أظهرت الأزمة بين مصر والجزائر وارتفاع وتيرة "الوطنية" في هذه الأزمة، والحرب الإعلامية البشعة التي استخدمت فيها شعارات الوطنية وأعلام البلدين؛ أن النظم المتخلفة وحدها هي التي تحتكر مصطلح الوطنية؛ فالأصل في كل الدول أن الشعب يدين بالولاء لدولته.

 

ولكن المشكلة دائمًا هي أن التقدم والتخلف والتحضر والبربرية هما اللذان يتحكمان في رسم الخط الفاصل بين الوطنية، أي الولاء للدولة وبين اللا وطنية، أي القصور في هذا الولاء، فالفرنسي أو الألماني يفهم جيدًا متى تكون الوطنية مطروحة، كما يفهم جيدًا متى وفي أي المواقف لا يليق إقحام شعار الوطنية في هذه المواقف؛ ذلك أن المواطن الفرنسي الذي يشجع الفريق الأجنبي ضد الفريق الفرنسي لا يتهم بعدم الوطنية؛ لأنه من حقه أن يشجع الفريق الذي يراه جديرًا بالتشجيع، بل إن عددًا كبيرًا من الأمريكيين يعترضون على السياسات الأمريكية في العراق وأفغانستان، وهجر بعض الجنود الجيش تفاديًا لخوض حروب لا يوافقون عليها، ولم يقل أحد أن هناك نقصًا في وطنيتهم.

 

وفي موقعة الجزائر التي بدأت في القاهرة، وانتهت في أم درمان تدخلت الدولة المصرية؛ لكي تشعر كل المصريين في الداخل والخارج بكل الطرق بأن الوطنية الحقة والوحيدة ومعيارها الأكيد هو مساندة الفريق المصري، ومناهضة فريق الجزائر، وأن الأدلة على ذلك هي الاحتشاد والتفرغ، ويفضل أن يكون حاضرًا في الإستاد، وأن يقاتل للحصول على تذكرة الحضور بأي ثمن مهما دفع في سعرها في السوق السوداء، وفاءً لوطنه واستجابة لدواعي الوطنية، وأن يحمل علمًا يطوق به جسده أو سيارته، وأن يلهم أبناءه حب هذا العلم من خلال هذه المباراة، وتصوير هذا اللقاء على أنه أم المعارك، وأنها معركة الموت والحياة بالنسبة لمصر، وهي التي تحدد بقاءها أو فناءها بين الأمم، فانخرط المصريون جميعًا بهذه الغريزة؛ استجابةً لحملة إعلامية طاغية، حتى إذا هُزم الفريق المصري هزمت معه وطنية مصر، وتلاشى معه كل أمل للمصريين في البقاء.

 

وقد استجاب المصريون لهذا الإغواء الغريزي لينفسوا شحنة الكبت الوطني بعد أن عزت عندهم المناسبات الوطنية الحقيقية، وباعدت "السياسات الوطنية" بينهم وبين وطنهم الحبيب.

 

هذا الاستغلال البشع واللا أخلاقي للشعور الوطني في مصر قابله شعور آخر في الجزائر لا يقل عنه إسفافًا، ولكنه على الجانبين فصل من فصول احتكار الوطنية عند الحكام والنظم عندما تتدهور الأمم وتشتد محنها.

 

فالنازية هي الوطنية الألمانية المفرطة التي استعادت كرامة الألمان؛ ولكنها تجاوزت ووضعت الألمان فوق الجميع فاستفزت هذا الجميع، وهزمت ألمانيا وضربت مع هذه الهزيمة نازيتها.

 

وفي فصل ثالث، رأينا صدام حسين وهو يتغنى بالقومية العربية حتى يجلب العرب إلى مغامرته ضد إيران، ثم يتغنى بها مرة أخرى حتى يبرر غزو الكويت وسلب أموالها ومحو هويتها، وانتهى به الأمر إلى مشهد اغتيال يوم عيد الأضحى المبارك؛ ليكون درسًا قاسيًا للعرب والمسلمين، وليكون علامة مؤلمة لضياع الوطن العراقي بالوطنية المفرطة والحب الأعمى الجاهل لهذا الوطن.

 

أما الفصل الرابع، فهو يتعلق بالرئيس الصربي ميلوسوفيتش الذي ارتكب جرائم إبادة ضد المسلمين في البوسنة والهرسك وفي كوسوفا، وبرر ذلك كله بغيرته على المشاعر الوطنية، وحرص صربيا على عدم التفريط في الأجزاء المكونة للاتحاد اليوغوسلافي.

 

من الواضح أن مصطلح "الوطنية" مثل مصطلحات الحرية والديمقراطية والدين تُوظف كلها لأسباب سياسية في النظم المتخلفة، وأن توظيفها هو أهم علامات التخلف في هذه النظم؛ ولذلك فإن المعيار الفاصل بين التقدم والتخلف من الناحية السياسية هو استخدام وتوظيف "الوطنية"، كما يتم توظيف هذا المصطلح عندما تتدهور الأمم، ويتسابق الساسة إلى استدعاء المخزون الوطني في المعارك الكبرى، ولذلك كان لافتًا أن تلجأ الحكومة المصرية إلى استنهاض روح أكتوبر ضد "إسرائيل"؛ لكي توظِّف كل الأناشيد والأغاني الوطنية ضد الجزائر، وهو ما يتعين أن يتم التحقيق التفصيلي فيه وفي سلوك الدولة المصرية في هذه الملهاة.

 

والمعلوم أن كافة كتب العلاقات الدولية تحذِّر من إثارة النعرة "الوطنية" سواء كان ذلك توظيفًا سياسيًّا أو كان حقيقة.

 

فلا شك أن توظيف الروح الوطنية لاستنهاض الهمم للبناء والتنمية أو لمواجهة عدوان خارجي أمر محمود، وقد مارسته جميع الأمم بلا استثناء، ولكن الخطر هو الانكفاء على الداخل والاعتقاد بأن أمة من الأمم هي أرقى الأمم لمجرد أنها انتصرت في حرب أو أنها حققت إنجازًا.

 

ولا بد من الاعتراف بأن الحركة النازية قد استغلت عن الألمان هذه الإهانة القاسية التي لحقت بالروح الألمانية، ولكن تجاوز الحد المطلوب لاستعادة الثقة هو الذي أدَّى إلى ما هو معروف من تعقيدات دولية، وعلى الجانب الآخر فإن ديجول قد استنهض كل الرصيد الوطني عند الفرنسيين، ولكن هذا الرصيد كان أعلى من القدر المطلوب لتحرير فرنسا، وتجاوز ذلك إلى كراهية الألمان؛ ولهذا فإن واجب المصلحين والمفكرين والباحثين هو وضع الخط الفاصل بين الوطنية المطلوبة والوطنية المدمرة، وبين الوطنية التي تدافع عن الوطن في ثوابته الحقيقية وبين الوطنية التي تتماهى مع النظم السياسية؛ حتى يكون الدفاع عن هذه النظم قد تستر وراء شحن المشاعر، تحت عنوان الدفاع عن الوطن؛ وهي حالة تعد أخطر ما يرتكبه النظام ضد شعبه ووطنه.