الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد؛

فلا يعلم إلا الله مقدار السعادة التي أشعر بها وأنا أتحاور مع إخواني الأعزاء من الشباب المتفتح الطموح، الذي يشرفني بقراءة ما أكتب، ويتحفني بإبداء آرائه النافعة، ووجهات نظره القيمة الماتعة.

 

وليس الأمر تواضعًا ولا تضحية كما ذكر الأخ فتحي دراعو وغيره جزاهم الله خيرًا، بل أرى أن حضوري وحضور إخواني الكرام معكم في هذه المنتديات، وتناقشنا معكم فيما يهم أمتنا وجماعتنا من الواجبات، وأسأل الله أن يشرح صدورنا وصدوركم جميعا للخير بإذن الله.

 

ولذا وجب عليَّ تقديمُ الشكر لجميع من تفضل بالقراءة، وتقديم مزيد من الشكر لمن ضحَّى بشيء من وقته وجهده ليخط كلمة ثناء وتشجيع، أو ليكتب رأيًّا، أو ليسطر سؤالاً، أو ليدعم المقال بمداخلة نافعة، فجزاكم الله جميعًا كل خير، وأدام علينا نعمة الوصال، وأسأل الله أن يكتبنا في ديوان المتحابين بجلاله، العاملين لإعزاز دينه، الناشرين للخير بين خلقه، النافعين لأمتهم وأوطانهم، حتى نكون أهلاًّ للاجتماع في ظل عرشه يوم اللقاء.

 

الإخوان أولى الناس بمحاربة الاستبداد وتطبيق الشورى:

ليسمح لي الإخوة الكرام أن أبدأ بتحية الأخ (نور دنت) على ما كتبه في (ملتقى الإخوان)، وأقول له: رائع ما كتبت، سلمت يمينك، وبوركت كلماتك، وأسأل اللهَ أن يستفيد منها الجميع، وأدعو إخواني جميعًا، وبخاصة النقباء والمربين ومسئولي الشعب والمناطق لقراءة ما أبدعه يراع أخينا (نور دنت)، وأقول:

نعم، نحن الإخوان المسلمين أولى الناس بمواجهة الاستبداد وتطبيق الشورى في مؤسساتنا قبل الآخرين، ونحن أحق الناس بإطلاق الإبداع وتقديم المبدعين، في إطار أدبنا الإسلامي الراقي، وليكن واجب كلِّ أخ في أي موقع من مواقع المسئولية صغر أو كبر السماع لإخوانه، وتعويدهم على الحوار والمناقشة، وإقامة أمورهم على الاقتناع، والسماع لنصحهم وانتقاداتهم بصدر مفتوح، فهم ليسوا أقل منه حرصًا على الدين وعلى الأمة وعلى الجماعة، وليكن شعاره مع إخوانه: "لا خير فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم نسمعها".

 

لا بد أن تتسع صدورنا للحوار بأدب، وسماع كل الآراء من غير تحقير ولا تنقيص ولا تهوين.

 

وطبيعة الحق الذي نحمله ونؤمن به وندعو إليه أنه يحيا وينمو في ضوء الشمس لا في عتمة الظلام، وأن تقليب الآراء فيه ينضجه وينعشه ويقويه، ولذلك فإن علينا أن نتخلص من بعض المقولات التي أصفها بـ(الإمعية) من قبيل: (الإخوة عايزين كده- الإخوة قالوا كده- الإخوة يعرفون أكثر منا... إلخ)، وليعلم الجميع أن هذا ليس منهج الإخوان، ولا توجيه القيادة.

 

والراجح في نظري أن بعض الإخوان يلجئون إلى هذا الأسلوب بحسن نية، ثقة في إخوانهم، وإيثارًا للراحة، وأملاً في أن تكون هذه الكلمات سببًا لرد إخوانهم عن الجدال وانطلاقهم إلى العمل.

 

ولكن هذا تصرف معيب وليس من منهاج الإخوان، ودعوني أنقل لكم هذه الفقرة من الخطاب الأول لفضيلة المرشد العام الأستاذ الدكتور محمد بديع حفظه الله: "أما الديمقراطية (أو الشورى) فهي وسليتنا الأساسية التي نجاهد لإقرارها وتدعيمها، وكل مؤسسات الجماعة يتم بناؤها على أساس من هذه الممارسة، بدءًا من مجالس إدارات الشعب، حتى مكتب الإرشاد العام، وينبه الإخوان أن الديمقراطية في جوهرها تعني عدم إلغاء الرأي الآخر أو إقصائه، ولا يصح أن تكون سببًا للتسلط والاستبداد باسم الأغلبية"، وأي ممارسات تخالف هذا التوجه الثابت يجب أن يراجع أصحابها أنفسهم ويحسنوا أداءهم، ويجددوا فهمهم لدعوتهم الكريمة.

 

وإذا كانت مقالتي يا أخي الكريم (نور دنت) هي التي حرَّكت كوامن نفسك، وقلبت مواجع آثار الاستبداد فكتبت هذه الروائع التي كتبتها، فاسمح لي أن أكرر استفزاز قلمك لتتحفنا بروائعك إن شاء الله.

 

واسمح لي أن أقول لك يا أخ (نور دنت): إن المقال بجزئيه قد نُشر على موقع الإخوان الرسمي قبل أن ينشر في المنتديات والملتقى، ولكنه نُشر في (روضة الدعاة)، ويبدو أنك راجعت (آراء حرة) فلم تجده فيه، فسبق إلى ظنِّك أن الموقع الرسمي لم ينشره، فلذا لزم التنبيه، بارك الله فيك.

 

الإخوان أولى الناس بمراعاة آداب الحوار:

هذا الكلام السابق يجعلني أنتقل إلى التعليق الممتاز الذي كتبه الأخ (مجد الإسلام) على كلام الأخ (نور دنت) ليكمل به الصورة، فكما نقول لكل أخ مسئول: إن عليه أن يستوضح الرؤية، ويدرك الحقيقة ليناقش إخوانه، ويقيم علاقته معهم على الحوار والإقناع، فكذلك نقول لكل أخ: إن إبداء الرأي يجب أن يكون في إطار من الأدب الراقي، من غير رفع للصوت على الآخرين أو إشاحة بالوجه عنهم أو إشارة (تشويح) باليدين في وجوههم، وأن يدرك الأخ أن رأيه يحتمل من الصواب والخطأ ما تحتمله آراء الآخرين، وأن قناعته الشخصية به لا تعني بالضرورة أن الآخرين لا بد أن يقتنعوا به، وإلا وصفوا بالجمود والتعنت...إلخ القائمة المعروفة من المصطلحات في هذا الباب، وعلى الأخ إذا رأى أن رأي الأغلبية على خلاف رأيه أن ينزل عن رأيه لرأيهم، وألا يكون همُّه الجدل من غير نتيجة، وليس من الضروري أن ينتهي الحوار إلى إقناع أي من الطرفين؛ لكن متى ظهرت حجة كليهما فلا داعي للاسترسال في جدل لا فائدة منه سوى تنافر القلوب، وتكون الشورى بآدابها عندئذ ملزمة للعدد الأقل بالنزول عند رأي العدد الأكثر في تواضع وأدب، ولنذكر جميعًا أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل عن رأيه في البقاء في المدينة وانتظار دخول المشركين إليها يوم أُحد، حين رأى أن رأي الأغلبية من الشباب هو الخروج لملاقاة الأعداء خارج المدينة، وعاب القرآن العظيم أولئك الذين شمتوا بالمسلمين وقالوا: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ (آل عمران: من الآية 168).

 

وهنا أنتقل إلى الأخ العزيز (مجدد الدين) لأقول: نعم نحن في حاجة لمراجعة قضية الشورى؛ لتفعيلها على النحو الذي أشرت إليه قبل قليل، والإخوان قد حسموا مسألة الشورى كما تعلم، وأنها ملزمة لا معلمة، وإذا لقيت أحدًا ممن يقول إنها معلمة؛ فهي رأي شخصي له على خلاف رأي الجماعة الذي لا شك هو الصواب.

 

رأي الجماعة لا تشقى البلاد به      رغم الخلاف ورأي الفرد يشقيها

وأما ما قلتَه بخصوص تصعيد الهادئ والمطيع، وإقصاء من يبدي رأيه؛ فلا شك أنه ممارسة خاطئة، وأشدُّ منها خطأ (وليتسع لي صدرك) إشارتُك إلى ما حدث في مكتب الإرشاد مؤخرًا (تقصد الانتخابات التي جرت) على أنه نموذج لتصعيد الهادئ وإقصاء المخالف! اعذرني أخي الكريم حين أخالفك الرأي، وتقبل مني أن أقول: إنك (في هذه المسألة بالذات) تنظر للأمور من زاوية خاصة، وتبصرها بعين لا ترى غير جانب من الصورة؛ فهل أعضاء المكتب الحالي (من وجهة نظر حضرتك) هم من النوع الهادئ المطيع الذي لا يفكر ولا ينتقد ولا يقترح (ولا يهش ولا ينش)، وهل الخمسة الكرام الأفاضل الذين أدوا مهمتهم بكل رجولة وشجاعة واقتدار، ثم خرجوا من المكتب هم فقط الذين كانوا يفكرون وينتقدون و.. و..؟ سامحك الله يا رجل!

 

أنا أظن أنك لم تقصد هذا، لكن هذا مقتضى كلامك الذي كررته في أكثر من مداخلة في أكثر من قضية على قدر متابعاتي القليلة لما يُطرح في المنتدى والملتقى، وأرجو أن أكون مخطئًا، وأرجو ألا تجد في صدرك مني، فأنا- يعلم الله- سعيد بمشاركاتك ومشاركات إخوانك، وفرح بوجود هذه العقول المفكرة والنفوس الطموحة بين شبابنا، وأعلق عليكم آمالاً كثيرة في النهوض بهذه الدعوة.

 

ولكن إذا كانت الغالبية العظمى من الإخوة أعضاء مجلس الشورى قد صوتت بشكل معين ربما لا يرضيك (وربما لا يرضي عددًا من الإخوان ومن غير الإخوان) فهل ذلك يعني الاستبداد؟

 

وهل الانتخاب لمكتب الإرشاد تصعيد أصلاً؟ وهل حضرتك تعرف الإخوة الكرام أعضاء الشورى معرفة شخصية تتيح لك الحكم عليهم بأنهم سيقوا واقتيدوا للتصويت بصورة معينة، وقبلوا توجيهًا من أحد ما بصورة ما كما يتصور بعض الأفاضل؟ وهل تعرف أنهم مجموعة من أعضاء هيئات التدريس بالجامعات، والأطباء، والمهندسين، والمعلمين، والمربين والحقوقيين الذين أزعم أني من أقلهم حظًّا من الوعي والمعرفة، ومن أدناهم نصيبًا من السموّ الروحي والأخلاقي، وأنهم من أعمار مختلفة، وأنهم جميعًا- فيما أُتيح لي من معلومات- تعرضوا لألوان من البطش والظلم، بل بعضهم كان خارجًا لتوّه من سجون الاستبداد؟ هل هؤلاء بتاريخهم المشرف الوضاء على استعداد أخلاقي أو نفسي لقبول توجيه من هذا أو ذاك؟ ثم هل تعلم أن منهم من اختار الأخوين الكريمين والعلمين المفضالين (أستاذينا حبيب وأبو الفتوح حفظهما الله ذُخرًا لدينه ولدعوته) اللذين تشير بغمزك إلى خروجهما من المكتب؟ لكن الكل يدرك أنه لا بد من قبول نتيجة الشورى أيًّا كانت.

 

أليس من الإنصاف يا أخ (مجدد الدين) أن تنزل الأقلية على رأي الأكثرية، وألا تثير غبارًا لا معنى له، ولا يستفيد منه غير خصوم الجماعة المتربصين بها؟ 

 

وهب يا أخي أن الجماعة استجابت لضغوط بعض الإعلاميين، وللصوت العالي من بعض الشباب، وتركت رأي الأغلبية، ونزلت على رأي الأقليَّة القليلة جدًّا التي تطعن في النتيجة (أو كما قال بعض الشباب: ترفض مقدماتها التي أدت إليها)؛ فهل تكون جماعة قائمة بالشورى ومحترمة لدى المجتمع ولديك أنت شخصيًّا؟ إذا زرع الخصوم الشوك في عيون الإخوان؛ فهل على الإخوان أن يضغطوا على هذا الشوك ليفقأوا العين، أم أن عليهم أن ينزعوا هذا الشوك في هدوء ويضعوا مكانه "المراهم" والعلاجات النافعة؟

 

أما إذا كُنت تشير إلى ما يُقال عن خلل في اللوائح فلا بأس، علينا أن نطبقها إلى أن يتم تغييرها أو تعديلها بطريقة شورية، وهو ما أشار إليه فضيلة المرشد السابق في رسالته الأخيرة وفضيلة المرشد الحالي في رسالته الأولى.

 

أرجو يا أخ (مجدد الدين) أن تتحلى إن شاء الله بمزيد من الإنصاف والموضوعية، ورؤية الصورة من كل جوانبها لتدرك الجمال الذي أودعه الله فيها، فما حصل هو أمر يحق للجماعة أن تفاخر به الدنيا، وترد به على كل مدعٍ بالباطل أنها جماعة من الصم البكم الذين يسمعون ويطيعون من غير وعي ولا بصيرة.

 

وإني أذكرك (والذكرى تنفع المؤمنين) أن الله جعل وصف الفلاح من ثقل ميزانه بمعنى أن له حسنات وسيئات لكن حسناته أثقل من سيئاته، وجعل وزن الحسنة أثقل من وزن السيئة فقال ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ﴾ (هود: من الآية 114).

 

أكتفي بهذا، وأتوقف تمامًا عن مناقشة هذا الموضوع، وأرجو ألا أعود إليه مرة أخرى إن شاء الله، وأن نلتفت إلى قضايا أنفع لنا جميعًا وأصلح لمسيرتنا، وأسأل الله أن يكتب التوفيق لنا ولإخواننا وأحبتنا أجمعين.

 

طبيعة الحوار الذي يجب أن يدور بين شباب الإخوان:

ودعوني هنا أنتقل إلى نقطة في غاية الأهمية، فقد لاحظت من خلال متابعاتي المتواضعة لما يطرح في منتدى الإخوان والملتقى وغيرهما؛ أن بعضنا شديد الاهتمام بنقل كل ما فيه نقد للإخوان، وأن البعض الآخر شديد الاهتمام بالردِّ على كل نقدٍ يوجَّه للإخوان، وأن كلا الفريقين يستخدم في بعض الأحيان عبارات مستفزة، ويتناول الآخر بألفاظ ليست مما تربى عليه الإخوان المسلمون؛ بحيث نجد أنفسنا في النهاية أمام (مكلمة) يتكرر فيها الكلام ويُعاد بلا فائدة، بل ربما أدَّى إلى تنافر القلوب، بل والوقوع في أخطاء شرعية في الحديث عن الآخرين.

 

ودعوني أقول بمنتهى الصراحة: إن هذا لا يليق بشباب يحملون أسمى رسالة، ويقرءون كتاب ربهم، ويقتدون بأفضل من عرفت الدنيا بشرًا صلى الله عليه وسلم؛ لماذا لا يُقَدِّم كل صاحب فكرة فكرته بأسلوب هادئ هادف من غير أن يتعمد استخدام الكلمات المستفزة والعبارات الصادمة، ولماذا لا يكون الرد على أي فكرة (أيًّا كانت) بأسلوب هادئ هادف، ولماذا لا يكون عنواننا عندما نكتب فكرة أو نكتب ردًّا قول الله تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا (53)﴾ (الإسراء)؛ لماذا لا يكون حسن الظن هو السائد فيما بيننا وحسن التعبير هو أداة التواصل بين أفكارنا وقلوبنا؟ إن الكلمة الناعمة الهادئة تتسلل إلى قلوب الخصوم، فضلاً عن قلوب الأحبة، فتلين لها وتستفيد منها، بخلاف الكلمة المستفزة التي تفسد قلوب الأحبة، فضلاً عما تسببه من عناد لدى الآخرين.. على كل حال هذا هو موضوع المقامة الثالثة من المقامات الرحمانية إن شاء الله، وعنوانها: (وقولوا للناس حسنًا).

 

أكتفي بهذا.. آسف للإطالة، وأعتذر لكل من لم أتمكن من التعليق على مداخلاتهم التي قرأتها جميعًا، وإلى لقاء آخر.. أستودع الله دينكم وأمانتكم وخواتيم أعمالكم.