الصورة غير متاحة

 شعبان عبد الرحمن

تحوَّلت قمم الغذاء العالمية المتتالية إلى ما يشبه الأرشيف الدولي الذي يقدم مع كل قمة بيانات دقيقة عن حالة الجوع والفقر في العالم، وقد صار هذا أقصى ما تقدمه هذه القمم لفقراء العالم!.

 

واللافت في هذه القمم أن بياناتها دقيقة جدًّا، خاصةً عندما تقدم مزيدًا من أعداد الجوعى والفقراء لإفزاع العالم بأرقام الضحايا، كما صارت مناسبة لزيادة حالة الإحباط من مساعدات الدول الغنية لمعالجة تلك الكارثة.. وهكذا صارت مثل هذه القمم أشبه بمناحة سنوية تنصبها منظمة الأغذية والزراعة دون أن تُقدِّم شيئًا ملموسًا للضحايا، وكيف تُقدِّم وهي إحدى منظمات الأمم المتحدة التي تمتطيها الدول الكبرى وتسخرها لمخططاتها وسياساتها ومصالحها بصرف النظر عن أرواح الملايين حول العالم؟!.

 

فعلى مدى ثلاثة أيام (16- 18/11/2009م) تابع العالم البيانات المفزعة التي ألقاها المتحدثون في القمة الأخيرة لمنظمة الأغذية والزراعة (الفاو) حول الأمن الغذائي في العالم، وقد كرر الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون ما طالب به في قمم سابقة بإجراء "تغييرات جذرية لنؤمّن غذاءنا، وخصوصًا حماية الطبقات الأكثر فقرًا".

 

وزاد على ذلك بلفت انتباه الحاضرين قائلاً: "اليوم سيموت أكثر من 17 ألف طفل من الجوع.. طفل كل خمس ثوان. ستة ملايين في السنة.. هذا غير مقبول.. علينا أن نتحرك"!.

 

أما منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) فقد استبقت القمة بأرقام مخيفة عن عدد الجوعى في العالم، إذْ أفادت بأن العددَ ارتفع إلى مليار وعشرين مليون نسمة، وهو ما يمثل سدس سكان الأرض، واعتبر ذلك رقمًا قياسيًّا جديدًا في أعداد الجوعى، وغني عن البيان فقد سَجَّلت أعداد الجوعى زياداتٍ متسارعة خلال الفترة من الأعوام 1995- 2006م.

 

فقد ارتفع عدد الجوعى من 825 مليون شخص إلى 873 مليونًا، ثم قفزت تلك الأرقام إلى مليار وعشرين مليون جائع حول العالم.

 

وأستطيع الجزم هنا بأن دول العالم الغنية لن تحرك ساكنًا للإسهام في التخفيف من تلك الكارثة، فكيف تُقدِم على ذلك وهي صانعة الجوع والفقر في العالم، وصانعة القتل والمذابح عبر التاريخ في العالم؟! وإلا فمَن الذي حوَّل دولة غنية مثل العراق إلى بؤرةٍ مخيفةٍ من الفقر والجوع غير الاحتلال الأمريكي؟.. بل إن الولايات المتحدة ما زالت تنفق شهريًّا على الحرب في العراق- أي صناعة الجوع والتخلف في هذا البلد- نحو 5.4 مليارات دولار (معهد دراسات السياسة ومركز السياسة الخارجية الأمريكي)، كما تنفق 9.6 مليارات دولار شهريًّا على الحرب في أفغانستان، أي صناعة الجوع والفقر هناك أيضًا، وأسهم الغرب المتقدم بنصيب وافر في صناعة الجوع والفقر في غزة وربوع فلسطين المحتلة، بل إن أي بؤرة يفترس فيها الفقر والجوع الناس هي من صناعة الدول الغنية؛ أي الدول الاستعمارية الكبرى، ويمكن إدراك ذلك بأي استقصاء بسيط!.

 

ثم مَن الذي يدعم الدكتاتوريات الكبرى اليوم في العالم غير الدول الغنية؟.. تلك الدكتاتوريات التي أفقرت شعوبها ونهبت ثرواتها وأسقطتها في أتون التخلف بعد أن ألقت بها في جحيم الفقر والجوع، وما زالت تلقي بمزيدٍ من البشر يوميًّا تحت خط الجوع والفقر، ولو أن لتلك الدول الغنية قلبًا أو مشاعر إنسانية لوقفت على الأقل إلى جانب تلك الشعوب المسحوقة وخلصتها من طبقات الفساد الحاكمة؛ بالكفِّ عن دعمها ودعم قوتها البوليسية الغاشمة.. لكن المصالح فوق كل شيء!!.

 

في السياق ذاته فإن نفقات الحروب الدائرة في العالم وسباق التسلح يكفي لإطعام البشرية جمعاء ووضعها في مربع الترف؛ لكن للأسف فقد نزحت تلك الخزائن من جانب وصنعت الكوارث والمآسي في بلاد عديدة من جانب آخر، وأسهمت بذلك في صناعة جانب كبير من محنة الجوع والفقر حول العالم.

 

فكيف يُرتجى من الدول الكبرى الإسهام في حل تلك الكارثة وهي من صُنَّاعها؟، ولذلك فقد جاء البيان الختامي باهتًا كغيره من بيانات تلك القمم، ولم يحدد أي التزام أو  يضع جدولاً زمنيًّا بإسهامات من الدول الغنية لحل المشكلة.

 

فقد ذكر البيان الختامي أن المشاركين أكدوا ضرورة "القضاء على الجوع في العالم"، لكن المهلة التي حُددت لذلك، وهي سنة 2025م ألغيت من المشروع الأصلي للبيان، وشددوا بدلاً من ذلك على "ضرورة خفض معدل وعدد الأشخاص الذين يعانون من الجوع وسوء التغذية إلى النصف بحلول 2015م".

 

لقد صرتُ كغيري من الفاقدين لأي أملٍ في مثل تلك القمم، وأكاد أجزم بأن هدفها تجويع الجائع وإفقار الفقير؛ ولذا أتمنى أن تتضمن بياناتها الختامية القادمة توجيه نداءات للدول الكبرى لا تطلب فيها مساعدات، بل تطالبها بالكفِّ عن زيادة رقعة المأساة، والكف عن تصنيع مزيدٍ من بؤر الفقر والجوع في العالم!.

-------------

* كاتب مصري- مدير تحرير مجلة (المجتمع) الكويتية

Shaban1212@gmail.com