بناء الحواجز
تعمد السياسة الأمنية في مواجهة جماعة الإخوان المسلمين إلى بناء أكبر قدر ممكن من الحواجز المانعة؛ لتشكل تيارًا إسلاميًّا سائدًا، يكون من شأنه فرض رؤيته على النظام الحاكم، وإجبار النظام على تلبية مطالبه من خلال الضغط الشعبي الواسع، فقدرة أي تنظيم يمكن أن تتضاعف، إذا أصبح ممثلاً عن تيار عريض، بكل ما فيه من اتجاهات وتيارات فرعية؛ لذا تحاول السياسة الأمنية ضمان عدم توحد التيار الإسلامي بأي صورة من الصور، وعليه نجد عملية مستمرة لبناء الحواجز بين مكونات الحالة الإسلامية، بصور وأشكال عديدة، ويصل الأمر لحد محاولة زرع الفتنة والتناقض بين مكونات الحالة الإسلامية، وضرب مكوناتها بعضها البعض، وتوسيع هوة الخلاف بينها؛ يحدث هذا على مستوى العلاقة بين التيارات الإسلامية المختلفة، كما يحدث داخل التيار الواحد؛ فكلما زادت هوة الخلاف بين التيارات الإسلامية، كلما استنفدت جزءًا من طاقتها في التنافس فيما بينها.
ترك السياسة
من أهم القضايا التي يحاول النظام الأمني من خلالها توسيع الهوة بين التيارات الإسلامية، هي قضية العمل بالسياسة؛ حيث يسمح للتيارات التي تبتعد عن السياسة بالعمل، ويضيِّق على التيارات التي تعمل بالسياسة، بل يجعل العمل بالسياسة هو حجته في التضييق على العمل الإسلامي عمومًا؛ وبهذا تصبح التيارات التي تعمل بالسياسة هي السبب في ما يحدث من حصار للعمل الإسلامي.
وعليه، تكون جماعة الإخوان المسلمين، وبسبب عملها في المجال السياسي؛ هو المبرر الذي يستخدمه النظام للتضييق على العمل الإسلامي عمومًا، ليجعلها السبب في تعطيل العمل الدعوي، بسبب طموحها السياسي، حسب رؤية النظام؛ مما يجعل تيارات إسلامية أخرى تأخذ موقفًا سلبيًّا من جماعة الإخوان المسلمين، على أساس أن عملها في المجال السياسي، يعطل العمل في المجال الدعوي الإسلامي؛ لذا تتبرأ بعض الاتجاهات الإسلامية من جماعة الإخوان المسلمين، من خلال مهاجمتها ومهاجمة دورها السياسي، حتى تبتعد عن الجماعة، وتبعد أتباعها عنها، وبهذا تفتح لنفسها مجالاً للعمل الدعوي.
يدخل في هذا النطاق، الشرط الذي تضعه الأجهزة الأمنية على أي عمل دعوي، والمتمثل في أهمية نقد جماعة الإخوان، ونقد عملها في المجال السياسي؛ وكأن الهجوم على جماعة الإخوان المسلمين، هو شرط العمل بحرية في المجال الدعوي الإسلامي، كما تركز أجهزة الأمن، في تبرير تضييقها على العمل الدعوي، أنها تفعل هذا حتى لا يتحوَّل أتباع التيارات الإسلامية إلى مؤيدين لجماعة الإخوان المسلمين؛ بمعنى آخر، تضيق أجهزة الأمن على العمل الإسلامي ككل، بدعوى أن أي عمل إسلامي، يمكن أن يصب في النهاية في مصلحة جماعة الإخوان المسلمين، ويزيد من حجم التأييد لها؛ لأن كل نشر للفكرة الإسلامية، هو في نهاية الأمر نشر للمشروع الإسلامي، أي لمشروع استعادة المرجعية الإسلامية الشاملة في الحياة، بما في ذلك المجال السياسي.
دعم التشدد
تلجأ أجهزة الأمن لدعم التيار الأكثر تشددًا في مواجهة جماعة الإخوان المسلمين، حتى تبدو الجماعة وكأنها مرنة أكثر مما ينبغي؛ وهي محاولة لنشر رؤية تعارض العمل السياسي، وتعارض العمل من خلال آليات العمل الديمقراطي، بوصف تلك الآليات غير إسلامية، وبهذا يكون العمل السياسي لجماعة الإخوان المسلمين، من خلال الانتخابات وهي آلية ديمقراطية؛ بمثابة خروج على الفكرة الإسلامية.
ويبدو غريبًا بالطبع لجوء أجهزة الأمن لتلك العملية؛ لأن الرؤى التي ترى عدم مشروعية العملية السياسية، هي رؤى ترفض النظام السياسي القائم ضمنًا، وتعتبره خروجًا على الإسلام، ولكن الأجهزة الأمنية تغامر بفتح المجال أمام هذه الرؤى؛ حتى يبدو العمل السياسي لجماعة الإخوان المسلمين فاقدًا للشرعية الإسلامية، رغم أن ذلك يؤدي ضمنًا لنشر رؤية تؤكد فقدان النظام القائم لأي شرعية إسلامية.
والملاحظ أن الأجهزة الأمنية تتجه بعد ذلك لمحاربة التشدد، تحت زعم أنه يمثل التطرف؛ لأنها في الواقع تخشى في النهاية انتشار رؤى أكثر تشددًا من رؤية جماعة الإخوان المسلمين؛ لأن هذه التوجهات المتشددة يمكن أن تنقلب على النظام الحاكم في نهاية الأمر، ورغم ذلك، تظل الأجهزة الأمنية مهتمة أكثر بدعوة بعض الاتجاهات لنبذ العمل السياسي، والمناداة بطاعة ولي الأمر، وعدم الخروج على الحاكم، وبهذا يحصل النظام أمرًا مهمًّا، وهو نشر فكرة ترك السياسة بين الاتجاهات الإسلامية، رغم أنه يعود لمحاربة الاتجاهات المتشددة؛ خوفًا من تحولها نحو مناهضة النظام الحاكم.
تعميق الفتن
يُلاحظ أن الإستراتيجية المعتمدة من النظام الحاكم تحاول تعميق الهوة بين التيار الصوفي والتيار السلفي والتيار الوسطي، وتحاول تعميق الهوة بين السنة والشيعة، وتعميق أي خلاف يمكن أن يبرز في مجال الرؤية الإسلامية، وحتى تلك الخلافات بين الرموز الإسلامية؛ وتلك العملية تهدف إلى تحويل الحالة الإسلامية إلى حالات لا تربطها أي علاقة؛ مما يساعد على تشجيع التنافس السلبي بين الاتجاهات الإسلامية، وتلك العملية تؤدي إلى تزايد شدة الخلافات، وزرع الفتن بين مكونات الاتجاهات الإسلامية، لأن النظام الحاكم يعتمد أساسًا سياسة "فَرِّقْ تَسُدْ"، في مختلف المجالات؛ فهو يحاول الاستفادة ضمنًا من الخلاف الإسلامي المسيحي، كما يحاول توظيف الخلاف السلفي الوسطي، وتوظيف الخلاف الصوفي السلفي، كما يحاول توظيف الخلاف السني الشيعي، على المستوى الإقليمي، ورغم أن هذه الخلافات موجودة بالفعل، إلا أن السياسة الأمنية تحاول توظيف تلك الخلافات للحد من قوة كل التيارات؛ فهي في النهاية تستفيد من تزايد المواجهات بين التيارات الإسلامية، حتى تتحول تلك التيارات إلى معارك جانبية، وتلك سياسة أصبحت معتمدةً على المستوى الإقليمي، وتغذيها قوى غربية.
ومن الملاحظ، أن وسائل الإعلام تعمل على إبراز كل الخلافات داخل الساحة الإسلامية، وتركز عليها، سواء بسبب البحث عن الخبر، أو استمرارًا لسياسة تفريق الحالة الإسلامية؛ فكل فعل أو قول من شأنه أن يزيد من حالة الخلاف داخل تيار الصحوة الإسلامية العام، تفرد له مساحات واضحة في الإعلام.
وكأننا بصدد مواجهة بين النظام الحاكم وجماعة الإخوان المسلمين في المجال السياسي، وخلفها مواجهة أخرى تحدث بين تيارات إسلامية وجماعة الإخوان المسلمين، على أرض الواقع، تعد تصريفًا للخلاف بين جماعة الإخوان والنظام الحاكم، داخل الحالة الإسلامية.
تمثيل الحالة الإسلامية
أهم ما تهدف له السياسة الأمنية، هو منع جماعة الإخوان المسلمين من تمثيل الحالة الإسلامية بكل تياراتها في المجال السياسي، خاصة أن جماعة الإخوان المسلمين، هي الوحيدة التي تصر على العمل السياسي وتستمر فيه، ومع غياب عمل التيارات الإسلامية الأخرى من المجال السياسي، تصبح جماعة الإخوان المسلمين؛ هي الممثل الفاعل للتيار الإسلامي في الساحة الإسلامية. والنظام يخشى من حصول الجماعة على تأييد كل التيارات الإسلامية؛ حيث إنها التيار الأقرب لهم، من أي قوة سياسية أخرى، فمع غياب أي حركات إسلامية تعمل في المجال الإسلامي، ومع غياب أي أحزاب إسلامية، يمكن أن تتجه الجماهير المؤيدة للتيار الإسلامي الواسع؛ لتأييد جماعة الإخوان المسلمين في الانتخابات، باعتبارها ممثلاً عن التيار الإسلامي، والأقرب لهم من التيارات السياسية الأخرى؛ فإذا حدث هذا، تصبح جماعة الإخوان المسلمين هي ممثلة التيار الإسلامي في العمل السياسي، ولأن النظام يمنع العمل السياسي عن أي تيار أو حركة إسلامية؛ لذا سوف يصبح تمثيل جماعة الإخوان المسلمين للحالة الإسلامية بلا منافس.
وهنا تواجه السياسة الأمنية أكبر مخاطر تتعرَّض لها، فهي لا تستطيع ضمان عدم تحرك الجماهير المؤيدة للمشروع الإسلامي لتأييد جماعة الإخوان المسلمين، رغم أنها تضمن أن لا تنادي رموز التيارات الإسلامية الأخرى جماهيرها بتأييد الإخوان، وهذا ما يدفع الأجهزة الأمنية إلى تشويه صورة جماعة الإخوان المسلمين؛ حتى لا تحظى بدور ممثل التيار الإسلامي، وأيضًا تهتم الأجهزة الأمنية بدفع رموز العمل الإسلامي إلى نقد جماعة الإخوان، من زوايا متعددة؛ حتى يتم تشويه صورتها لدى المنتمين للتيارات الإسلامية المختلفة.
والصورة السائدة في الإعلام عن جماعة الإخوان المسلمين، والصورة التي تنشر في بعض المنابر في المساجد، تجعل جماعة الإخوان المسلمين، متهاونة أكثر مما ينبغي، ومتشددة أكثر مما ينبغي. وهي صورة متناقضة، والحقيقة أنها تمثِّل رسائل متناقضة ترسل لمختلف الأطراف؛ حتى يبتعد عن الجماعة من هم أكثر منها تشددًا أو أكثر منها مرونةً، وفي نفس الوقت يتم التشويش على من لهم موقف مماثل لموقف الجماعة.
ضرب التيار السائد
الملاحظ أن الحرب التي يشنها النظام الحاكم على جماعة الإخوان المسلمين، لا تتوقف؛ فهو يخشى من تلك اللحظة التي يتبلور فيها تيار إسلامي متعدد الاتجاهات، ولكن يعمل لهدف مشترك، وينسق فيما بينه، فالتيار الإسلامي الواسع، بكل تياراته الفرعية، قادر على حمل لواء الإصلاح والتغيير؛ لذا تصبح مهمة بناء الحواجز داخل هذا التيار أساسية لمنع تشكل التيار الإسلامي السائد.