أزمة حقيقية تعيشها الثقافة في واقعنا المسكين، صارت الثقافة والمثقفون في قطيعة مع الشارع، فلم يعد الشارع مثقفًا (في اصطلاح المثقفين)، ولم يعد للمثقفين صلة بالشارع (في مخيلة الشارع)..
صار المثقفون وهمًا، هم فقط أولئك المتعالمون الذين لا يكفون عن الثرثرة بالمصطلحات الغريبة، والطنطنة بألفاظ غير مفهومة، وشيئًا فشيئًا صار المثقفون تيارًا سياسيًّا أو فكريًّا!! فلا أحد من الـ"مثقفين" إلا ويتبع الفكر الفلاني، أو لا أحد من التيار الفلاني مثقفًا!!.
هذا هو واقعنا المأزوم، أن "الثقافة" صارت لقبًا سلطويًّا أشبه بألقاب الـ"باشا" والـ"بك" التي كان يمنحها مولانا فاروق للمقربين منه، ولكي تحصل على اللقب فلا بد من إرضاء فاروق وحاشيته!!.
كذلك في واقعنا، لكي تكون مثقفًا، ولكي تعتلي منصات التكريم وتحصل على جائزة الدولة التقديرية، ولكي تطبع كتبك ومنشوراتك في مطابع الدولة وعلى نفقة مؤسساتها، ولكي تحصل على حصانة ثقافية بأنك غير قابل للنقد، كذلك لا بد أن تكون على هوى فاروق، وحاشيته أيضًا!!.
فقد نشأت القطيعة بين الثقافة والشارع، وصارت الألقاب التي تمنحها عصبة المتثاقفين السلطوية لا تمت لحقيقة الثقافة بصلة، فالثقافة هي ليست فقط المعرفة، ولكنها ممارسة تلك المعرفة وتأثيرها على السلوك، وممارسات وألفاظ الذين تم تكريمهم على أنهم مثقفون ومفكرون لا تمت لذلك بصلة.
وصار للثقافة أبواب وأسوار عالية، ومفاتيحها حكرًا على فئات محددة وتوجهات معينة، والتوجهات الأيديولوجية حكمًا في الاختيار، والمخالفون يتم التصرف معهم كما لو أن أحدًا لم يسمع بهم ولم يقرأ لهم، ولم يعد الشارع يأبه ويسمع بأمر وزارة الثقافة كثيرًا إلا في للأزمات والكوارث التي تلحقها به.. مثل مظاهرات الاحتجاج على طبع كتابة "وليمة لأعشاب البحر" لحيدر حيدر، واحتراق مبنى قصر الثقافة، وفوز سيد القمني بجائزة الدولة التقديرية، وأخيرًا، رسوب الوزير الفنان في انتخابات اليونسكو.
وعزف الشارع عن القراءة، أو عن ممارسة الثقافة، واختفت الثقافة الجماهيرية أو ثقافة الجماهير، والكتاب الذي تطبعه الدولة ليتلقفه الشعب، والمثقف الذي يحظى بحب الشعب ويعبر عنهم وتتبناه الدولة، وإنما صار بين ثقافة الوزارة وثقافة الشعب ما يشبه الفصام، ولم يعد هناك من يكرم ويطبع، أو يتبنى ويختار بعيدًا عن المعايير الأيديولوجية.
الشباب بدأها
لكن مؤخرًا، يبدو أن هناك حراكًا شبابيًّا آخر لنفض ذلك الغبار، وإثراء الثقافة والانتقاء والتكريم بعيدًا عن هذه الاعتبارات، بدأت بواكير هذا الحراك بين العلاقات الطيبة بين مدونين وأعضاء منتديات الإنترنت على مختلف انتماءاتهم أو خلفياتهم الفكرية، وأخيرًا بدا أن أحدًا (طرفًا) بدأ يقرأ "وينشر" للآخر..
وحضرت حفل توقيع كتاب "مدونات مصرية للجيب" الذي نشر ما يربو على الـ40 تدوينة، كانت من مدونات عديدة لخلفيات فكرية مختلفة، بينها الإسلامي والقبطي والسياسي والكروي و.. و...، الرابط الوحيد بين هذه التدوينات هو الفكرة الجذابة للتدوينة والأسلوب الراقي لصاحبها، بالطبع لم تخل الفكرة من ملاحظات، ولم يخل من انتقادات على بعض التدوينات، ولكن أحدًا قد اهتم أخيرًا بما يكتبه غيره (المخالف له في الفكر).
بعدها توالت المطالبات من مدونين بتكرار التجربة، ولكني لانشغالي لم أتابع إن كانت قد تكررت أم لا، لكنها كانت مبادرة طيبة أعطت أملاً جديدًا، كنت سعيدًا بمتابعتي لها، وتلقفت الكتاب الأول الذي للأسف لم يكن يصلح للجيب كما يوحي عنوانه، وكنت أراها حجرًا في المياه الراكدة ليس أكثر.
تمنيت أن تلتفت مجموعات المثقفين لما قام به الشباب، تابعت الصحف المهتمة بالأدب والمثقفين تقليديًّا، ولكن لم أجد أي إشارة، وخاب أملي (تمامًا كما توقعت)، ولم يتبن أحد هذه المبادرة، إلى أن أتت جائزة الدولة التقديرية لتقول إن أحدًا لم يتعلم من الشباب.
كانت الاختيارات تقليدية، ومتوقعة، وخارج نطاق الاستحقاق، حتى إن أحد الزملاء ذكر لي ثلاثة أسماء ستكون من بين المكرمين مسبقًا لاعتبارات "ما".. وقد جاءت الأسماء الثلاثة من بينهم، ويبدو أن اعتبارات "ما" كانت حاضرة ليس من بينها الاستحقاق الفعلي.
الشباب مجددًا
وهنا جاء الشباب ثانية، وبحركة قد تكون أكثر نظامًا، وبصورة أكثر وضوحًا في التعبير عن ملوا السكوت عن تغييبهم (كمشارك وقارئ) عن المسرح الثقافي، فكان الرفض لما حدث من "مهزلة"- على حد وصف الكثيرين- في جوائز الدولة التقديرية، واتخذ الأمر بعدًا آخر عندما جاءت الفكرة الإبداعية بعمل جائزة بديلة!!.
"لن ندفع مائتي ألف جنيه، سندفع مائتي جنيه فقط ولكن للمستحق"!!، هكذا بدأت فكرة "جائزة الدولة التقديرية بعيون شبابية" كما أطلق عليها واضعوها، بدأت بذرة على مدونة كما أعتقد، وسرعان ما تبناها "شباب الإخوان المسلمون" في منتدى "ساحتنا"، وإمعانًا في الشفافية- في مواجهة الضبابية التي تحيط بالجائزة الأصلية- فقد فتحوا باب الترشيح للجماهير عبر الـ"فيس بوك" والمراسلة و.. و..
كان الأمر طبيعيًّا إلى أن أتى معظم المرشحين من خارج جماعة الإخوان التي أطلق شباب ينتمون إليها الحملة، وبل وكان بعض المرشحين من خارج الوسط الإسلامي ككل، هنا بدأ الأمل يتجدد في أن أحدًا يقرأ ويسمع "ويكرم" الآخر مجددًا.
بالطبع- وكما هو متوقع- فإن من بين المرشحين من هم من أبناء الجماعة، أو من المحسوبين عليها، وقد كنت أتمنى لو كان القائمون عليها إمعانًا في الشفافية قد أغلقوا باب ترشيح المنتمين للجماعة، ولكني قد لا أجد طلبي مشروعًا شرعيةً تامةً، فإذا كانوا مغيبين عن الجوائز الأصلية.. فهل أطالبهم بتغييب أنفسهم بأيديهم عن الجوائز البديلة.. فقط كانت أمنيتي لمزيد من الشفافية، أن يطرحوا ويكرموا غيرهم، وأن نخرج الثقافة من واقعها المأزوم، أن نبدأ في التواصل والتعامل وتقبل الآخر الفكري والأيديولوجي..
لقد كان من الواضح أن الشباب الإخواني القائم على المبادرة يهدف عبر خطابه وعنوان الجائزة أن تكون شبابية وفقط، دون أي وصف مصاحب، ولكن الأيديولوجيات كانت "حاضرة" (بالطبع) في من قاموا بالترشيح، ولكن ما يعطي أملاً أنها لم تكن "مسيطرة"، ولم تكن معيارًا في الترشيح، وأدعوهم ألا تكون معيارًا في الاختيار.
إنني أحيي الشباب الذين طرحوا هذه المبادرات وأتمنى أن يجدوا فعلاً "كقراء وكتاب ومدونين" من يتبناهم وينشئ الروابط الثقافية والثقافة الجمعية ولو بعيدًا عن التحجر والجمود الذي أصاب مؤسساتنا الثقافية الرسمية.
ومن يدري، ربما نجد الشباب يخرجون ليكرموا شخصية غير إخوانية في دعوة التكريم التي أطلقها شباب الإخوان.
----------
* منسق حملة جائزة الدولة التقديرية بعيون شبابية