استنكرت معظم الصحف العالمية الصادرة اليوم نتائج استفتاء حظر المآذن الذي حصل مؤيدوه على الأغلبية, واعتبرته "صفعة مدوية" و"مدعاة للفزع واليأس", وله "عواقب وخيمة".
وقالت صحيفة "لوتان" الصادرة في جنيف إن السويسريين صوتوا لصالح الحظر بدافع الخوف والأوهام والجهل، معبرةً عن قلقها من تسبب ذلك في الإضرار بشكل بالغ بصورة سويسرا عبر العالم.
وأضافت أخرى: "هذا التصويت إن دل على شيء فإنما يدل على أن سويسرا فقدت ثقتها بنفسها وبمستقبلها", على حد تعبير "بيير أندري شابات" في مقال له بصحيفة "لوكوتيديان جوراسيان".
ويواصل "شابات" قائلاً: "حظر المآذن لا يفيد في تقويض الأصولية الإسلامية، ولن يمكننا من بناء الكنائس حيثما أردنا في البلاد الإسلامية التي تحظرها, بل سيؤثر بدلاً من ذلك سلبيًّا على المصالح السويسرية داخليًّا وخارجيًّا، فالصادرات والسياحة والصناعات الفاخرة وقطاع المال السويسري التي تخشى كلها أن تكون قد فقدت جزءًا من بريقها الثمين بسبب هذا التصويت".
أما في افتتاحية صحيفة "فنت كاتر أير" فجاءت تقول: "هي في الواقع من بين أهم ما يوفر للسويسريين رفاهيتهم".
ويرى المتحدث السابق باسم مسجد حافظ أورديري ردًّا على سؤال لصحيفة "لوتان" أن المقصود بهذا التصويت ليس المآذن وإنما المسلمين؛ فهو تعبير عن رفض المجتمع لهم، مضيفًا: "فنحن من الآن فصاعدًا نحس بأن حريتنا غدت مقيدة, والصفعة التي تلقينا مؤلمة للغاية".
وهو بذلك يعكس- حسب الصحيفة- حجم الصدمة والذهول وخيبة الأمل والمرارة التي دبت في نفوس مسلمي سويسرا.
وترى صحيفة "ليبرتي فريبورج" أن المخاوف المرتبطة بأسلمة سويسرا وبالوتيرة المتسارعة للتمازج بين مختلف مكونات شعبها كان لها الأثر البالغ في حسم نتيجة هذا الاستفتاء.
![]() |
|
مسلمو سويسرا يشعرون بصدمة كبيرة بعد قرار حظر المآذن |
وتحذر صحيفة "لا تريبيون دو جنيف" من أن إهانة الإسلام قد تكلف سويسرا غاليًا, وأشارت إلى أن بعض السويسريين المصدومين نفسيًّا بسبب الأزمة المالية أودعوا صناديق الاقتراع تصويتًا يريدون من ورائه التعبير عن الاحتجاج والريبة، أكثر مما هو تعبير عن الكراهية والتحدي, لكن ذلك تمخض عن قنبلة.
أما الصحف الصادرة باللغة الألمانية فعبرت عن مواقف قريبة، حيث قالت صحيفة "تاغسانتسايغر" إن هذا التصويت قد أحدث شرخًا عميقًا في جسم سويسرا بين طرف "حداثي وعالمي" وآخر "تقليدي وقومي", متنبئةً بأن يعمق هذا التصويت عزلة سويسرا عالميًّا, بل وعزلتها غربيًّا كذلك.
أما صحيفة "نيو زيوريخ تسياتونج" فتحاول تخفيف من احتمالات تداعيات هذا التصويت قائلة: "إن الخطوات التي ستعقب هذا التصويت فوريًّا محدودة, إذ إن المآذن الموجودة أصلاً ليست مهددة, كما أنه لم يكن هناك خطط لبناء عدد كبير منها".
الأمر نفسه تكرر مع عدد من السياسيين الأوروبيين الذين عبروا عن خيبة أملهم من هذه النتيجة، التي عدتها صحيفة بريطانية عارًا على سويسرا ومثار قلق لأوروبا كلها.
وقالت صحيفة "ديلي تلجراف" البريطانية إن كل الجهود التي بذلها كثير من رجال الأعمال السويسريين خاصة من لديهم مصالح بالدول الإسلامية والعربية، وكذلك ما قامت به الحكومة السويسرية وعدد كبير من سياسييها؛ كل ذلك لم يفلح في إقناع السويسريين بالتصويت ضد القرار المطالب بحظر بناء المآذن في سويسرا.
ونقلت في هذا الإطار ردة فعل رئيس لجنة مبادرة حظر المآذن "وولتر ووبمان" بعيد صدور نتائج الاستفتاء حين قال: "نحن سعداء للغاية, فاختيار السويسريين حظر المآذن انتصار لسويسرا ولحريتها ولمن يريدون مجتمعًا ديمقراطيًّا فيها, فهدفنا هو فقط وقف المزيد من أسلمة سويسرا".
لكن الصحيفة نبهت إلى أن كثيرا من السياسيين الأوروبيين والسويسريين على حد سواء عبروا عن خيبة أملهم من هذه النتيجة, إذ عدها رئيس الجمعية البرلمانية للمجلس الأوروبي "أندريس غروس" صفعة في وجه كل من لديه فكرة عن حقوق الإنسان.
وأضاف: "أن هذا ينم عن نقص في المعلومات وفي التربية السياسية في سويسرا, ولهذا انجر الناخبون السويسريون وراء عواطفهم, وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن ديمقراطية سويسرا المباشرة قد فشلت من أساسها".
وقد خصصت صحيفة "الجارديان" افتتاحيتها لنتائج هذا التصويت، واستعرضت في البداية ما قالت إن السويسريين يدعونه لأنفسهم قائلة: "يدعي السويسريون أن بلادهم هي واحة للحياد الإيجابي والتنوع والتسامح, وقد أصبحوا أغنياء بفعل الاتجار والصيرفة بأموال الناس من كل أنحاء العالم, كما أنهم يؤوون مهاجرين أغنياء تركوا بلدانهم هربًا من الضرائب".
وأضافت إن سويسرا تؤوي كذلك مقرات لمنظمات دولية عديدة, بما في ذلك عدد من المنظمات التابعة للأمم المتحدة, وأشارت إلى أن مواطني هذا البلد تنكروا أمس لمظهر "العالمية" الذي هو سمة لبلدهم عندما صوتوا بأغلبية كبيرة لصالح تعديل دستور بلادهم بحيث يتضمن مادة تحظر بناء مآذن المساجد.
وتلك النتيجة -حسب "الجارديان"- تمثل في واقع أمرها وصمة عار في جبين سويسرا ومثار قلق لكل أوروبا؛ إذ رغم أن هذا التصويت كان فقط حول بناء المآذن، فقد استدرج من خلاله الناخبون عبر الدعاية الانتخابية إلى التعبير عن رأيهم بشأن الدين والعرق.
