د. حسن الحيوان

 

نتيجةً لإغلاق مصر شبه الدائم لمعبر رفح واستحالة حصول الفلسطينيين على الإمدادات اللازمة للبقاء على قيد الحياة، تم إجباريًّا إنشاء الأنفاق تحت الأرض بالتوافق بين الشعبين للحفاظ على حياة الفلسطينيين؛ مما دفع إسرائيل وأمريكا لإقناع مصر ببناء الجدار لإغلاق هذه الأنفاق لإهلاك البشر في غزة والقضاء على جذور ونهج المقاومة الإسلامية.

 

- الأمن القومي المصري: لاحظنا حملة إعلامية رسمية لربطه بالجدار، والبدهي أن الأمن القومي لأي دولة يبدأ من تحديد العدو الإستراتيجي والتهديدات الخارجية والداخلية ليتم التصدي لها.

 

- توصلنا في مقالنا السابق، أن الجدار يمثل خيارًا إستراتيجيًّا رسميًّا مصريًّا بأن العدو هو الفلسطينيون في غزة وليس إسرائيل، وأوضحنا لذلك دلائل كثيرة نضيف إليها، فحادثة قتل جندي مصري على الحدود تم استغلالها إعلاميًّا بشكلٍ فاضح على أن الفاعل فلسطيني (دون دليل مادي) بالرغم من أنها حادثة لا بد أن تكون متوقعة ممن يحاول دفع الهلاك المؤكد عن نفسه وأهله- كان الأسلوب خطأ أو صحيحًا- أي أن الجدار يمثل تهديدًا للأمن القومي لأنه ضد الفطرة والقوانين الدولية، وقد أفتى علماؤنا غبر الرسميين وعلى رأسهم القرضاوي بحرمته، ومن ناحية أخرى لا ننسى تكرار اعتراف إسرائيل بقتل جنود مصريين على الحدود دون أي تحرك سياسي مصري ولا اعتبار إعلامي، كما اعترفت إسرائيل بقتل مئات من الضباط والجنود المصريين الأسرى ودفنهم في مقابر جماعية دون أدنى تحرك مصري، فأين الكرامة؟ ناهيك عن الأمن القومي.

 

- فضلا عن أن فكرة الجدار منعدمة الصلة بالأمن القومي لأي دولة، فوزارة الداخلية، والإعلام المصري ينشر مرارًا أنه يتم تهريب أسلحة من حدود السودان وليبيا لاستخدام الإرهابيين في مصر فهل سيتم بناء جدار على كل هذه الحدود؟ وبتمويل أمريكي للحفاظ على أمن مصر!!

 

- الأمن القومي مهدد خارجيًّا شمالاً وشرقًا من إسرائيل وجنوبًا من محاولات تقسيم السودان على حساب مصر، أما داخليًّا فهو مهدد أيضًا بسبب مشكلة مياه نهر النيل بالإضافة إلى الفتن المختلفة، الطائفية، النوبة، بدو سيناء، فتن يتولى ملفاتها أجهزة الأمن غير المؤهلة لإدارة قضايا اجتماعية عميقة، فضلاً عن تدهور الوضع الاقتصادي وزيادة معدلات الفقر بشكل مرعب وفي نفس الوقت تفرض ضرائب جديدة، مشكوك في دستوريتها مثل الضرائب العقارية.

 

- فلماذا كل هذه المهادنة لإسرائيل ضد مصلحة القدس والفلسطينيين؟

 

- أولاً: بشكل عام، أي نظام حكم لا بد أن يستند إلى شعبية وشرعية وإلا لا بد له بالقطع من تحالفات وسياسات وإجراءات في معظم المجالات ضد الاتجاه الشعبي لإضعاف الشعب والمجتمع- أمر بدهي- ولا بد قطعًا أن يكون ضعيفًا أمام القوى الخارجية المؤثرة إقليميًّا وعالميًّا- إسرائيل وأمريكا- فمصر تهادن إسرائيل بكل ما تملك لإرضاء أمريكا لتمرير عملية نقل السلطة وفقًا لرغبة نظام الحكم، بالتوريث أو التمديد، فمصر دفعت وستدفع الكثير والخطير من التنازلات- مثل الجدار- في حين أن التصريحات الرسمية الأمريكية بشأن نقل السلطة هي... أنه أمر داخلي مصري ولا داعي لإبداء الرأي فيه الآن... أي لا رفض ولا موافقة لتستمر التنازلات دون مقابل ودون حسم للموقف الأمريكي بهدف مزيد من ابتزاز مصر عمومًا وخصوصًا بشأن قضية فلسطين. تصرف بدهي أمريكي.

 

- ثانيًا: بشكل خاص، يتصور النظام المصري بأن صمود وشعبية المقاومة في غزة تمثل دعمًا للإخوان المسلمين وبالتالي خطرًا على بقائه في الحكم، تصور خاطئ بسبب التراجع الشديد لشعبية النظام وضعفه الشامل، كما أننا لا نرى في الإخوان منفردين أي تهديد للنظام، فضلاً عن المنهج السلمي للإخوان كخيار إستراتيجي للإصلاح.

 

- المعلوم أن مقاومة غزة هي حائط الصد الوحيد والأخير أمام إسرائيل التي تتطلع للقضاء عليه لتتفرغ للمزيد من الهيمنة على المنطقة والتوسعات الجغرافية بداية باسترجاع سيناء على الأقل.

 

- الخلاصة: صمود المقاومة يصب مباشرة في مصلحة مصر والمصريين لكنه- من وجهة نظر النظام- يصب مباشرة ضد مصلحة النظام!!! فهل لنا أن نعي حجم أزمة الحكم، وحيث إن مصر هي رأس الحربة في المنطقة فهل لنا أن نعي التأثير المباشر لذلك على الأوضاع المصرية، ومعظم قضايا المنطقة وعلى رأسها القدس أخطر قضية عالمية.

-------

* رئيس جمعية المقطم للثقافة والحوار-

hassanelhaiwan@hotmail.com