رغم تصاعد النداءات والرجاءات من رموز الأمة وشيوخها إلى رئيسي مصر والجزائر؛ للتدخل لمنع وقوع ما لا يحمد عقباه قبل وأثناء وبعد مباراة كرة القدم الفاصلة يوم 19/11/2009م، والتي أُقيمت بإستاد المريخ الرياضي بالعاصمة السودانية الخرطوم؛ حدث ما كنا نخشاه، وتحوَّلت المباراة إلى أزمة دبلوماسية وشعبية بين البلدين.
لقد تمَّت المباراة السابقة في القاهرة في 14/11 في أجواء مشحونة، ووسط توتر وقلق شديدَيْن، ونجح المنتخب المصري في الفوز 2/ صفر بما لم يحسم الأمور بصعود أحد الفريقين إلى المونديال (كأس العالم) بجنوب إفريقيا في العام المقبل؛ حيث كان يحتاج إلى فارق أهداف ولو بهدف واحد، وبذلك تساوى الفريقان في كل النتائج.
ورغم كل الخشية والخوف مرت المباراة بسلام، ولم يقع ضحايا ولا قتلى، إلا أن ما حدث خلال الأيام الثلاثة بين المباراتين وشيوع إشاعات كاذبة في بعض الجرائد والمواقع الإلكترونية الجزائرية عن سقوط 7 قتلى في مصر، والاعتداء الذي وقع على حافلة ركاب أقلَّت لاعبي الجزائر، وإنكار السلطات المصرية ذلك الحدث، واتهام اللاعبين بأنهم افتعلوا الحادث؛ أدّى إلى ردود أفعال خطيرة في الجزائر نفسها ضد المواطنين المصريين، والمصالح الاقتصادية الخاصة بمستثمرين مصريين، وأخرى عامة مثل مكتب "مصر للطيران"، ونتج عن ذلك استغاثات مباشرة على البرامج الحوارية (التوك شو) الليلية في الفضائيات المصرية من مواطنين مصريين، يعملون ويقيمون في الجزائر التي احتضنت على مدار التاريخ آلاف المعلمين والأطباء والمهندسين من مصر، وسط ترحيب عارم وحب شديد يعكس روح الأخوة الصادقة، ويترجم ما نسميه "رد الجميل" لمصر التي ساندت ثورة المليون شهيد، ووقفت في مواجهة الإمبراطورية الفرنسية، وتحدت كل الاستفزازات التي وصلت إلى العدوان الثلاثي على مصر بسبب تأميم قناة السويس على 1956م، وقد قام الرئيس الجزائري بومدين برد الجميل أثناء حرب الاستنزاف، ودفع ثمن السلاح الروسي لمصر وقتها.
كانت حصيلة المَوقعة الأولى من الضحايا 22 جزائريًّا ومصريًّا من الجرحى بإصابات طفيفة، ومثلهم أو أكثر من المصريين، وتدمير عشرات السيارات لمشجعين مساكين دفعهم الشحن المبالغ فيه للذهاب إلى الإستاد، ولكن بأيد مصرية وعشوائية تنظيمية وهوس من المشجعين، وإهمال جسيم من شركة دعاية، قامت بنصب شاشة عملاقة في الموقف المخصص للسيارات.
كانت المأساة الكبرى في الخرطوم بالسودان وما تلاها من أحداث أدت إلى استنفار شعبي في مصر ضد الاعتداءات الإجرامية التي قامت بها قلة من المشجعين الجزائريين، عقب انتهاء المباراة وفوز الجزائر، وتشجيع السلطات الجزائرية أو صمتها على ذلك السلوك العدواني، والإهانات المريرة التي لحقت بمصر والمصريين.
إذن هناك عوامل تداخلت لتحويل تلك المبارايات الرياضية إلى موقعة حربية ومعركة حاسمة، وبدلاً من أن تكون الرياضة مدخلاً إلى التآلف والتآخي بين الشعوب، وتُستخدم من الساسة لتكون أداةً دبلوماسية، كما رأينا مؤخرًا في المباراة الودية بين تركيا وأرمينيا، إذا بها تتحوَّل دون وعي أو تخطيط إلى أداة تخريبية لعلاقات دامت تاريخًا طويلاً، ويتحوَّل الأمر إلى ساحة للعراك تسيل فيها الدماء، ويتساقط فيها الضحايا.
أصبح خبر المباراة السابقة وتلك اللاحقة في صدارة نشرات الأخبار، وانتقل الاهتمام إلى وزارات الأمن والداخلية لمنع الاحتكاك بين المشجعين، ولمنع وقوع ضحايا.
كان اختراع الرياضات المختلفة على مدار التاريخ وسيلة لإطفاء النزعة الغضبية والسبعية لدى الإنسان- والتي هي من غرائز الإنسان الأصيلة- في صورة تنافسية ودية، وكانت وسيلة لتكريم المتفوقين في ساحات رياضية شتى منذ أيام الرومان واليونانيين، وما زالت إلى يومنا هذا في الألعاب الأوليمبية التي تتم وفق ضوابط صارمة دون أي مشاحنات.
السبب الأول لذلك التحول هو حال الفراغ واليأس التي تعيشها الشعوب المغلوبة على أمرها وبخاصة الشباب.
ذلك الشباب الذي يمثل وقود تلك المعارك الوهمية يعيش في وضع بائس، فلم يتلقَّ تعليمًا لائقًا بالعصر، ولم يمارس الرياضة الحقيقية في المدارس التي قلَّ عددها وازدحمت فصولها، وتحوَّلت ملاعبها القديمة إلى فصول وخدمات، وانصرف مدرسوها إلى إعطاء دروس خصوصية في مراكز تعليمية خاصة.
وتمَّ تزييف وعي الشباب وحصار الآمال في صدره بعيدًا عن وسائل التربية المعتادة في المسجد والكنيسة والأندية الاجتماعية والرياضية، أو في المدارس والمعاهد والجامعات، وحتى البيوت والعائلات تهاونت في واجبها التربوي، بعد الإنهاك الذي أصاب الآباء والأمهات؛ نتيجة الأزمات الاقتصادية المتتالية التي أرهقت الجميع في عمل متواصل طوال النهار والليل، فلا وقت للجلوس مع الأولاد وتوعيتهم وتربيتهم.
والسبب الثاني هو دور الإعلام الخطير الذي شحن الجماهير وسط ذلك الفراغ، وأشاع الأكاذيب حول الأحداث، وخاصة الإعلام المرئي في الفضائيات التي لم تراعِ مواثيقَ الشرفِ الإعلامي أو على شبكة الإنترنت التي لا تخضع لمراقبة، ولا يتم تدقيق أي معلومات فيها.
والسبب الثالث هو حال الهزيمة في المعارك الحقيقية في ميدان السياسة الداخلية في مواجهة الطواغيت والظالمين، أو في الميدان الخارجي ضد العدوان الصهيوني والأعداء المتربصين بنا الذين باتوا يشمتون في حال الأمة العربية؛ بسبب تلك المباراة التي لا هي مصيرية ولا هي بتلك الأهمية؛ لأن الفائز فيها في نهاية المطاف فريق عربي سيمثل العرب في كأس العالم بعد أن خسرت الفرق الأخرى، وهو لن يقدم أو يؤخر في المباريات بجنوب إفريقيا، بل في الغالب سيعود بخفي حنين بعد الأدوار الأولى.
لقد خسرنا جميعًا المباراة قبل أن تبدأ عندما سادت تلك الروح الغريبة؛ مما دفع العقلاء من المفكرين والدعاة والكتاب إلى المطالبة بتدارك الأمر، ولكن لم تفلح دعواتهم، وجرت الأمور في مسارها السيئ حتى وصلت الأحداث إلى توتر دبلوماسي بين عواصم ثلاث: القاهرة والجزائر والخرطوم، استدعى عودة السفراء للتشاور في محاولة لامتصاص غضب الجماهير الثائرة، مع العلم أن عدد الضحايا صفر، وعدد الجرحى لا يتجاوز الخمسين في المباراتين، وهو أقل ممن يسقط في مشاجرة عنيفة في قرية من قرى مصر، بينما سقط- كما تقول الأخبار- قتلى في الجزائر بسبب الاحتفالات بالفوز.
لقد تحالف ثالوث فاسد وفاشل من ساسة ورجال أعمال وإعلاميين فشلوا جميعًا في إذكاء الروح الوطنية لدى الشعوب في البلدين، وتوجيهها في المسار السليم، وتفريغ طاقات الشباب في رياضات حقيقية أو توظيفهم للتغيير المنشود في مجالات العمل والعلم والريادة، وفشلوا في مواجهة المشاكل الحقيقية لشعوبهم، وكانوا سببًا في استشراء الفساد والاستبداد والإهمال والتسيب، فكادوا أن يشعلوا حربًا في غير ميدانها، ودمروا مشاعر ود وحب سادت عقودًا- بل قرونًا- طويلة بين شعوب مصر والجزائر، وأخيرًا السودان، ستحتاج إلى زمن طويل حتى تندمل جراحاتها.
إنه الفشل والفراغ والاستقالة من المعارك الحقيقية إلى حروب وهمية رياضية، إنه استثمار المشاعر الوطنية الجياشة في غير ميدانها الصحيح.
وأتساءل: لماذا حوصرت تلك المشاعر الوطنية والعروبية في ميادين الإصلاح السياسي الداخلي، وتمَّ ضرب المتظاهرين من أجل إصلاح الدستور أو استقلال القضاء بقسوة بالغة واعتقال الآلاف منهم؟!
وأيضًا لماذا طوردت تلك المشاعر الجياشة أثناء الحرب الحقيقية التي دامت أسابيع طوال على غزة وجنوب لبنان، وتصدى لها أبطال المقاومة في البلدين بأسلحة فردية لا تكافئ أسلحة العدو، وردوه على أعقابه خاسئًا حسيرًا لم يحقق أهدافه، وتمَّ اعتقال العشرات والمئات أيضًا؟!
إنهم الساسة الذين يريدون انحراف بوصلة الأمة، ودفع الشباب إلى المعارك الوهمية بديلاً من خوض المعارك الحقيقية للوطن والأمة.
إذا أردنا أن نحاكم فلنحاكم هؤلاء قبل أن يوردوا الشعب والبلاد موارد التهلكة، فهم الذين تسببوا في سقوط المصابين وتدمير المنشآت والممتلكات، وكان الشباب الغاضب وقودًا لمخططهم الأثيم.