أكد خبراء وباحثون بارزون أن المنهج العلماني الذي تنتهجه الدول الأوروبية بفصل أي معتقدات دينية عن الدولة المدنية والممارسات السياسية هو الذي ولَّد الأزمات المتعددة التي تلاحق الجاليات الإسلامية بتلك الدول، وسط مطالبات للجاليات الإسلامية بالاندماج المصحوب بفهم صحيح ومعتدل للإسلام داخلها.

 

جاء ذلك خلال ندوة نظمها مركز الدراسات الحضارية وحوار الثقافات بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية تحت عنوان "المسلمون في أوروبا: قراءة على ضوء المشهد السويسري الأخير".

 

أكدت الدكتورة نادية مصطفى مدير مركز الدراسات الحضارية وحوار الثقافات أن أزمة المسلمين بالخارج هي أكبر من قضية الحجاب بفرنسا والمآذن بسويسرا، فلا يجب اختزال أزمات المسلمين وأوضاعهم بالخارج في قضايا تمثل رموزًا وليس مشاكل واقعية.

 

وأشارت إلى أن حالة الفراغ السياسي الإسلامي في أوروبا هي السبب فيما يحدث، فالأزمة الحقيقية للمسلمين بالخارج هي أزمة تمثيل إسلامي صحيح بالغرب قبل أن تكون أزمة حفاظ على الرموز الدينية.

 

وقال الدكتور عمرو الشوبكي الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية أن الحديث عن وضع المسلمين والجاليات في أوروبا يستلزم الحديث عن وضع جميع الأوروبيين وليس المسلمين فقط لأن المسلمين جزء لا يتجزأ من المجتمع الأوروبي.

 

وأضاف أن هناك أزمة لدى النماذج الأوروبية في التعامل مع الرموز الإسلامية، مرجعًا ذلك إلى ما بدأته فرنسا عام 1905 حين أصدرت قانونًا يلزم الدولة بفصلها عن الكنيسة والرموز الدينية وهو ما يُطلق عليه سياسيًّا "العلمانية"، وهو النهج الذي انتهجته معظم الدول الأوروبية بعدها.

 

 الصورة غير متاحة

د. عمرو الشوبكي

وحمّل الشوبكي الجاليات المسلمة بالبلدان الأوروبية جانبًا من المسئولية في الأزمة الحالية التي انعكست على كافة المجتمعات العربية والإسلامية بتقديم نماذج ليست بالقدوة وعلى مستوى غير عالٍ من الفهم الجيد للإسلام، على حد وصفه، في الوقت الذي تتحمل فيه الحكومات الأوروبية الجزء الأكبر من المسئولية التي رسخت بأفعالها المتتالية رغبتها الحثيثة في اضطهاد الرموز الإسلامية.

 

وقال إن آخر تلك الأفعال بحق مسلمي أوروبا يتمثل موقف كلٍّ من فرنسا وسويسرا تجاه الرموز الدينية؛ وبدء الحكومة الفرنسية حملتها ضد 4 ملايين مسلم بها بشكل مكثف عام 1989م حين صدر تقرير فرنسي رسمي لفت النظر لمسألة الحجاب ليمهد بعده بسنوات قليلة لقانون حظر الرموز الدينية بالبلاد، وجاء موقف سويسرا خلال الأشهر القليلة الماضية ليؤكد على الفكرة ذاتها حين تبنت الحكومة السويسرية استفتاءً شعبيًّا يهدف لحظر بناء مآذن المساجد بسويسرا.

 

ووافقه الرأي الدكتور سعد اللاوندي الكاتب الصحفي بـ"الأهرام" وعضو المجلس المصري للشئون الداخلية الذي أرجع الموقف الأوروبي الأخير إلى التخوف من انتشار الدين الإسلامي وتزايد عدد المسلمين ببلادهم بعد أن كشفت إحصائية لمكتب الهجرة عن وجود 26 مليون عربي ومسلم بالبلدان الأوروبية، يبلغ عدد مسلمي فرنسا فقط 6 ملايين منهم.

 

وأوضح أنه بحسب الإحصائية فهناك 164 أوروبيًّا يعتنقون الإسلام يوميًّا إلى الحد الذي دفع الحكومة الفرنسية لرفع درجة الطوارئ القصوى تحت شعار "المسلمون قادمون" وسط توقعات فرنسية بتحول فرنسا إلى "الجمهورية الإسلامية الفرنسية" بحلول عام 2050 إذا عجزت الحكومة عن قطع طريق هذا الانتشار السريع للإسلام.

 

وأشار اللاوندي إلى أن للإسلام بأوروبا صورتين؛ إحداهما هي الصورة الأكاديمية والبحثية التي تهتم بالمراجعة والتوثيق لكل ما هو إسلامي- وهي الصورة الأقرب للإسلام الصحيح-، والأخرى يرسمها الإعلام ويربط فيها بين الإسلام والإرهاب، واستند في ذلك إلى الموقف الذي جرى بفرنسا حينما كان الرئيس الحالي لها ساركوزي وزيرًا للداخلية وشاهد أثناء إحدى جولاته بأحد المطارات الفرنسية 25 زاوية مخصصة للصلاة وحينما سأل عن سبب وجودها علم بوجود 350 عاملاً عربيًّا ومسلمًا يعملون بالمطار فأصدر مرسومًا شهيرًا حمل عنوان "قنابل مطار شارل ديجول"، في إشارةٍ إلى ربطهم بالإرهاب.