في مواجهة الحصار

يتحدد مسار عملية الإصلاح الحضاري الشامل، من خلال المواجهة بين فعل الإصلاح، والحصار المضروب حوله، والإصلاح الحضاري عملية تاريخية واجتماعية متعددة المراحل، وتأخذ زمنًا حتى تتحول إلى مرحلة تأسيس واقع جديد للأمة.

 

ولكن الحصار المضروب حول عملية الإصلاح، يعيق انتقال الإصلاح من مرحلةٍ إلى أخرى، ويعيق تحقيق أهداف كل مرحلةٍ من مراحله، فالحصار يمنع أساسًا تكوّن التيار السائد المؤمن بفكرة الإصلاح الحضاري الشامل، وتكوّن هذا التيار ضرورة؛ لأنه يعني أن فكرة الإصلاح أصبحت سائدةً وغالبة، وبالتالي أصبح لها تأييد شعبي واسع.

 

وبعد تكوّن التيار السائد المنادي بالإصلاح الحضاري الشامل، تبدأ مراحل إصلاح الأحوال العامة، بما فيها الأوضاع السياسية؛ لذا تحاول السياسة الأمنية وقف عملية الإصلاح الحضاري الشامل، عند مرحلة تكوّن النواة الصلبة للحركة، وهي مرحلة لا يمكن للسياسة الأمنية منعها، ولكن تلك السياسة تحاول منع تحول النواة الصلبة للمشروع، والمتمثلة في التنظيم أو التنظيمات القائمة بعملية الإصلاح الحضاري، إلى تيار شعبي عريض.

 

كما تحاول السياسة الأمنية منع عملية التحريك الواسع للجماهير، فحتى إذا انتشرت الفكرة بين الناس، تحاول السياسة الأمنية منع تحول الفكرة إلى فعل على أرض الواقع، وبهذا تتم عرقلة الدخول في مرحلة تنفيذ مشروع التجديد الحضاري على المستوى العام، خاصةً في المجال السياسي، فكل عملية إصلاحية تبدأ بالقاعدة المجتمعية، ولكنها تنتقل بعد ذلك للبناء الرسمي، وهو البناء السياسي والدستوري والقانوني، وتلك هي منطقة التحدي؛ حيث تعمل السياسة الأمنية على منع فكرة الإصلاح الحضاري الشامل من التأثير في المجال السياسي، وحجز حركة الإصلاح بعيدًا عن التأثير على مجمل المجتمع.

 

ويتكرر هذا ليس في مصر فقط، بل في غالب الدول العربية والإسلامية؛ مما يمنع حركة الإصلاح الحضاري الإسلامي، من إصلاح حال الأمة، وتحقيق وحدتها ونهضتها.

 

وسوف تظل تلك المعركة قائمة، فالوضع القائم لن يستسلم لمحاولة تغييره وإصلاحه، وعملية الإصلاح تواجه مصالح النخب الحاكمة، وبالتالي تواجه حربًا تهدف لمنعها وعرقلتها، كما أن عملية الإصلاح الحضاري تقوم أساسًا على تحقيق التحرر الحضاري الكامل؛ مما يجعلها تواجه القوى المهيمنة على عالم اليوم، وهي نفسها القوى الداعمة للأنظمة الحاكمة، ووسط تلك المعركة، يمكن معرفة تطور وقائعها على أرض الواقع، من خلال المؤشرات التي تكشف مدى نجاح عملية الحصار، وتلك التي تؤكد حدوث اختراق فاعل للحصار المضروب حول المشروع الحضاري الإصلاحي، فالرد على الحصار، هو بإيقاف تأثيره، وكلما كان فعل الإصلاح قادرًا على تجاوز حواجز الحصار المضروبة حوله، كان أقرب للوصول إلى التوافق المجتمعي الذي يمكنه من استكمال مشروعه.

 

الانتشار الرأسي

فكرة الإصلاح الحضاري الشامل التي تتبناها جماعة الإخوان المسلمين؛ تمثل فكرة معبرة عن الهوية الحضارية للمجتمع، وهي هوية جامعة لكل فئات المجتمع؛ لذا يصبح انتشارها في المجتمع رأسيًّا، أي أنها تنتشر بين كل الفئات والشرائح في المجتمع، وليست فكرة خاصة بفئة أو شريحة، مثل الرؤى الرأسمالية والاشتراكية.

 

وبقدر انتشار الفكرة رأسيًّا في المجتمع، يصبح المنتمون لها ممثلين لمختلف فئات المجتمع، وكلما كان المؤيدون لجماعة الإخوان المسلمين والداعمون لها، ممثلين عن مختلف فئات وشرائح المجتمع، تأكد تمثيلهم للمجتمع، وتلك مرحلة مهمة؛ لأنها تؤكد طبيعة الفكرة نفسها، وأنها تُعبِّر عن الهوية الجامعة للكل.

 

وهذا يتطلب اختراق الحصار الأمني المضروب حول بعض الفئات، ومنعها من التفاعل الحر مع الفكرة الحضارية الإسلامية، وكلما تمكَّنت جماعة الإخوان من الانتشار بغض النظر عن الحصار الأمني، في مختلف شرائح المجتمع، أصبحت فكرتها جزءًا من نسيج المجتمع، وتحوَّلت الجماعة نفسها إلى كيان مرتبط عضويًّا بالمجتمع، وممثل لمختلف شرائحه.

 

وللانتشار الرأسي الكامل أهمية خاصة؛ لأنه يزرع الفكرة في كل وسط وكل تجمع وكل كيان، وكل منطقة جغرافية، فتصبح الفكرة حاضرةً بين الناس، كل الناس، ليس بمعنى أن الكل يؤمن بها، ولكن الكل يعرفها ويعايشها، والكل مر بخبرة التفاعل مع مَن يحملون الفكرة، وبهذا يتحقق لفكرة الإصلاح الحضاري الشامل، الوجود المجتمعي الكافي لجعلها جزءًا من التفاعل اليومي المباشر لمعظم الناس.

 

وهنا تبرز أهمية مدى وحجم الانتشار، ففي كل الأحوال فإن أي فكرة تنتشر بين بعض الناس، وهذا البعض قد يتحوَّل إلى أغلبية، ولكن الوصول إلى الأغلبية ليس أمرًا سهلاً، فالبداية تكون بعمق الانتشار، ومدى تمثيله لمختلف شرائح المجتمع، حتى تتم زراعة الفكرة في كل الأوساط، وبعد ذلك تتحرك الكتلة المؤمنة بالفكرة؛ لتنتشر بين الناس أكثر فأكثر؛ حتى تصل إلى النسبة الحرجة، ثم تبدأ معركة المواجهة، أي معركة تحويل أنصار الفكرة إلى أغلبية.

 

تعويض المناطق المحاصرة

في كل الأحوال، تنتشر الأفكار بين الناس ولكن بدرجات مختلفة، فقد تنتشر في وسط أو شريحة أكثر من غيرها، والحصار الأمني المضروب حول الفكرة الإصلاحية، يحاول منعها من الانتشار في فئات بعينها، ولكن الرد على هذا الحصار، يظهر في القدرة على نشر الفكرة بنسب متقاربة في مختلف الشرائح والفئات؛ مما يحول دون تحويل الفكرة إلى فكرة خاصة بفئة دون غيرها، وتلك العملية ليست سهلة، ولكنها ضرورية، فكلما أصبحت الفكرة موجودة بنسب متقاربة ومعقولة، أصبحت الفكرة تيارًا مهمًّا وأساسيًّا في المجتمع.

 

ولكن سوف تظل هناك مناطق أو فئات أو شرائح، تنتشر فيها الفكرة بدرجة منخفضة نسبيًّا، وتقابلها مناطق أو فئات أو شرائح، تنتشر فيها الفكرة بدرجة واضحة، وتلك المقابلة التعويضية مهمة، ولو مرحليًّا، فكثافة انتشار الفكرة في مناطق بعينها، ولدرجة تجعلها تتجاوز النسب الحرجة، يمثل تعويضًا مهمًّا عن حصار الفكرة في مناطق أخرى.

 

وإذا وصلت الجماهير المؤيدة للفكرة إلى الأغلبية في بعض المناطق؛ أصبحت تلك المناطق محررة بالكامل من الحصار؛ مما يجعلها ضمنًا تمثل الركيزة الأساسية لمرحلة العمل على تحصيل الأغلبية لتأييد فكرة الإصلاح الحضاري الشامل، مما يؤدي إلى نوعٍ من التوازن، بين الانتشار الرأسي، والانتشار الأفقي، فإذا تحقق للفكرة الانتشار الرأسي التمثيلي الكامل، مع تباين في حجم الانتشار الأفقي في كل فئة، يصبح من المهم أن تكون الشرائح التي تنتشر فيها الفكرة أفقيًّا بدرجةٍ كبيرة، تتجاوز حجم التقلص الموجود في شرائح أخرى، وبهذا تصبح المناطق ذات الانتشار الواسع، لها قدرة تعويضية مرحلية عن المناطق المحاصرة، والتي يصعب فيها الانتشار.

 

وتلك القدرة التعويضية تكتمل، مع الوصول إلى الأغلبية في بعض المناطق، فيصبح زرع الفكرة في كل الفئات والشرائح مقدمة لتطور انتشار الفكرة في كل شريحةٍ من الشرائح، حتى تصل تدريجيًّا للنسبة الحرجة المؤثرة، ثم تصل للأغلبية، وبهذا يتشكل تدريجيًّا التيار السائد الحامل للفكرة.

 

وجغرافيًّا، نتوقع مسارًا مختلفًا لفكرة الإصلاح، معاكسًا لمسار حكم الاستبداد، فالاستبداد مسيطر على العاصمة، ثم يقل نفوذه في الأطراف البعيدة في القرى والنجوع، والبعض يتصور أن مواجهة الاستبداد يجب أن تحدث في العاصمة مباشرةً، ولكن هذا الأمر يبدو صعبًا؛ لذا فإن فكرة الإصلاح يمكن أن تنتشر في الأطراف بكثافة أكبر، وتزحف تدريجيًّا نحو المدن، وتمثل عامل ضغط سكاني مكثف، فتحدث حركة جماهيرية مستقلة عن الاستبداد وغير خاضعة له، تتجه من الأطراف إلى المركز؛ حتى يصبح المركز هو المقر الوحيد للاستبداد، ثم يتفاعل المركز مع محيطه الخارجي، فتدخل فكرة الإصلاح داخله، وتنتشر بفعل ثقلها خارج المركز.

 

نشر الفكرة خارج الحصار

هناك علاقة مهمة أيضًا بين مساحة التنظيم الذي يحمل الفكرة، ومساحة التأييد للفكرة، ومساحة التأييد للفكرة والتنظيم الذي يحملها معًا، وتلك العلاقة تشكل في الواقع حدود التيار؛ فالتيار هو الحالة العامة التي تشمل العديد من المكونات، والتنظيم هو المؤسسة المركزية بداخل التيار، وحتى يتشكل التيار، يجب أن تتبلور الفكرة، ويؤمن الناس بها، ويدركون انتماءهم لفكرة واحدة، ثم يدركون دور التنظيم أو التنظيمات التي تعمل على نشر الفكرة وتنفيذها، وبهذا تتشكل حالة التيار، الذي يعرف لنفسه خطًّا وطريقًا، ويتجه الناس في هذا الطريق عن وعي به، رغم تباعد المسافات بين الناس، ثم يتحرك المؤيدون للفكرة وراء التنظيم الذي يحملها، حتى يستطيع تحقيق الفكرة بتأييدهم ومشاركتهم.

 

وتلك ليست حالة سهلة التحقق، بل إنها تمثل التحدي الأساسي؛ لأنَّ تشكل التيار يحتاج إلى تكوّن وعي عميق بفكرة التيار وحدوده وثوابته، وتلك الرؤية الواضحة والبسيطة، هي التي تشكل عنوان التيار وملامحه الأساسية، وبعد ذلك يصبح من الضروري لتشكل تيار الإصلاح الحضاري الشامل؛ أن تنتشر الفكرة خارج الحصار، وتصبح الفكرة عابرة للحواجز، وتلك قضية مهمة، فأي فكرة لا يمكن حصارها، ولكن التنظيم يمكن حصاره؛ لذا يصبح من المهم أن يستطيع التنظيم نشر فكرته خارج الحصار المضروب عليه؛ بحيث تنتشر الفكرة بحرية خارج إطار الحصار، وحتى لا تظل الفكرة حبيسة في داخل إطار الحصار المضروب حول التنظيم وكل كيان نشط ينتمي للفكرة.

 

هنا يمكن ملاحظة قدرة التنظيم والمنتمين له؛ لنشر فكرتهم بين الناس، وليس فقط نشر الفكرة، بل نشر الإيمان بأهمية تحقيق الفكرة، والرغبة في العمل من أجل تنفيذها، وكلما أصبحت الفكرة رغبة وأمنية لدى الناس؛ تشكلت الكتلة المؤيدة للفكرة، ولأن الحصار يمنع التنظيم من التمدد، حتى لا يصل للنسبة الحرجة، ومن ثم يصل للأغلبية؛ لذا يصبح من المهم توسيع دائرة انتشار الفكرة، فيصبح انتشار الفكرة أوسع من انتشار التنظيم، مع وجود رابط واضح بين الفكرة والتنظيم، نعني بهذا، أن تنتشر الفكرة لدى فئات واسعة من الناس، تزيد عن الفئات المؤيدة للتنظيم مباشرة والفاعلة فيه، ولكن تظل هذا الفئات التي تنتشر فيها الفكرة، تعرف أنها تؤمن بنفس الفكرة التي قام عليها التنظيم، أي جماعة الإخوان المسلمين، وبهذا يتشكل رصيد بشري للفكرة، يظهر في الوقت المناسب.

 

وفي كل الأحوال، فإن أي فكرة إصلاحية تنتشر داخل مؤسسات تتبناها، ثم تنتشر خارج تلك المؤسسات، ويصبح المنتمون للفكرة أكبر من المنتمين للمؤسسة، حتى في حالة عدم اعتراض تلك الفكرة بأي حصار، وعندما يصبح للفكرة جماهير واسعة، ويصبح للتنظيم جماهير واسعة، أكثر من المنتمين له والناشطين فيه، عندئذٍ يتحوَّل التنظيم إلى فاعل أساسي في المجتمع، ويصبح من المحتمل تحوله إلى الأغلبية.

 

الإنزال خلف خطوط المواجهة

في كل المناطق أو الفئات أو الشرائح، التي تعاني من حصار شديد، يحول بينها وبين التفاعل مع الفكرة الإصلاحية الحضارية، بسبب الضغوط الأمنية؛ يصبح من الضروري إحداث نوع من الإنزال خلف خطوط المواجهة، أي اختراق تلك الكتل التي تشكل لتصبح كتلاً معاديةً للمشروع الحضاري الإسلامي؛ لأن المشروع الإصلاحي الحضاري قائم على استعادة هوية الأمة، وهي هوية الجميع، لذا يصبح من الخطر على هذا المشروع تكوين كتل اجتماعية معادية له، أو كتل تشعر بأن وضعها معرض للخطر بسبب هذا المشروع، فكل محاولة لتحويل الصراع بين نخبة الحكم المستبدة والمشروع الإصلاحي الحضاري إلى مواجهة بين المشروع الإصلاحي الحضاري وكتل ما في المجتمع؛ تعني تحويل المواجهة مع الاستبداد والعدوان، إلى مواجهة داخل المجتمع، وبالتالي داخل الأمة؛ لتصبح المواجهة نوعًا من الحرب الأهلية.

 

وتلك النوعية من الحروب الداخلية، تمثل التهديد الأول للمشروع الحضاري؛ لأنه قائم أساسًا على تحقيق وحدة الأمة؛ لذا تصبح كل المواجهات التي تحدث بين المنتمين له وأي فريق داخل الأمة، هي نوع من النزاع الداخلي المعطل لوحدة الأمة، والذي ينشر الفتن الداخلية، وتلك سياسة أمنية معتمدة، وهي معتمدة على المستوى المحلي والإقليمي والدولي؛ لذا يصبح من المهم درء كل أنواع الوقيعة بين تيار الإصلاح الحضاري الشامل، وبين أي فئة من فئات الأمة، حتى يتم وقف كل محاولات ضرب تيار الإصلاح الحضاري من خلال الفتن والمعارك الداخلية والأهلية.

 

وللتأمين ضد تلك الحالة، تحتاج حركة الإصلاح الحضاري، لعملية الإنزال خلف خطوط المواجهة، وداخل المناطق المحاصرة؛ حتى تصبح موجودة داخل المنطقة المحاصرة، والتي يعمل النظام الأمني لتحويلها إلى منطقة عازلة، تفصل الحركة عن فئة من المجتمع؛ كما يعمل النظام الأمني لتحويلها إلى كتل معادية، حتى يصبح المشروع الإصلاحي في مواجهة فئة من أبناء مجتمعه، وكلما استطاعت حركة الإصلاح تحقيق عملية إنزال ناجحة داخل المناطق المحاصرة، أصبح لها تمثيل في تلك المناطق، يمكن أن ينمو مع الوقت، ويحول دون تشكل كتلة معادية لها، ويحول دون حدوث نزاع أهلي لضرب حركة الإصلاح الحضاري.

 

تعميق المشترك الإسلامي

عندما نتكلم عن جماعة الإخوان المسلمين، نصفها بأنها حركة اجتماعية تحمل مشروع الإصلاح الحضاري الإسلامي، وهي تنتمي لتيار الوسطية، الذي يمثل مكونًا مهمًّا من تيار الصحوة الإسلامية.

 

نقصد من هذا، أن لدينا حركة داخل تيار يمثل اختيارها الإسلامي، وهذا التيار يقع داخل تيار الحالة الإسلامية العامة، وعندما يتشكل تيار إسلامي سائد، فهو يتشكل بسبب غلبة رؤية معينة داخله نسبيًّا، وليس كليًّا.

 

فإذا تصورنا المرحلة التي يتحوَّل فيها المشروع الحضاري إلى واقع ينفذ على أرض الواقع، فنقول إنها اللحظة التي يتشكل فيها تيار إسلامي سائد، وبداخله تيار وسطي غالب، وبه أيضًا تيارات إسلامية أخرى؛ فالتيار السائد ليس حالة متجانسة بالكامل، ولكنه حالة عامة بداخلها العديد من التنوع؛ لذا فإن تشكل التيار السائد، يحتاج إلى قدر من الاقتراب بين التيارات الإسلامية المختلفة، لتتفق على مرجعيتها العامة، وتتفق على منهج الإصلاح، فيصبح لدينا تيار سائد يقوم على المنهج الإصلاحي الحضاري الشامل، وبداخله تنوع بين تيارات إسلامية وسطية إصلاحية، وتيارات سلفية إصلاحية، وهكذا، وتلك المرحلة ليست سهلة، فكل ما يحدث الآن من حصار أمني، يقوم أساسًا على زرع الفتن بين مكونات الحالة الإسلامية؛ حتى لا تصبح تيارًا له معالم مشتركة، وتبقى تيارات متصارعة.

 

والسياسة الأمنية في المنطقة، محليًّا وإقليميًّا ودوليًّا، تقوم على تفريق التيارات الإسلامية، حتى لا تصبح حالة لها اتجاه واحد، وحتى تتحول إلى النزاعات والخلافات الداخلية، وربما الحروب بينها وبين بعض، كما أن الخلاف بين تيارات الحالة الإسلامية، ليس سهلاً، ومن غير المتوقع تحويل كل تيارات الحالة الإسلامية إلى تيار واحد متجانس، فالتعدد مهم وضروري؛ لذا فالمطلوب هو تجميع تيارات الحالة الإسلامية داخل وعاء عام، يمثل التيار السائد، ويحمل أسس الإصلاح الحضاري الشامل المتفق عليه، وتبقى التيارات الإسلامية ممثلة للتعددية داخل تيار الإصلاح الحضاري.

 

والتيار السائد يتشكل حول بعض الثوابت والمسلمات الأساسية؛ حيث يصبح الاتفاق حولها سببًا كافيًا لتشكل هذا التيار، وتوحد التيارات الإسلامية داخل وعاء التيار السائد، مع حفاظها على تنوعها الداخلي، واكتشاف الثوابت الأساسية، والتعبير عنها ببساطة، وتحويلها إلى شعارات محددة لتيار عريض، كلها من العلامات التي تنبئ بتشكل وحدة عامة لمسار مختلف التيارات الإسلامية، مما يمهد لبلورة التيار السائد.

 

حقيقة الجماعة

كل الحملة الأمنية الإعلامية المكثفة التي تتعرَّض لها جماعة الإخوان المسلمين، تهدف إلى طمس صورة الجماعة الحقيقية، ونشر صورة مزيفة عنها، والجماعة تحتاج لنشر صورتها الحقيقية، بكل ما فيها، بكل سلبياتها وإيجابيتها؛ فمن يريد مواجهة عملية التشويه، عليه أن يواجهه بفيض من الحقائق، ومزيد من الشفافية، وإظهار للمعلومات؛ مما يتيح تحدي التزييف بالواقع، والواقع بكل ما فيه أقوى من أي محاولة تزييف، وهو أفضل من أي صورة غير حقيقية؛ لذا يصبح من المهم أن تواجه الجماعة سيل التشويه الذي تتعرض له، بإظهار حقيقة أوضاعها كما هي، وجعل واقعها حاضرًا ومعلنًا، بطريقة تمكن الصورة الحقيقية من الانتشار تدريجيًّا بين الناس، لتقاوم كل الصور المزيفة.

 

والجماعة حاضرة إعلاميًّا، كما أنها حاضرة مجتمعيًّا؛ لذا تحتاج لتحويل حضورها الإعلامي والمجتمعي معًا، لأداة لنشر فكرتها والتعريف بحقيقتها، وجماعة الإخوان المسلمين، هي تنظيم يحمل فكرة ويعمل من أجلها، وفي مسار حركته يتخذ قرارات وإجراءات، بعضها يصيب وبعضها يخطئ، ولا يوجد تنظيم مثالي، وكل تنظيم يقاس بالفكرة التي يقوم عليها، وهي الأصل والمركز، ثم يقاس بحركته واختياراته، والتي تحتمل الصواب والخطأ.

 

هي معركة إذن، بين حركة الإصلاح والحصار المفروض عليها، وكلما تجاوزت فكرة الإصلاح الحصار المضروب ووصلت لأبناء الأمة، وكلما تحرك أبناء الأمة تجاه غاية تجمعهم، اقتربت مرحلة الإصلاح والنهوض الحضاري.