"شاءت إرادة الله أن تكون مصر عقل وقلب العروبة والإسلام" كلمة سمعتها ووعيتها من العلامة الشيخ محمد الغزالي رحمه الله منذ ثلاثة عقود، وهي مكانة تتفق والسياق التاريخي والجغرافي والحضاري لهذه المنطقة المميزة من العالم، فقد كانت مهد الحضارات والديانات على مر عصورها الفرعونية والمسيحية والإسلامية، وكان الدين وما زال المكون الأولي والأساسي للشخصية المصرية "راجع التقرير الأخير للحالة الدينية في العالم، والتي أكدت أن الشعب المصري الأكثر تدينًا في العالم".
على الطرف الآخر أرادت بقايا التيار العلماني المصري أن تكون مصر غير ذلك! ففي تصريحاتها لقناة (بي بي سي) العربية قالت الكاتبة المصرية الدكتورة نوال السعداوي إن المجتمع المصري "يتنفس دينًا" وهو ما اعتبرته "ردة خطيرة"، وأحد الأسباب التي دعتها لبدء حملتها لتحويل المجتمع المصري لمجتمع مدني بتأسيس "حركة التضامن المصري من أجل مجتمع مدني"، وجاءت تصريحات الدكتورة السعداوي عشوائية ومرتبكة وغير متوازنة حين قالت: إنها كامرأة مفكرة لم تجد لنفسها وطنًا في أي مكان في العالم "لأننا نعيش في حضارة رأسمالية أبوية ذكورية"، وإنها لم تشعر بالسعادة أثناء إقامتها في الولايات المتحدة لأن المجتمع الأمريكي "رأسمالي أبوي ذكوري مسيحي يهودي"، وعن المجتمع المصري وصفته بأنه "إسلامي رأسمالي طبقي إقطاعي"، وحين قالت إن "حركة التضامن المصري من أجل مجتمع مدني"، التي أسستها تدعو ليس فقط إلى فصل الدين عن الدولة، بل فصل "الدين عن الدولة والقانون والدستور والثقافة وقانون الزواج".
كما طالبت بشطب المادة الثانية في الدستور المصري، والتي تنص على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، باعتبار هذه المادة "تنفي فكرة المواطنة" وهو ما يؤكد ما ذهبتُ إليه في عدة مقالات سابقة أن التيار العلماني المصري لا يريد دولة مدنية لكن المدنية شعارًا مرفوعًا يحمل في طياته مناخًا لا دينيًّا على المستوى الدستوري والتشريعي والتنفيذي والرقابي، تارة باسم المدنية وأخرى باسم المواطنة وثالثة باسم فزاعة الدولة الدينية.
هذا الهاجس الذي يطارد عدد غير قليل من النخب والمثقَّفين المصريين والعرب وبخلفيات متباينة مما ترتب عليه أخذ موقف معادي من الفكر والنظام الإسلامي بصفة عامة وما يطلق عليه تيار الإسلام السياسي بصفة خاصة، ويضع كل ألوان الطيف الإسلامي في سلة واحدة، لا يفرق بين الوسطية والتطرف بين السلمية والعنف بين التدرج والانقلاب، بل يمارس الإرهاب الفكري والابتزاز السياسي باستدعاء هذه المفاهيم والمصطلحات المطاطة لتكون أداة الحذف لكل ألوان الطيف الإسلامي المشتغل بالشأن العام والعمل السياسي أو على الأقل إحداث أكبر قدر من الضغوط منعًا للتمدد المبهر لهذا التيار في المجتمعات العربية والإسلامية،
وأخيرًا السجال الفكري والبرامجي مطلوب في مناخ ديمقراطي ومتكافئ، وبعد ذلك يترك الخيار للجماهير، وإن كان خيار الجماهير غير مرض بل مرعب للتيار العلماني لأنه يرى أن الشعوب ونواب الشعوب غير واعية ومضللة.
هكذا قالت الدكتورة السعداوي- وافق مجلس الشعب المصري على تطبيق الشريعة الإسلامية بنسبة تجاوزت 96% بمن فيهم النواب الأقباط منذ ربع قرن وجاءت نتائج استطلاع مؤسسة (جالوب ) الأمريكية لعام 2009 يؤكد أن 90% من المستطلعين في كل من تركيا ومصر وإيران يريدون الاحتكام للشريعة الإسلامية باعتبارها المصدر الرئيسي للتشريع "عمومًا خيار الجماهير هو الحكم الوحيد والمعتبر والتي وبغالبية الشواهد سيأتي بالتيار الإسلامي في المقدمة لأنه النبت الطبيعي لهذه المنطقة من العالم.