حين استولى الصليبيون على الشام كان هناك بعض المتعاونين معهم من المسلمين من أمراء المدن المحيطة ببيت المقدس، وكان من أشهر هؤلاء المتعاونين والي عكّا الذي أظهر تفانيًا غير عاديًّا في خدمة الصليبيين من أجل المحافظة على عرشه دونما الاكتراث بضحايا المسلمين، ولم يرق قلب والي عكّا يومًا ما وهو يساعد الصليبيين في قتل المسلمين؛ حتى وصل الأمر إلى قتل قوافل الحُجاج المتجهة إلى مكة المكرمة بما فيها من شيوخ ونساء وأطفال, فقد كان هم والي عكّا الوحيد هو الاحتفاظ بالمُلك لنفسه وأولاده من بعده، ولكن دوام الحال من المحال، فقد قيّد الله للإسلام صلاح الدين الأيوبي رحمه الله وهو كردي الأصل، قام بتوحيد مصر مع الإمارات الحرة من الشام، وقام بطرد الصليبيين من مدينة تلو الأخرى، وأكرمه الله عز وجل بفتح بيت المقدس أولى القبلتين وثالث الحرمين، وأثناء حروب صلاح الدين مكّنه الله من الإمساك بوالي عكّا حيًّا وهناك كانت مواجهة الوالي الخائن بجرائمه، وحاول الخائن استمالة عطف صلاح الدين بشتى الوسائل منها إبقاؤه حيًّا من أجل أولاده الصغار، فرد عليه صلاح الدين قائلاً: كيف تطلب مني أن أرحمك وأنت لم ترحم شيوخ ونساء وأطفال المسلمين، ثم أمر بضرب عنقه ليكون عبرةً لكل خائن.
ثم تمر مئات السنين ويكون أهل فلسطين عامة، وغزة خاصة، على موعد مع العديد من أولياء عكّا الجدد، ففي مقاطعة رام الله المشغولة بمسابقة ملكة جمال فلسطين في الذكرى الأولى للعدوان الإسرائيلي على غزة هناك العديد من أولياء عكا الذين يتفانون في حماية أولياء نعمتهم في تل أبيب، ويمعنون سجنًا وقتلاً في كل مؤمن ومؤمنة، ويمكرون ليل نهار من أجل إحكام الحصار وخنق أرض العزة غزة؛ بل إن أحدهم تبجَّح مؤخرًا مهددًا المقاومة في الضفة الغربية بالويل والثبور إن فكرت في الانتقام من أجل الشهداء الثلاثة عليهم رحمة الله الذين أعدمتهم القوات الخاصة الصهيونية بدم بارد في نابلس وهم داخل غرف نومهم!! والأدهى أن سلطة رام الله قامت بسحب أسلحة الشهداء الثلاثة قبل الاغتيال بأيام، والأغرب أن أحدهم كان من ضمن الذين ضمنت السلطة الأمان لهم بعد التخلي عن المقاومة!! ثم يخرج رئيس المقاطعة ليُعلن عن تأييده لجدار العار الذي تبنيه حكومتنا الموقرة بحجة أنه من الأمور السيادية التي تخص الحكومة المصرية الشقيقة، وهي بحق شقيقة لسلطة رام الله.
والمضحك أن رئيس المقاطعة هذا ما انفك ينفي عن نفسه تهمة أنه بهائي، وكأنه هناك فرق بين أن تبيد أهل غزة وأنت سني أو بهائي!!
ثم يجيء دور الشقيقة العربية الكبرى بلدي الحبيبة مصر وحكومتها الرشيدة التي يكن شعبنا المصري كل الحب لها، لدرجة أننا ندعو لها ليل نهار أن يكون مصيرها مثل مصير قارون. تعلن حكومتنا الرشيدة قرارها على لسان أبو الغيط الذي دائمًا أتذكر رقته وهو يُمسك بيد وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة "ليفني" برقة غير عادية على سلالم وزارة الخارجية المصرية كي لا تتعثر أثناء نزولها بعد اجتماعهما أثناء حرب غزة العام الماضي!! وأثار اهتمامي أن أبو الغيط يتحول إلى أسد كاسر مهددًا بكسر رِجْلِ كلِّ من يحاول عبور حدودنا وأن يمس سيادتنا من هؤلاء الفلسطينيين الذين يريدون تهديد أمننا القومي واحتلال جزء غالي من وطننا المصري وهو سيناء، وأعجبني وزير خارجيتنا المغوار وهو يُعلن أن بناء الجدار الفولاذي على حدود غزة هو من أعمال السيادة التي لا يحق لأحد أن يناقش مصر فيها؛ لأن حدود مصر وهيبتها يجب أن تظل مصانة. وإني سائل سيادته لا فض فوه وأين كانت سيادتنا والشباب الإسرائيلي يقتحم سيناء بصورة شبه يومية؟
بل إن آخر مجموعة منهم صرَّحت علانية بأنهم اقتحموا الحدود من أجل القيام بعمل مثير قبل الانضمام إلى الجيش الصهيوني، وأنهم جميعًا ينحدرون من أسر مقاتلة في جيش العدو!! فماذا فعلت معهم حكومتنا الرشيدة؟ قامت بتوفير جميع وسائل الراحة لهم حتى إعادتهم إلى أحضان أسرهم الصديقة المقاتلة سالمين.
ثم أين كانت سيادتنا بعدما أذاع التليفزيون الصهيوني اعترافات جنودهم بارتكاب جرائم حرب ضد أسرى الحرب المصريين في حرب 67 لدرجة أنهم كانوا يستخدمون الدبابات لقتل الجنود المصريين ببطء توفيرًا للرصاص؟ وذلك بمرور الدبابات على أرجل الأسري أولا ثم في طريقة تصاعدية حتى الرأس وهم يستمتعون بصراخ الجنود المصريين!!
وكان رد فعل غيطنا المصري أن وزارته سوف تتصل بالتلفزيون الإسرائيلي للحصول على الشريط لمراجعته ويبدو أن مندوب وزارة خارجيتنا الذي غادر على حمار من أسوان متجهًا إلى مقر التلفزيون الإسرائيلي قد ضل الطريق أو أن الحمار أصرَّ أن يبقى في الغيط المصري لعدم وجود برسيم في تل أبيب!!.
وأين سيادتنا وحرس الحدود المصريين يصطادهم الإسرائيليون كالعصافير عن عمد باعتراف جنودهم، ومع ذلك حكومتنا الكريمة تتسامح وتضبط النفس!! فهيبتنا لا تظهر إلا أمام أهل غزة أو أهل الجزائر من أجل مباراة كرة قدم.
هناك مشكلة أخرى وهي أن أهل غزة يسيئون فهم تصريحات حكومتنا الموقرة وحرصها على راحتهم، فحكومتنا محقة في إعلانها أنها ترحب بكل فلسطيني على أرض مصر، ولكن الجزء الثاني من الترحيب أنه سيكون في معتقلات وزارة الداخلية لتقطيع الأوصال كما حدث مع الشهيد أبو زهري الذي عاد إلى غزة جثة بدون عيون أو لسان أو أمعاء!! وحكومتنا الرشيدة صادقة في إعلانها أنها ترغب في إنهاء معاناة أهل غزة، وما لا يفهمه أهل غزة أن ذلك يعني قتلهم بالجدار الفولاذي لإنهاء تلك المعاناة إلى الأبد.
إن قلب الشقيقة الكبرى يفيض حبًا وحنانًا لأهل غزة لذا عندما نما إلى علم الشقيقة الكبرى أن الأنفاق هي الرئة التي يتنفس بها القطاع، وأن الفلسطينيين العاملين في تلك الأنفاق يعانون من سوء التهوية داخلها قامت الشقيقة الكبرى فورًا بضخ الغازات السامة في معظم تلك الأنفاق وتفجير الباقي منها على رءوس من فيها؛ حتى لا يعانوا من سوء التهوية إلى الأبد!!
وعندما علمت الشقيقة الكبرى أن إسرائيل منعت إمدادات الوقود العام الماضي عن غزة وأن أهل القطاع يعانون من برد الشتاء القارص ومستشفياتهم لا تعمل لعدم وجود كهرباء, تحركت الشقيقة الكبرى فورًا من منطلق مسئوليتها الأخلاقية وقامت فورًا بمدّ الغاز والبترول المصري بأقل من سعر استخراجه لا إلى أهل غزة ولكن إلى الأشقاء الإسرائيليين؛ حتى يتم توفير الوقود لطياراتهم الحربية التي قامت على الفور بالاستجابة للنداء الإنساني المصري بتدفئة قطاع غزة مجانًا من أقصى شماله إلى جنوبه بالقنابل الفوسفورية، وهدمت معظم مستشفياته، ولا يزال القطاع إلى اليوم يشعر بأثار تلك التدفئة من أجنة مشوهة وبيوت مهدمة!!
وعندما وجدت حكومتنا الرشيدة أن أهل رفح المصرية ينقلون الإمدادات إلى أهل رفح الفلسطينية قامت ببناء سياج مكهرب حول رفح المصرية من أجل المحافظة على سكانها؛ لأنهم من فصيلة نادرة من المخلوقات البشرية, ثم كانت الفاجعة الأخيرة حين حاول أهل الخير من الغرب تسيير قوافل مساعدة إلى أهل غزة فأبت حكومتنا الرشيدة إلا أن تذيقهم جزءًا من كرمها، فجعلتهم يعانون أشد المعاناة من أجل المرور إلى غزة وقد فعلت حكومتنا الموقرة هذا من أجل أن تزيد حسنات المشاركين في تلك القوافل؛ لأن حكومتنا تؤمن بالقاعدة الفقهية: إن الثواب على قدر المشقة!!
أرأيت سيدي القارئ لماذا نموت حبًا في حكومتنا الرشيدة، وندعو لها ليل نهار أن يكون مصيرها مثل مصير قارون.
لقد كان موقف الشيخ القرضاوي مشرفًا حين أعلن حرمة بناء جدار العار هذا، ولكن ما أعجبني بحق هو موقف علماء اليمن الذين أعلنوها صريحة أن كل من يشارك في حصار غزة من أولياء عكّا الجدد فهو مرتد. كنت أتمنى أن أسمع رأي شيخ الأزهر الذي أباح لفرنسا خلع حجاب المسلمات، وصافح شيمون بيريز بحرارة مُدعيًا أنه لا يعرفه، وكنت أود كذلك سماع رأي فضيلة المفتي الذي أفتى بأن الشباب الغارق في البحر أثناء الهجرة هربًا من نعيم حكومتنا الرشيدة بحثًا عن عمل سيذهب إلى النار؛ لأنهم طماعون!! كنت أيضًا أود سماع رأي مشايخ الولاء والبراء أصحاب مدرسة النص.
أما عن الإخوان المسلمين ودورهم في مساعدة أهل غزة، وهل يرقى إلى المستوى المطلوب فيحتاج مقالاً آخر إن كان في العمر بقية إن شاء الله.
----------
* طبيب مصري- مقيم بأمريكا