تلقَّيت- مع الرأي العام- بانزعاج شديد نبأ اقتحام منزل المستشار عبد الغفار محمد رئيس محكمة الاستئناف السابق، والذي تُوفي منذ أيام، والاستيلاء على مذكراته وأوراقه الخاصة، فضلاً عن اعتقال نجله الوحيد.
إن هذا السلوك لَيؤكد وللمرة الألف أنه ليس هناك محرمات لدى رجل الأمن المصري، ولا يوجد عليه أي قيود من دستور أو قانون تمنعه من انتهاك حرمات المواطنين أيًّا كانت مراكزهم وانتماءاتهم؛ حتى لو كانوا القضاة أنفسهم، ولم يعد الأمر يختص به الإخوان وحدهم، فلم يعد أحد بعيدًا عن قبضة حالة الطوارئ المعلنة منذ 28 عامًا.
وأتساءل: ما الجريمة التي ارتكبها رئيس محكمة الاستئناف؛ حين كتب مذكراته وآراءه عن أحداث عاشها وحقَّق فيها؟ وما الجريمة التي ارتكبها نجله حتى يتم اعتقاله ولا يعرف مكانه أحد؟
إن اقتحام منزل رئيس محكمة الاستئناف والاستيلاء على أوراقه ومذكراته واعتقال ابنه مباشرة عقب تلغرافات التعزية المرسلة من رئيس الجمهورية وكبار رجال الدولة؛ لهي رسالة شديدة الخطورة لها ما وراءها، وتجعلنا نتساءل: ما الذي يحاول النظام أن يخفيه؟ ومن يحاول أن يحميه؟ أم هي محاولة لتزوير التاريخ؟
ما الذي يحاول النظام أن يخفيه من معلومات عن الشعب الذي هو صاحب الحق الوحيد في الاطلاع على ما خطته يد القاضي عبد الغفار؛ خاصة أن هذا القاضي حقَّق في قضايا بالغة الخطورة والأهمية، منها قضية سرقة خزينة الرئيس عبد الناصر بعد موته، وقضية مقتل الرئيس السادات، وغيرها من قضايا مهمة ما زال الغموض يحيط بالكثير من محتوياتها وأحداثها؟
إن اقتحام منزل القاضي عبد الغفار رئيس محكمة الاستئناف، والاستيلاء على مذكراته يلقي الضوء بوضوح على الممارسات القهرية البوليسية المفضوحة؛ والتي تحاول أن ترهب الجميع خاصة القضاة ومؤسستهم.
واقتحام منزل رئيس محكمة الاستئناف السابق، والاستيلاء على مذكراته، وفيها أخطر القضايا المصرية في العصر الحديث؛ يعيد إلى الأذهان قضية اغتيال أشرف مروان وسرقة مذكراته، ويجبرنا على إعادة فتح الملف من جديد في ظل ما حدث، ليس هذا فقط، بل وأيضًا موت بعض الشخصيات المهمة، والمشاركة في بعض الأحداث التاريخية بطريقة غامضة مبهمة.
في البلاد الديمقراطية المحترمة نسمع عن فضائح لأنظمتها حين تخترق القانون، مثل فضيحة "ووتر جيت" الأمريكية التي نتج عنها استقالة الرئيس الأمريكي وقتها؛ لأنه تجسس على المعارضة في بلده خلافًا للقانون، وعندنا للأسف الشديد ينتهك الدستور، بل وكل القوانين، بل وحياة الإنسان نفسه من قِبل السلطات دون أن يتم اتخاذ إجراء قانوني ضدها.
نريد أن نعلم ما الإجراءات التي سيتخذها النائب العام لمنع اختطاف المصريين بهذه الطريقة؟
الفضيحة لا تخص النظام وحده، بل إن صمت القضاة والمؤسسة القضائية على ما يحدث فضيحة، وصمت المؤسسة التشريعية على ما يحدث فضيحة، وصمت مؤسسات المجتمع المدني- ونقابة المحامين على رأسها- فضيحة، وعدم اتخاذ إجراء ضد من انتهكوا حرمات المصريين بمختلف انتماءاتهم ووظائفهم فضيحة... إن ما يحدث انتهاك كامل لكرامة المصريين داخل بلادهم، وبوجه مكشوف دون مواربة، ولا أدري من أجل من؟ هل نسميها فضيحة المذكرات أم فضيحة الكرامة أم "أُمُّ الفضائح"؟!.
-----------
* الأمين العام المساعد للكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين بمجلس الشعب المصري