لا أدري لماذا وأنا أقرأ مبادرة السيد عبد الرحيم علي (مدير المركز العربي للبحوث والدراسات) كأني أقرأ لمبادرات محمود عباس أبو مازن، وكأني أقرأ أوسلو أو خارطة الطريق التي بموجبها يتم التنازل طواعية عن حقوق أصيلة للشعب الفلسطيني لحساب العدو الصهيوني من أجل جلب رضا الكيان الصهيوني على حساب الشعب، وذلك لتحقيق منافع شخصية (دولارات – مناصب – سلطة).
يطالب السيد عبد الرحيم بست خطوات يختتمها بمطلبين من النظام:
أما الأول:
يطلب من التيار التجديدي داخل الإخوان المسلمين- كما يتخيل أو يتمنى أن يكون الإخوان فريقين- موقفًا حاسمًا وواضحًا برفض ممارسات التيار المتشدد بزعامة العناصر القطبية.
بداية.. الإسلام ليس ضد التجديد في الأطروحات والوسائل، ولا ضد التنوع في الرؤى؛ بل إن في الحديث "إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها".
ولكن التجديد في الفروع لا في الأصول، فالأصول ثوابت لا تتغير وكذلك لكل فكر ثوابت متمثلة في الهدف والرسالة و(منهج التغيير) لا يجوز الخروج عليها إلا إذا أراد أن ينضم إلى مدرسة فكرية مختلفة أو حركة إسلامية مغايرة، ويبقى له علينا حق الإسلام.
إذن فالمسلم لا بد أن يجمع بين المحافظة والتجديد.. المحافظة على الثوابت والتجديد في الوسائل والأطر والخطط.
لكن الأستاذ عبد الرحيم يقوم بمحاولة الفرز داخل الإخوان؛ على أمل بث بذور الفتن ولن يستطيع وصدق الله ﴿يَبْغُونَكُمْ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ (التوبة: من الآية 47).
وقل لي بربك يا أستاذ عبد الرحيم: هل سمعت أحدًا من أعضاء مكتب الإرشاد يكفِّر أحدًا، لقد سُجنوا عشرات السنين في ظل نظام ظالم، عُذِّبوا بكل أصناف العذاب، صُودرت أموالهم، أُغلقت شركاتهم، ولم يُكَفِّرْ أحد من الإخوان المسلمين أحدًا ممن ظلمهم، ولم يفكر حتى بالانتقام للنفس؛ لأنهم وهبوا أنفسهم وأموالهم في سبيل الله، وفي سبيل تبليغ هذه الدعوة نقية كما تحملوها من أجيال سبقتهم.
هل شاهدت أحدًا من الإخوان يمارس عنفًا ضد أحد؛ حتى يتم إلصاق التهمة بالتشدد؟!
هل رأيت مظهرًا من مظاهر التشدد مثل فرض الرأي بالقوة مثلاً؟
أما المطلب الثاني:
يطلب السيد عبد الرحيم ممن يُسمى (التيار التجديدي) تأسيس جمعية جديدة علنية وقانونية مشهرة باسم (الإخوان المسلمون)، ويوضح أن الهدف من هذه الخطوة هو محاصرة وإقصاء التيار المتشدد وممارسته المتسلِّطة والمعطِّلة لأي إصلاح حقيقي أو نمو داخلي للجماعة وللحياة السياسية في مصر.
أي أن الهدف الحصار والتحجيم والإقصاء؛ كأن هناك حربًا يا سيد عبد الرحيم!!.. الإخوان لا يحاربون من أجل المناصب، فالمناصب عند الإخوان مغارم، وارجع إلى كمِّ القضايا التي تمَّ تلفيقها للإخوان المحالين إلى المحاكم العسكرية، وأن أعدد المعتقلين في هذا العام فقط 5076 معتقلاً برغم أن عام 2009م ليس فيه انتخابات.
ثم هل النظام المصري في ظل قانون الجمعيات الجديد يعطي الحرية للجمعيات للعمل الخدمي والاجتماعي؟ فإن القانون الجديد يعطي الصلاحية للنظام لحل أي جمعية في لحظة واحدة، فضلاً عن حصار نشاطها.
النظام المصري في الآونة الأخيرة لا يسمح بمؤسسات إلا مؤسسات خادمة لمشروع البقاء والاستمرار في السلطة، أو مؤسسات ديكورية تُجَمِّل وجهه القبيح، ثم نأتي للمطلب الذي يطلبه السيد عبد الرحيم من حزب الوسط، وهو حثهم على التقدم مرةً أخرى بطلب ترخيص الحزب ليكون منبرًا سياسيًّا لكل شباب الإخوان الذين يرفضون العمل السري؛ بمعنى أن الأستاذ عبد الرحيم يريد تجميع الشاردة والواردة على حرب الإخوان والتكتُّل ضدهم، وما علاقة هؤلاء بهؤلاء؟
إن النظام في مصر الذي تعمل له وتدافع عنه لا يريد منافسًا حقيقيًّا؛ بل يريد أن يضع الجميع تحت الحصار وتحت السيطرة، والكل في مصر محظور إما محظور النشاط، أو محظور الإطار القانوني.
ثم يطالب القوى الوطنية في البلاد لدعم تيار التجديد، وأظن أن القوى السياسية في مصر شريفة ووطنية وهي حقيقةً لا تسعى إلى بث الفتنة بين الإخوان؛ لأنها ببساطة تدرك أن إضعاف الإخوان يؤدي إلى إضعاف المشروع الوطني في مصر.
لذا فإن الهدف التخلُّص من الإسلاميين المتمسكين بثوابت دينهم، وأن دينهم دين شامل يشمل جميع مظاهر الحياة.. مصحف وسيف، سياسة واقتصاد، شريعة وشعيرة، عقيدة وعبادة.
يريد السيد عبد الرحيم ألا يغمض له جفن ويفتح وقد تخلص من الإسلاميين، ثم يأتي عبد الرحيم (باشا) بتحريض النظام على التعامل بحسم مع الإخوان، وانظر إلى كلمة حسم يعني بصراحة اعتقالات وقضايا ومحاكمات؛ لأنه يضع الإخوان أمام خيارين لا ثالث لهما؛ إما أن تدخلوا الأطر المقترحة سواء حزب أو جمعية مع إمكانية حل الجمعية وعدم إعطاء رخصة حزب أو الجحيم، وإما أن تكون ديكورًا أو تذهب إلى المعتقلات!.
يا أستاذ عبد الرحيم.. كان الأولى بك أن تطالب النظام الذي تتحدث أحيانًا كأنك عليم ببواطن أموره، وتقول: أنا قريب من السلطات، أنا قريب من القرار، ولم تفصح هل أنت قريب من القيادة السياسية في النظام أم القيادات الأمنية؟ على اعتبار أن القيادات الأمنية في مصر تمسك أيضًا بزمام الأمور، بالكلية كان الأولى بك أن تطالب النظام بحل لجنة الأحزاب، ويصبح تكوين الحزب بمجرد الإخطار، وأن تطالبه بإلغاء قانون الطوارئ الذي قتل الحياة السياسية والعمل الاجتماعي، فلا مستقبل للأحزاب ولا الجمعيات في ظل هذا المناخ السياسي والأمني.
يا أستاذ عبد الرحيم أنت تريد تسويق الوهم وتريد أن تبيعه لبعض الاخوان؛ حتى تحرضهم على الخروج ولا تريد غير الفتنة، ومن يسمع لك هو الخاسر.