الصورة غير متاحة

 د. جلال أمين

 

فارق شاسع بين حادث اغتصاب طفلة مسلمة الذي ارتكبه شاب قبطي في بلدة فرشوط في نوفمبر الماضي، وحادث قتل 6 شباب من الأقباط (بالإضافة إلى إصابة 9 آخرين)، وهم خارجون من كنيستهم في ليلة عيدهم يوم 6 يناير، بيد رجل مسلم؛ الفارق الشاسع الذي أقصده، ليس أن ذلك حادث اغتصاب وهذا حادث قتل، ولا أن الضحية في الحادث الأول شخص واحد، وفي الثاني 16 شخصًا، (15 قبطيًّا بين قتيل ومصاب ومسلم واحد قتيل)، ولكن الذي أعنيه هو الفرق بين دور الدين في الحادثين، ففي الأول، لا أرى أي علاقة بين الدين وما حدث، بينما يلعب اختلاف الدين دورًا أساسيًّا في الحادث الثاني.

 

لم يعتد الشاب القبطي على الطفلة المسلمة؛ لأنه قبطي وهي مسلمة، بل لأنه شاب منحرف جنسيًّا، فاقد العقل أو الإرادة أو كليهما، ومن المتصور أن يقوم هذا الشاب القبطي بهذا العمل الإجرامي إزاء طفلة أو فتاة قبطية، كما أن من المتصور أن يقوم به شاب مسلم منحرف جنسيًّا وفاقد العقل والإرادة إزاء طفلة أو فتاة مسلمة، فاختلاف الدين في هذه الحالة، أمر ثانوي لا قيمة له في فهم دوافع ارتكاب الجريمة.

 

ولكن في الحادث الثاني، ليس من المتصور أن يحدث حادث القتل بالعشوائية التي حدث بها، إلا إذا كان القاتل يأخذ دين الضحايا في الاعتبار، فالقاتل لم يكن يستهدف شخصًا معينًا بالذات، ولم يكن يهمه، فيما يظهر ما إذا كان القتلى 7 أو أكثر، وإن كان من المؤكد أن يهمه هذا التوقيت الفظيع الذي اختاره لارتكاب جريمته.

 

لا يمكن إذن وصف الحادث الأول بأنه "طائفي" إلا بمعنى سطحي جدًّا وغير مفيد، ولكن من المؤكد أن الحادث الثاني "طائفي"، إذ لا يوجد سبب واحد للاعتقاد بأن هناك سببًا آخر لهذه الجريمة.

 

كان من الطبيعي إذن أن أستغرب بشدة التصريح الذي صدر من رئيس مجلس الشعب، وكرره وزير الشئون البرلمانية، والذي وصف فيه الحادث بأنه "مجرد جريمة فردية، وليس لها دوافع دينية"، ونفى عنه صفة "الطائفية"، وقد فسرت هذه التصريحات بأنها لا بد أن تكون مدفوعة بدوافع سياسية؛ ولكن أبسط تفكير فيما حدث يبين أن النتائج السياسية لهذه التصريحات سيئة جدًّا بدورها، إذ إن مثل هذه التصريحات لا يمكن أن تساهم قيد أنملة في حل المشكلة الطائفية في مصر، ولا يمكن أن تخفف من شعور الأقباط بالمرارة، ولم تخفف من شعورهم بالاغتراب في هذا البلد، بل ستزيد هذا الشعور قوة.

 

ولكن الذي أصابني بإحباط أكبر ما قرأته في بيان النيابة العامة عن طريقة التصرف في هذا الحادث، لقد أنهت النيابة التحقيق في الحادث بسرعة مدهشة لا تتناسب أبدًا مع خطورته، فأحالت القضية إلى محكمة الجنايات بعد 10 أيام فقط من وقوع الحادث، وقالت في بيانها الذي أحالت به المتهمين الثلاثة إلى المحكمة (الكموني وقرشي أبو الحجاج وهنداوي) أنه "لم تسفر التحقيقات وتحريات الشرطة عن وجود محرضين، واقتطفت زعمهم بأنهم ارتكبوا الجريمة بسبب "تأثرهم بواقعة اغتصاب طفلة مسلمة بدائرة أحد المراكز المجاورة، ومشاهدتهم للقطات مصورة لفتيات مسلمات في أوضاع مخلة وخادشة للحياء".

 

وتكرر هذا النفي لوجود محرضين في الجريدة الرسمية أكثر من مرة، إذ ذكرت أنه "رجحت مصادر أمنية أن هذا (أي الاغتصاب) هو السبب في قيام الكموني بتنفيذ جريمته ليلة عيد الميلاد (الأهرام 17/1).

 

هل يُتصور أن يحدث حادث كهذا دون تحريض من أحد؟ إن المعلومات المتوافرة عن القاتل الذي أطلق الرصاص تكاد تفصح بأنه لا يمكن أن يرتكب هذا الفعل إلا بتحريض من أحد.

 

المعلومات عنه تفيد بأنه شخص ضائع تمامًا "مسجل شقي خطر" يرتكب الجريمة بعد الأخرى، وسبق اعتقاله في سنة 2002م، وحُكم عليه بالسجن ثلاث سنوات في جريمة بلطجة، أي أنه محترف إجرام، وأنه شخص يمكن استئجاره لارتكاب أي جريمة، إذا دفع له المقابل المناسب، وأن مثل هذا الشخص لا يمكن أن يرتكب عملاً كهذا، أو أي عمل آخر؛ بسبب حماس انتابه لأي قضية أو مبدأ، أو مدفوعًا بشعور فياض بالتعاطف مع الطفلة المسلمة التي تعرّضت للاغتصاب، أو الشعور بالغضب (كما قيل إنه قال) بسبب نشر صور خادشة للحياء لبنات مسلمات... إلخ.

 

(أي حياء لدى الكموني يمكن أن يخدشه بعض الصور؟) هل مثل هذا المسجل الشقي الخطر هو الذي يتوقع أن يغضب للإسلام والمسلمين لدرجة ارتكاب جريمة بهذه البشاعة؟

 

هل هذا هو ما اقتنعت به النيابة العامة حقًّا به؟

 

من المستفيد من جريمة كهذه؟ هل هو حقًّا رجل من نوع الكموني؟ هل يستفيد منها الإسلام والمسلمون؟ هل المستفيد هو مصر والمصريون؟ أم أن المستفيد الحقيقي هو شخص أو مجموعة من الأشخاص أو دولة يهمها أو يهمهم القضاء على الإسلام والمسلمين، وأن يزداد حال مصر والمصريين انحطاطًا؟

 

ألم يخطر ببال النيابة مثل هذا السؤال؟ أم أنه خطر لها وعرفت إجابته، ولكنها رأت الاحتفاظ به سرًّا وألا تخبر أحدًا به، تحقيقًا لمصلحة شخص أو مجموعة من الأشخاص أو دولة لا تريد النيابة العامة أن تفضحها أو تفضحهم؟

---------

* نقلاً عن جريدة "الشروق الجديد"