في الوقت الذي كان فيه المارشال أبو الغيط يُصدر فرمانه من أمريكا بمنع قوافل كسر الحصار عن غزة من دخول مصر مستقبلاً، وأن عليها تسليم ما تحمله للهلال الأحمر المصري، بعد أن أسالت قوات الأمن المركزي المصري دماء أفراد من قافلة شريان الحياة المكونة من ناشطين من 17 دولةً بعد الاعتداء عليهم بالرمل المذاب بالمياه والهراوات والقنابل المسيلة للدموع، في فضيحة يتحدَّث عنها العالم كله؛ كانت فلول زوار ما يسمى مولد أبو حصيرة تغادر بأمان تام، وفي حماية أمنيَّة مكثفة بعد أن أدَّت ما أرادت من طقوس، ودون أدنى اعتراضٍ أو ادَّعاء بانتهاكات للسيادة المصرية؛ رغم وجود أحكام قضائية نهائيَّة تنعي إهدارها وتجاهلها؛ رغم أن احترام الأحكام القضائية أساس السيادة وأساس لشرعية الحكم! وهذا سوء إدارة.
سماح الحكومة المصرية لوفد برلماني أوروبي يضم 50 نائبًا من برلمانات أوروبية متعددة منهم 17 نائبًا من البرلمان الأوروبي بالعبور من منفذ رفح إلى غزة؛ للاطلاع على مأساة أهلها، ومعاناتهم المستمرة منذ العدوان؛ يستحق الإشادة، بينما رفض ذات الحكومة المتكرر للنوَّاب المصريين بالقيام بذات الزيارة؛ رغم مطالبهم المتكررة يستحق الإدانة، ويؤكد معاني مختلفة مؤسفة تُعَبِّر عنها أحوالنا الشهيرة الحقيقية.
حين يتم الإبلاغ عن حوادث السير تفاجأ بالسؤال المباشر: "هل المصابون فيهم أجانب؟" فهل المطلوب نائب مصري مزدوج الجنسية أو نائب يحمل "باسبور" أجنبيًّا؛ ليتم السماح له بزيارة غزة؟ إذا تواجد هذا النائب فبالتأكيد سيتم إسقاط عضويته (ونائب الحزب الوطني الذي حمل "باسبور" أجنبيًّا واتُّهم بتزويره ليلعب القمار)!! وهذا أيضًا سوء إدارة للملف!
سمعنا عن تعبير "النيران الصديقة" لأول مرة خلال "حرب تحرير العراق" وهو ما يعني أن هناك خطأً في التصويب وإطلاق النيران على قوات صديقة وحليفة، ولم تلجأ أي دولة ممن تم الاعتداء على قواتها إلى التهديد والوعيد، بل لجئوا إلى مزيد من التعاون والتنسيق، أما عندنا فقد تسببت الحكومة بسوء قراراتها في استشهاد جندي مصري على الحدود مع أشقائنا في غزة؛ حيث أدى عنف التعامل مع أفراد قافلة شريان الحياة لخروج متظاهرين فلسطينيين إلى الحدود يرشقون الجنود المصريين بالحجارة محتجين على سوء التعامل مع القافلة، وردت القوات المصرية وبشكل عنيف بإطلاق الرصاص الحي؛ مما نتج عنه إصابة اثنين بإصابات قاتلة، وإصابة 35 آخرين بإصابات مختلفة.
وهذا عددٌ كبيرٌ جدًّا يبين العنف المصري في التعامل مع المتظاهرين، واستُشهد بالمقابل الجندي المصري أحمد شعبان، واختلفوا في كيفية وتوصيف إصابة الجندي الشهيد؛ فالبعض قالوا إنه أُصيب برصاصة في رقبته.
وذكر آخرون أنه أُصيب برصاصة في جانبه بين وجهي القميص الواقي من الرصاص، لافتين النظر أنها رسالة ذات مغزى للسلطات المصرية، وآخرين ذكروا تصريح وكيل وزارة الصحة بشمال سيناء د. طارق المحلاوي وقوله بـ: إن الشهيد أصيب برصاصتين في الظهر!! ورغم سهولة إثبات الأمر، فإن السلطات المصرية لم تعلن حتى الآن التقرير الطبي عن الحادث!!
ولم يظهر د. المحلاوي على أية وسيلة إعلامية لينفي ما نُسب إليه؛ مما يدل على أن الجندي المصري الشهيد أُصيب فعليًّا برصاصات في ظهره، وذلك بفعل نيران "هبلة" وليس بنيران غدر أو نيران صديقة! وهذا سوء إدارة.
إظهار العين الحمراء لحماس والمطالبة ليس فقط بالاعتذار بل بالإصرار على تسليم المتهمين المزعومين لمحاكمتهم في مصر؛ بل إن سيادة المارشال أبو الغيط صرَّح بمعرفته بأسماء المتهمين- على خلاف ما صرح به مسئول الخارجية في كلمته بلجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشعب المصري- ما شاء الله قوة وعزة وكرامة يُغبط عليها سيادته لم نرها منه أو من غيره مع الطفلة سماح التي اتخذ قناصة الصهاينة رأسها هدفًا للمقامرة على من يصيبه عن بعد، ولم نر هذه الحماسة والكرامة والصرامة مع الجنود الثلاثة الذين قصفتهم دبابة صهيونية، بل تم استقبال زعيمهم في اليوم التالي بالأحضان والقبلات، ولم نطلب منهم حتى الاعتذار، ولم نر عينًا حمراء أو حتى صفراء عند إسقاط طائرتنا المصرية فوق أمريكا وفيها مئات من خيرة الرجال، بل وجدنا عيونًا زائغةً منكسرةً لا تجرؤ على المحاسبة أو حتى التهديد؛ رغم أن لهؤلاء مصالح كثيرة، ولدينا أوراق قوية للضغط والحساب وانتزاع الحقوق، ولكن غابت الإرادة الحقيقية والعزيمة والهمة، وتغلبت عوامل الضعف والاستكانة والمصالح الشخصية، وهذا أيضًا سوء إدارة.
يبدو أن المارشال أبو الغيط ما زال يعيش في أوهامه الخاصة؛ حيث ما زلنا نذكر تصريحاته الكارثية عن تحرير رهائن السفاري بجنوب مصر، وعلى غير الحقيقة والواقع في مؤتمر صحفي عالمي وهو ما كان يستوجب وقتها تقديم استقالته فورًا بعد هذا الخطأ المهني الجسيم! وهذا بالتأكيد سوء إدارة.
اتهام إيران وحزب الله وقوى أخرى معادية "لا أدري ما هي" بأنها تدبِّر للإساءة لمصر في أي موضوع بمناسبة وبدون مناسبة؛ جريمة كبرى في حق المصريين، واعتراف خطير من القائمين على إدارة البلاد بالفشل غير المسبوق في جميع الملفات؛ فاستشهاد الجندي تدبير من إيران بالإيعاز إلى حماس، وحادثة نجع حمادي محاولة من إيران للعبث بالجبهة الداخلية، بل إن إيران وحلفاءها يعبثون في دارفور جنوب مصر، ويعبثون على حدود مصر الشرقية، ويعبثون على الشواطئ الصومالية وباب المندب؛ للتأثير على قناة السويس، ويعبثون بالمصالحة الفلسطينية التي ترعاها مصر؛ يبقي السؤال إذًا ماذا يفعل المسئولون عندنا؟ هل كل مهمتهم وفائدتهم أن تعبث بهم إيران؟ أم هو أيضًا دليلٌ على سوء الإدارة؟!
قرأت منذ أيام وفور تعيين وزير جديد للنقل والمواصلات أن هيئة السكة الحديد شهدت واقعةً غريبةً يوم الخميس؛ حيث تحركت ثلاثة جرَّارات" 3009، 2042، 2024 " من ورشة التبِّين على سرعة 80 كيلو مترًا دون سائق؛ مما أدى إلى الاصطدام بالجرارين "3261، 3039" والمتجهة من التبين إلى بولاق "بين بلك 4 بالمرازيق"؛ لنقل الفحم لشركة الكوك المصري؛ تسبب الاصطدام في إصابة سائقين وتم نقلهما إلى مستشفى البدرشين المركزي بحالة حرجة، وحدوث تلفيات جسيمة بالجرارات، وعلاوة على الإصابات والتلفيات شهدت حركة نقل الفحم تعطلاً لمدة 18 ساعة للشركة والتي توقفت حركة العمل بها، وقبلها بأيام سار جرار آخر بدون سائق لمسافة 20 كم ونتج عن ذلك خسائر جسيمة بالأرواح والأموال، ومنذ ساعات اكتسح قطار سيارة ملاكي بركابها على مزلقان القباري وهو مزلقان على الطريق الأول والرئيسي الخارج من ميناء الإسكندرية، ولا أدري إن كانت إيران أيضًا وراء هذه الحوادث؛ لإحراج الحكومة المصرية، وبيان فشلها أمام شعبها إذ سيتساءل الناس عن الحكومة التي تفشل في إدارة هيئة للسكك الحديدية هل ستنجح في إدارة هيئة نووية؟ وهذا أيضًا سوء إدارة.
وتنضم قناة (الجزيرة) إلى أعداء الحكومة المصرية، فقد تفرغت معظم القنوات الحكومية والموالية لها إلى الهجوم المباشر على القناة وسياساتها وبرامجها وانطلق أصحاب المباخر مطالبين بإغلاق مكتب القناة أو إلغاء بثِّها من القمر الصناعي المصري؛ منتهجين ذات السياسات الفاشلة التي تعتمد على العصا الأمنية، وقوانين الطوارئ، بينما يعرفون جيدًا أنهم إذا أرادوا منافسة (الجزيرة) فلا بد من مجاراتها مهنيًّا وتقنيًّا وهذا سهل وميسور، ولكنه التصميم على السياسات الفاشلة والعاجزة التي تمليها الإرادة الديكتاتورية وسياسات الهرَّاوات الأمنية.. وهذا أيضًا سوء إدارة.
فشلت الحكومة في إدارة ملفات عديدة مهمة وهي ملفات متداخلة ليست منفصلة عن بعضها وبالتالي ما نراه على الساحة الآن من نتائج مخيبة للآمال وتصرفات تدل على انعدام المسئولية وافتقاد صانع القرار، وإذا وُلد قرار ما، وُلد ناقصًا غير مكتمل يحتاج إلى حَضّانة أو رعاية مركزة حتى يقف على قدميه؛ قرار له هيبة يمكن احترامه ومن ثم تنفيذه، والأمثلة على ذلك كثيرة أقلها وأبرزها قرار إنشاء المحافظات الجديدة الذي تم تعديله ثلاث مرات في عدة ساعات أو أيام؛ فبالرغم من بساطة الموضوع إلا أن مدلولاته خطيرة.
أخيرًا إن تصريح السيد رئيس الجمهورية بأن موضوع الضرائب العقارية لم يتم حسمه بعد يدلِّل بوضوح على عمق الأزمة التي تعيشها بلادي، فالقانون تم عرضه بالمجلس، ووافقت الأغلبية عليه رغم المعارضة الشديدة، بل تم إدخال تعديل عليه منذ أيام قلائل؛ لذلك كان من الغريب أن يصرِّح السيد الرئيس بأنه لم يتم حسم الموضوع حتى الآن.
أثناء كتابة هذا المقال تتوالى الأنباء عن كارثة هايتي وما نراه على شاشات التلفاز وما تنشره الجرائد والمواقع مثير جدًّا؛ لمدى الكارثة الإنسانية التي تعاني منها هذه الدولة، ولفت انتباهي أنه تم إعلان حالة الطوارئ وحتى نهاية يناير الحالي أي أنه أمام هذه الكارثة فإن هايتي ستعيش تحت قوانين الطوارئ لمدة أقل من 30 يومًا، بينما بلادي تعيش حالة الطوارئ هذه منذ 30 سنة!! هل رأيتم مدى الكارثة التي تعيشها بلادي؟؟
أشعر أن بلادي أصبحت كهيئة السكك الحديدية؛ قراراتها مثل قطاراتها؛ كثيرة الحوادث؛ وتسير بلا سائق إلى المجهول. وهذه جريمة تُرتكب في حق مصر وتاريخها، يرتكبها الفاسدون وأصحاب المصالح الخاصة الذين تخدمهم حالة الطوارئ المعلنة منذ 30 سنة تقريبًا للأسف الشديد.
------------------
** الأمين العام المساعد للكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين