أنا دعوت لهم ربنا ينصرهم ويفرحنا (دا الولد يا حبة عيني مش عارف ينام ويقولي يا ماما سيبيني أعصابي تعبانة جدًّا)، هذا ما تحكيه سيدة في الستين من عمرها لسيدتين معها- ويبدو أنها أمية مثل والدتي رحمها الله- في أحد شوارع المهندسين، وهذا معظم حديث المصريين بمختلف أطيافهم أسبوعي المباراتين وقد رصدت بعض المواقف لما يحدث داخل دولة هي أم الدنيا وقبلة العرب مركز إشعاع علمي للمسلمين.
شاب يحرق والديه ومنزله لرفضهما شراء علم مثل كل الشباب.
جسر جوي ينقل المشجعين إلى جنوب الوادي ومنح مجانية من الحزب الوطني الحاكم للمشجعين، حلقات في الفضائيات تجمع نوابًا بالبرلمان مستقلين وحزب وطني ورؤساء تحرير صحف يجمعون على طرد السفير الجزائري واستدعاء السفير المصري وقطع العلاقات، وجدت بعض الشباب عقب المباراة يمشون منكسرين منكسي العلم المصري يجرونه في الطين، صحت فيهم ارفع يا بني العلم من الطين، رد بعضهم ما يستحق غير هذا، اجتماع مجلس أمن قومي اليوم التالي للمباراة، الابن الأكبر للرئيس في مقابلة مع برنامج البيت بيتهم يتحدث بحزن وألم، ويطالب بالحفاظ على اسم الجزائر وعلم الجزائر أما الشعب الجزائري فهو همج وبربر وصيع يجب أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ولا يقبل اعتذارًا حتى ولو من رئيس الجزائر نفسه، مجموعة من مرتزقة الفضائيات يهيمون مدحًا دون وعي في السودان الشقيق قبل المباراة ثم يكيلون لها السباب والتهم عقب المباراة دون وعي ثم يعودون إلى المدح المفرط بعد ذلك دون وعي، أما عن المثقفين من كتاب- إلا من رحم الله وقليل ما هم- وفنانين ورياضيين وغيرهم فحدث ولا حرج عما كان منهم والجميع بمن فيهم السلطان يتباكون ويتوعدون من يهين كرامة المصري.
وقد حمدت الله تعالى أن الجزائر ليس لها حدود معنا وإلا كان حدث ما لا تحمد عقباه، فكرت في هذه المواقف وغيرها فوجدت أن هذه الملهاة مقصود منها التالي:
- شغل الشعب عن همومه والتي ينبغي أن يحصل على جائزة نوبل على احتمالها بتنوعها وامتدادها والتي لم تترك أحدًا إلا وأصاب منها ما بين فقر وبطالة وغلاء وأمراض لم يعرفها المصريون من قبل، واستبعاد للكفاءات وغل للحريات وتدنٍ في الأخلاق نتج هذا عن ديكتاتورية متوحشة ونظام بوليسي بربري لم يترك فيه الأمن الوقائي شيئًا على الإطلاق إلا وتدخل فيه ليصل التدخل إلى الحصول على ترخيص لدكان لبيع الفول والطعمية، فضلاً عن التوظيف في أي وظيفة بدءًا من شيخ الأزهر ورئيس الوزراء مرورًا برؤساء الجامعات وعمداء الكليات واتحاد الطلاب إلى الوظائف العادية في بعض القطاع الخاص تسبب في ذلك كله فساد المنظومة بكاملها، والتي شهد فيه شاهد من أهلها، وكذا منظمة الشفافية العالمية، ومن المفارقات أن يصدر تقريرها أسبوع المباراة ليتعادل البلدان في المركز الـ112 على مستوى العالم، ولم نسبق سوى الصومال وبعض الدول التي لا تعلم مكانها على الخريطة.
- استبدال الأعداء، وهذا ما ننساق إليه دون وعي أو بوعي ومصلحة؛ حيث كان العدو هو الكيان الصهيوني ثم استبدل بالتناوب بين إيران وصدام حسين لتعود إيران مرةً أخرى، وتستمر ثم الشيعة (السنة) ثم البحث عن عدو من الداخل، وقد وجدت الفرصة سانحة لذلك في مباراة الكرة ليكون العدو الجزائر الشقيق لمصر صاحبة التاريخ والجغرافيا، وقد سمع وشاهد الجميع من موجهي الرأي العام الدفع الرهيب في هذا الاتجاه، وخاصةً من تلفزيون الحكومة.
- فصل مصر بما تعنيه عن العروبة، وقد انساق لذلك كثير من أصحاب الرأي والكلمة والسلطان، وقد قال كثير منهم (أوعى تقوللي عروبة مش عاوزينها العروبة دي اللي تجيب الإهانة للمصريين)، وهذا المعنى فيه من الخطورة ما فيه على بساطة ألفاظه.
- محاولة كسب شعبية للوريث والعائلة المالكة بعد فشله في كسبها عن طريق فوز فريق الكرة ونسب ذلك إليه، فقد أظهر كبطل عاش مع الجماهير لحظات الحرب الكاسحة من جماهير الجزائر العدو، والتي دافع فيها عن كرامة الشعب المصري، ومن ثم التقدم خطوةً في طريق التوريث.
وأستطيع أن أذكر السادة المدافعين بضراوة عن كرامة المصريين بأمور لا تخفى على أحد، وأهمها: ضرب الطيران الإسرائيلي الحدود المصرية مع غزة صباح يوم المباراة وتكرار ذلك مرارًا، قتل الصهاينة للمصريين على الحدود بشكل منتظم وممنهج- حالة أو حالتين سنويًّا-، عشرات المصريين الغرقى سنويًّا في البحر المتوسط بحثًا عن لقمة العيش، عشرات القتلى بحوادث القطارات وما حادث العياط منا ببعيد، آلاف القتلى في حوادث الطرق سنويًّا 7500 العام الماضي- أكثر من قتلى أي حرب خاضتها مصر-، آلاف الموتى سنويًّا من أمراض الكبد والسرطان والكلى بفعل فاعل (المبيدات المسرطنة وتلوث الغذاء والمياه)، عشرات الجرحى في طوابير الحصول على ضرورات الحياة من (خبز، علاج، مستندات رسمية ...الخ)، مئات الشكاوى يوميًّا من إهانة المصري في مراكز الشرطة، عشرات الشكاوى من إهانة المصري في كثير من دول العالم دون أن تقوم السفارات بالدور المقبول، منع بل حظر قوافل الإغاثة (المأكل، الملبس، المسكن) للمصري في غزة، أليس قطاع غزة جزء من مصر قانونًا وعروبةً وإسلامًا حتى الآن؟، مئات المعتقلين من شهور وسنوات دون مبرر، وفي الجعبة الكثير.
معلومة كادت تبكيني ونادرًا ما أبكي دخل اليابان يساوي أحد عشر ضعفًا لدخول العالم الإسلامي بما فيه البترول.
سؤال أترك إجابته للجميع بمن فيهم العقلاء ماذا لو فاز منتخب الكرة المصري وقُتل مائة مصري عقب الفوز؟
وأخيرًا.. يا قوم قليل من الوطنية الحقة، قليل من الإنسانية، قليل من الرشد أليس منكم رجل رشيد؟
----------
* باحث اقتصاد إسلامي