أعادت المعلومات التي أدلى بها "فهمي شبانة" ضابط المخابرات السابق لوسائل الإعلام، والتي تحدث فيها عن الكثير من حوادث الفساد المالي والأخلاقي التي تورَّط فيها شخصيات كبيرة في السلطة الفلسطينية وحركة فتح، أعادت تسليط الضوء على هذا الملف الجديد القديم.

 

فمنذ تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية منتصف ستينيات القرن الماضي؛ إلا واعتبر الفساد المالي والأخلاقي صفة ملازمة للمنظمة ورجالاتها؛ حيث يروي كثيرون ممن عايشوا تلك الفترة عن كيفية إدارة ياسر عرفات لملف المنظمة المالي، والتي اعتبرت في تلك الفترة من أغنى حكومة عربية، لما يصلها من مخصصات وتبرعات من جميع دول العالم.

 

ويتناقل الكثيرون ما كان عرفات يردده في حينه، حيث كان يقول: "أنا أكبر شنب اشتريه إما بشيك مالي أو فتاة جميلة..."، وقد اعتبرت تلك المقولة تلخيصًا عن كيفية استمالة عرفات لخصومه وجعلهم في صفه.

 

غير أن تلك الفترة وما لازمها من فساد مالي وأخلاقي لم يكن بالإمكان رصدها أو تتبعها على اعتبار أن كل مَن يوجه انتقاده للثورة أو المنظمة هو عميلٌ للاحتلال، كما لم يمكن بالمستطاع معرفة حجم الفساد المالي لعدم وجود وزارة مالية أو جهات رقابية تضبط الداخل والخارج على خزينة المنظمة، ولعدم وجود سلطة فعلية على الأرض، كل تلك المبررات كانت تعتبر حائلاً دون تحقيق المساءلة أو كشف مواطن الفساد.

 

السلطة.. النشأة والفساد

بعد توقيع اتفاقية أوسلو عام 1993م بين المنظمة والدولة العبرية وما نتج عنها من إنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية على الأراضي التي انسحب منها الاحتلال وإنشاء الوزارات، ظل الفساد يلاحق قادة السلطة وحزبها حركة فتح.

 

فقد صرَّحت الدول المانحة، وفي كثيرٍ من الأحيان، وعبر تقارير دولية موثوقة أن السلطة الفلسطينية تعاني من فسادٍ إداري ومالي حقيقي، وأن الكثير من الملايين المقدمة كهباتٍ ومساعدات لا تصل إلى خزينة السلطة، كما اُتهمت السلطة بالتبذير وتبديد الأموال في أحسن الأحوال.

 

استخدمت السلطة ورجالاتها العديد من الطرق لسرقة المال العام والنهب والسلب إما بشكلٍ مباشر كالاختلاسات أو غير مباشر كإرساء المناقصات التجارية التي تخصُّ الوزارات المختلفة على شركات تتبع لرجالات السلطة، هذا بالإضافة إلى استغلال المنصب العام والوظائف الوهمية.

 

حجم الفساد المالي

شهدت السلطة الفلسطينية الكثير من البذخ وتفشي ظاهرة الاحتكارات الاقتصادية والشركات المملوكة للحكومة، فقد صدر عن هيئة الرقابة العامة تقرير أكد اختفاء أموال ضخمة بلغت حينها ما يقارب (315) مليون دولار.

 

وفي فبراير من العام 2007م كشف النائب العام "أحمد المغني" أن عدد ملفات الفساد المالي التي وصلت إلى النيابة العامة يزيد عن 50 قضية، وأن أكثر من 700 مليون دولار أهدرت في قضايا فساد خطيرة، وقد شملت القضايا التي أعلن المغني التحقيق فيها، الاختلاس وإساءة الائتمان والنصب والاحتيال والتزوير في أوراق رسمية لأشخاص ذوي مكانة مرموقة.

 

فضيحة الإسمنت

 الصورة غير متاحة

 أحمد قريع

وتعتبر قصة الإسمنت الفضيحة الأشهر التي لاحقت السلطة خلال العقد الماضي، حين عمل أحمد قريع رئيس الوزراء في حينه خلال عامي 2002 و2003م وجمال الطريفي وزير الشئون المدنية على تزويد شركة مقاولات صهيونية تعهدت ببناء الجدار الفاصل والمستوطنات بالإسمنت من خلال شركة مصرية؛ حيث وفر قريع غطاء للشركة الصهيونية.

 

وفي تفاصيل القصة، بدأت بعض الشركات الفلسطينية باستصدار أذونات استيراد للإسمنت المصري من وزارة الاقتصاد الوطني, وبلغ مجموع ما تم استصداره من هذه الأذونات ما يقارب 420 ألف طن، وبناءً على طلب "الطريفي" تم إرسال كتاب إلى مصنع الإسمنت المصري يفيد أن كمية الإسمنت المراد استيرادها هي لصالح مناطق السلطة الوطنية.

 

ولكن تبيَّن أن كميات الإسمنت التي دخلت السوق الفلسطيني بلغت (33 ألف طن) حسب مصادر وزارة الاقتصاد، وهو جزء يسير من مجموع ما تم استصداره من أذونات تُقدَّر بـ(420 ألف طن)، وثبت أن وزارة الاقتصاد الوطني التي منحت أذونات الاستيراد لم تتحقق ولم تتابع دخول الإسمنت إلى أراضي السلطة الوطنية، واستمرت بإصدار أذونات استيراد جديدة لنفس الشركات.

 

كان لتلك الفضيحة العديد من التعديات كحرمان الاقتصاد الفلسطيني من ضرائب الاستيراد؛ حيث تم تحويل ملكية الإسمنت إلى الشركة الصهيونية، وبذلك تم تحصيل الضرائب الجمركية من قِبل الجمارك الصهيونية، كما شوَّهت تلك الفضيحة سمعت الاقتصاد الفلسطيني بتعاونه مع شركات صهيونية، وتعمل على فتح باب التطبيع الاقتصادي مع الاحتلال،  والأخطر من ذلك كله هو المساهمة في بناء الجدار الفاصل والمستوطنات؛ حيث تم استخدام هذا الإسمنت في بناء الجدار والاستيطان.

 

مصنع الشرق الأوسط للأنابيب

وفي جلسةٍ للمجلس التشريعي عام 2005م طلب المجلس من النائب العام التحقيق في قضية سرقة المال العام من قبل "محمد النشاشيبي" الذي شغل منصب وزير مالية في ذلك الوقت.

 

وبالرجوع إلى تقرير اللجنة الاقتصادية في المجلس التشريعي، فقد قام "النشاشيبي" الذي كان يشغل أيضًا منصب رئيس اللجنة العليا للاستثمار بالتعاون مع "ماهر الكرد" وكيل وزارة الاقتصاد الوطني، على إقامة شراكة بين اللجنة العليا للاستثمار وشركة EHT الإيطالية لإنشاء مصنع الشرق الأوسط للأنابيب على أن يتم توريد معدات المشروع من شركة المعدات الإيطالية T.V.R، وأن يكون المشروع برأسمال قدره 6.7 ملايين دولار تُشكِّل قيمة معدات المصنع، بالإضافة إلى 2.5 مليون دولار تمويل محلي.

 

ولكن في حقيقة الأمر لم ينفّذ المشروع على الأرض بالرغم من قيام اللجنة العليا للاستثمار ومن خلال وزير المالية بتحويل كامل المبالغ المستحقة عليها (أكثر من 4 ملايين دولار)، وهي حصة السلطة من رأسمال المصنع إضافةٍ إلى رسوم تسجيل الشركة ورسوم الشحنة الأولى من معدات المصنع والتخليص عليها ورواتب وبدلات ورحلات المسئولين.

 

نماذج أخرى

 الصورة غير متاحة

نبيل عمرو والطيب عبد الرحيم ومحمد دحلان وياسر عبد ربه

ولم تكن حادثتا الإسمنت ومصنع الشرق الأوسط للأنابيب، هما الحادثتان الوحيدتان في تاريخ السلطة الحافل بالفساد، بل شملت ملفات وقضايا أخرى نكتفي بذكرها دون إسهاب في شرحها كملف الهيئة العامة للبترول وهو ملف تورط فيه العديد من رجالات السلطة، وملفات الاختلاس وإساءة الانتماء والنصب والاحتيال والتزوير في أوراق رسمية لأشخاص ذات مكانة مرموقة، وملف المعهد الطبي العدلي في أبو ديس، وفيه اختلاسات ماليه كبيرة جدًّا.

 

كما طالت قضايا الفساد لتشمل ملف الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون والفضائية الفلسطينية، حيث وجد أن هناك اختلاسات بقيمة 20 مليون دولار أمريكي، وملف خاص بأحد المتهمين وجه له 30 تهمة تتعلق بتزوير مستندات وبيع أراضٍ حكومية بطرق غير قانونية، وملف المتهمين في بيع أراضي الدولة إلى دولة أجنبية، (يعني إسرائيل).

 

وشملت قضايا الفساد أيضًا، ملف السيارات المعفاة من الجمارك، وملف مشتريات وزارة الصحة للأدوية الممول من البنك الدولي وفي تفاصيل الملف يوجد إعفاء لـ7 أنواع أدوية من الجمارك، يقوم التاجر بإحضار أكثر من 15 صنفًا معفاة من الجمارك لبيعها لحسابه الخاص.

 

شخصيات وفساد وبالرغم من ثبوت جميع ملفات الفساد السابقة وتورط قيادات في السلطة وحركة فتح فيها، إلا أنه لم يقدم أي منهم إلى القضاء أو المحاكمة، وبقي الموضوع طي الكتمان.

 

وشملت ملفات الفساد قيادات كبيرة في الصف الأول ابتداء من ياسر عرفات (قدرت ثروته بعد وفاته بمئات الملايين من الدولارات) ومحمود عباس وأحمد قريع وانتهاء في قيادات محلية وشابة في حركة فتح، ومن الأسماء المتورطة في قضايا فساد يعرفها الشارع الفلسطيني ويعرف حيثياتها وتفاصيلها: محمد دحلان وجبريل الرجوب ونبيل عمرو وعزام الأحمد ومحمد رشيد وأبو علي شاهين ورشيد أبو شباك وحربي صرصور وغازي الجبالي وروحي فتوح وزياد أبو عين وياسر عبد ربه والطيب عبد الرحيم وغيرهم الكثير الكثير.

 

فساد في كل مكان

ولم تقتصر حوادث الفساد وسرقة المال العام داخل الأراضي الفلسطينية؛ بل امتدت لتشمل السفرات الفلسطينية في الخارج، حيث تحولت تلك السفرات إلى ما يشبه الشركات التجارية التي يملكها السفير في البلاد العربية والأجنبية.

 

كما امتدت ملفات السرقة إلى السجون الصهيونية، حيث يروي العديد من معتقلي حركة حماس حوادث تورطت بها قيادات من حركة فتح قامت بسرقة الأموال التي كانت مخصصةً للمعتقلين في السجون الصهيونية.

 

كما غرق رجالات السلطة وحركة فتح في الكثير من القضايا الأخلاقية حين ضبط عدد منهم في مواقف مشينة ومخلة بالآداب مع فتيات ونساء، ويتداول الشارع الفلسطيني العديد من تلك القصص المخجلة والتي لا مجال لذكرها في هذا المقام.

 

والخلاصة، إن ما أدلى به "شبانة" أو ما سيدلي به خلال الأيام القادمة من معلومات؛ لم تكن مستغربة على الشارع الفلسطيني الذي يعي حقيقة قادة السلطة ورجالاتها الذين يرون في السلطة مشروعًا تجاريًّا ربحيًّا لا مكان فيه للوطنية أو مصلحة الشعب، كما يسجل لحركة حماس وبالرغم من ما تملكه من آلاف الوثائق والأشرطة التسجيلية التي حصلت عليها بعد الحسم العسكري في غزة عدم نشرها لتلك الفضائح أمام الرأي العام حفاظًا على الأسرار المؤتمنة عليها.