسي إلى محيط روسيا الحيوي، وانتهت الحرب على نحو أقنع قرغيزيا بأن مصالحها ستبقى مع الجار التاريخي القريب، دون ذلك البعيد جغرافيًّا مهما اقتربت قواته.

 

إسماعيل إسحاقوف

المظاهرات التي شهدها الجنوب القرغيزي يوم الثلاثاء الماضي لم تكن الأولى في عهد باكييف، فقد سبقتها احتجاجات أشد أواخر عام 2006م، وبلغت أنْ حاصر نحو 4 آلاف متظاهر مقر الحكومة، وانضمت لهم الشرطة في احتجاجات ومسيرات طويلة هتافها الرئيسي "باكييف استقل".

 

إلا أن الرئيس استطاع احتواء المتظاهرين بإقالة وزير الداخلية وبعض التغييرات الوزارية، والإفراج عن بعض تعديلات الدستور التي تحد من حق الرئيس في حل البرلمان، وتمنح الأخير حق مشاركة الرئيس في تعيين الحكومة.

 

وكما شهدت البلاد بعض الخطوات المقبولة في تأمين الحريات العامة والخاصة، وهو ما لاقى استحسانًا استثمره كاييف في الفوز الواسع لحزبه الحاكم "أك جول" بالانتخابات التشريعية نهاية عام 2007م، قبل أن يحصد نحو 75% من أصوات الناخبين ليمدد ولايته الرئاسية بعد انتخابات 2009م.

 

ولكن المثير في اشتباكات أول أمس هي اللافتات والصور التي حملها المتظاهرون، والتي دعت أولاً للإفراج عن إسماعيل إسحاقوف، قبل دعوتها لرحيل الرئيس الحالي، ما يثير الشك في أن المظاهرات الحالية قد تحمل لاحقًا ألوانًا قريبة من ثورتيّ أوكرانيا وجورجيا، وربما تتزود بمثل حشودهما.

 

والجنرال إسماعيل إسحاقوف يؤدي منذ يناير الماضي حكمًا قضائيًّا بالحبس ولمدة ثماني سنوات؛ بتهمة استغلال منصبه في نقل ملكية شقة تابعة لوزارة البترول إلى ابنه الضابط بالقوات المسلحة.

 

وكان إسحاقوف أحد أبرز معاوني باكييف، الذي عيَّنه وزيرًا للدفاع بعد ثورة 2005م، واستمر في منصبه ثلاث سنوات، كان يدين فيها بالولاء التام للنظام القائم، وفتح المجال للتعاون مع الجيش الأمريكي، وكان المؤيد الأكبر لبقاء القاعدة العسكرية الأمريكية، وصرح خلال لقائه بنظيره الأمريكي الأسبق دونالد رامسفيلد بموافقته على بقاء القوات الأمريكية في بلاده، نظرًا لعدم استقرار الأوضاع في أفغانستان.

 

وبعد كفاءة عالية أبداها إسحاقوف في وزارة الدفاع ترقى لمنصب سكرتير مجلس الأمن القومي، واستمر فيه حتى أوائل عام 2009م الذي شهد انتقال إسحاقوف بحدة إلى صفوف المعارضة بالتزامن مع رغبة الرئيس باكييف إغلاق القاعدة الأمريكية.

 

قاعدة ماناس

وعلَّل باكييف رغبته في إغلاق القاعدة بتدني إيجارها وسوء سلوك الجنود الأمريكيين، وصرَّح بقراره ذلك خلال زيارته للعاصمة الروسية موسكو التي وعدته بتقديم ملياري دولار مساعدة لحكومته، وصوت البرلمان بالإجماع لفائدة إغلاق قاعدة ماناس، مانحًا واشنطن 6 أشهر كحد أقصى للرحيل.

 

وبعد شهور من التضييق على قاعدة أمريكا العسكرية، أعلن سيرغي بريخودكو مساعد الرئيس الروسي في يوليو الماضي اتفاق بلاده مع قرغيزيا على إنشاء قاعدة لقوات الرد السريع، لتمثل قوة إضافية مع قاعدة "كانت" الروسية التي افتتحها الرئيس الروسي السابق فلاديمير بوتين، وتبعد عدة كيلومترات فقط عن قاعدة ماناس الأمريكية.

 

قرار بيشكيك كان اقتصاديًّا من الدرجة الأولى بالاستفادة من المعونة الروسية، التي ستستخدم القرار القرغيزي للضغط على إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما، في التفاوض الجاري بشأن طلب موسكو وقف نشر الدرع الصاروخية الأمريكية، وإنهاء محاولات ضم جورجيا وأوكرانيا للحلف الأطلسي، وذلك باستغلال حاجة الولايات المتحدة الملحة للقاعدة بعد زيادة قواتها في أفغانستان، التي تمثل الأهمية الأولى في خطط أمريكا العسكرية حاليًّا.

 

واشنطن تتحرك

المظاهرات الأخيرة حملت رسالتين من واشنطن، الأولى وجهتها موسكو التي تشددت مؤخرًا في شروط صفقة بقاء القاعدة الأمريكية، رغم أن هزيمة مسلحي طالبان ستمثل مكسبًا أكبر للاتحاد الروسي الذي تسببت حربه الأفغانية في هدم كيانه القديم.

 

فيما ذكرت الثانية الرئيس باكييف باحتجاجات عام 2006م، وأفادت بأن ما زالت تدعم استقرار قرغيزيا ونظامها الحاكم، لتأمين مشاريعها، وأن تهديد مصالحها قد يتسبب أيضًا في تهديد نظام البلاد كله.

 

وسيكون لأصوات المحتجين أثرها على شروط صفقة قد نشهدها قريبًا بين واشنطن وبيشكيك؛ حيث لم تكتفِ إدارة أوباما باستخدام القاعدة للأغراض المدنية فقط، كما لم يعجبها شروط باكييف السابقة لإبقاء القاعدة، بسبب رفع قيمة إيجارها إلى 350 مليون دولار سنويًّا، وإلغاء الحصانة المطلقة للجنود الأمريكيين على أراضيها، بعد إدانتهم في مقتل مواطن قرغيزي قبل شهور.

 

بديل الإصلاح

اشتباكات الثلاثاء لن تكون الأخيرة حال واصلت بيشكيك عنادها مع واشنطن، إلا أن المسيرات القادمة ستحمل ألوانًا معروفة سلفًا، كما ستحظى بالتنظيم الأمريكي المدروس لصفوف تجار المعارضة والمرتزقة، مع تجييش أكبر للوسائل الإعلامية والثقافية المستفيدة من التمويل الأمريكي؛ للهجوم على النظام الحاكم.

 

والسبيل الأقصر أمام باكييف لتجنب مكر الـ(سي آي إيه) هو الإسراع في التعديلات الدستورية المطلوبة، وتحقيق رغبة الجماهير في تأسيس نظام برلماني ديمقراطي، واعتماد برنامج اقتصادي رفيع ينعش أحوال البلاد الاقتصادية وينقذ فقراءها، وكذلك إلغاء قوانين قمع الحريات الدينية التي لا تميز بين التطرف والتعبير السلمي عن الدين.

 

حرب باردة جديدة اشتعلت بين موسكو وواشنطن، ساحتها هذه المرة أراضي قرغيزيا المسلمة، وإذا لم يبادر الرئيس بإجراء الإصلاحات المطلوبة، فلن يكون أمامه سوى تجرع كأس سابقيه في جورجيا وأوكرانيا، ومشاهدة مسلسل الثورات الملونة إلى آخره.