ما يُسمى بـ"عملية السلام" بدأ بقرار مجلس الأمن رقم 242 عام 1967م، ثم القرار رقم 338 عام 1973م، والتي أسفرت عن معاهدة السلام بين مصر والكيان الصهيوني، واتفاق "أوسلو" بين منظمة التحرير الفلسطينية والكيان، واتفاقية "وادي عربة" بين الأردن و"إسرائيل"؛ وطوال الفترة من عام 1967م حتى عام 2009م كانت عملية السلام لصالح "إسرائيل"؛ حيث تمكنت من زرع الأراضي الفلسطينية بالمستوطنات، وأوشكت على التهام معظم الضفة والقدس بالجدار العازل، كما أدت عملية السلام إلى إخراج مصر من معادلة القوة وتوازناتها مع "إسرائيل"؛ مما سهل على "إسرائيل" أن تتمسك بالجولان وما تبقَّى من أراضي لبنان المحتلة، وارتكاب أفدح الجرائم في لبنان وغزة؛ حتى أعلن نتنياهو أنه يريد أرض الأجداد، وأن المفاوضات ممكنة بعد اعتراف الفلسطينيين بـ"إسرائيل" كدولة يهودية، بينما قام "الكنيست" بإصدار التشريعات اللازمة لتأكيد يهودية الدولة، والوطن البديل، والولاء للدولة اليهودية تمهيدًا لطرد عرب 1948م، في الوقت الذي تقوم فيه "إسرائيل" بتهويد شرق القدس، وتستبعدها تمامًا من التفاوض.
وقد عمد "نتنياهو" إلى قمع المبادرة الأمريكية، وألزمها بالكف عن مطالبته بأي تجميد للاستيطان.
وقد راود العرب أمل كبير في أن يتمكن "أوباما" من إرغام "نتنياهو" على البدء في عملية سلام جادة، تستند ضمن مرجعياتها إلى مبادرة السلام العربية التي حامت حولها "إسرائيل" بعض الوقت، وتجاهلتها تمامًا، بل وحاولت قلبها رأسًا على عقب، وتذرعت "إسرائيل" بهذه المبادرة حتى تكون أساسًا للاشتباك الجديد الدبلوماسي بينها وبين العرب، فطالبت العرب بالاعتراف بها قبل أن تقدم "إسرائيل" شيئًا مما طلبته المبادرة العربية، وبالفعل ضغطت الإدارة الأمريكية على العرب لتحقيق هذا الهدف؛ ولكنها لم تواظب على هذا الضغط بعد أن خذلها "نتنياهو" واستخف بجهودها ومبادرتها.
كان واضحًا أن العرب أدركوا أن رهانهم على "أوباما" قد سقط، وتشتت الموقف العربي بين أربعة اتجاهات:
الأول: يرى أن عملية السلام كانت وهمًا ومضيعة للوقت، وأن "إسرائيل" استفادت من هذه المدة في تطوير مشروعها؛ ولذلك رأى هذا الفريق أن البديل الوحيد هو دعم المقاومة، وإجماع العرب على ذلك، وهذا الاتجاه سوف يؤدي إلى مواجهة عسكرية بين العرب و"إسرائيل"، ولا أظن أن العرب مستعدون لهذا الاحتمال.
الثاني: رأى أن المبادرة العربية المطروحة منذ عام 2002م يجب التركيز عليها، خاصة بعد أن تمكنت المبادرة من البقاء حتى الآن، وقد رأى ذلك أعضاء لجنة المبادرة العربية الذين قرروا في اجتماعهم بالقاهرة يوم 12/11/2009م بمقر الجامعة العربية أنهم سيوصون بعقد اجتماع طارئ لوزراء الخارجية العرب؛ لعرض هذه المبادرة على مجلس الأمن، والسعي إلى أن يتبنى المجلس مبادئ للتسوية تدور حولها مفاوضات سلام جديدة، هذا الفريق لم يفقد أمله في الدور الأمريكي، رغم أنه سبق أن فقد ثقته في نزاهة هذا الدور إبان ولاية الرئيس "بوش".
أما حماس فترى أن التهديد العربي بتجميد المبادرة يمكن أن يحفِّز "إسرائيل" على الاهتمام بعملية السلام.
ومن الواضح أن "إسرائيل" لا تكترث لمجلس الأمن، وهي واثقة من إحباط عمل المجلس بفضل "الفيتو" الأمريكي، كما يبدو أنها ليست معنية بمصير المبادرة العربية تجميدًا أو سحبًا، ما دامت تضمن المساندة الأمريكية.
أما البديل الثالث فهو ما يلوح به الفلسطينيون من عزمهم علي إعلان دولة فلسطينية من جانب واحد، وتهديد "إسرائيل" باتخاذ إجراءات رادعة ضدهم، في الوقت الذي يستمر فيه الاستيطان وطرد السكان العرب في القدس والضفة الغربية، وقد حددت "إسرائيل" نوع الإجراءات العقابية، وهي فسخ الاتفاقات السابقة مع السلطة، وربما أولها اتفاق "أوسلو" الأساس القانوني الوحيد لوجود السلطة في فلسطين، فضلاً عن اتفاقات "الخليل" و"القاهرة" و"طابا"، وكلها إجراءات تنفيذية لـ"أوسلو"، بما في ذلك اتفاق التنسيق الأمني بين "إسرائيل" والسلطة الفلسطينية؛ إزاء هذا التهديد تراجعت السلطة، وأوضحت أنها سوف تطلب من مجلس الأمن أن يعلن قيام الدولة الفلسطينية على حدود 1967م، وهو أمل لا أظنه ممكنًا من خلال مجلس الأمن.
وهناك بديل رابع لوحت به السلطة الفلسطينية، وهو حث الشعب الفلسطيني على التصدي لسلطات الاحتلال، ولكن توغل "إسرائيل"، وبرامج الاستيطان، والاستحكامات الأمنية في الضفة؛ تجعل هذا الاحتمال صعب التنفيذ.
هكذا وَضَعَ العالمَ العربي في مأزق خطير؛ بسبب المواقف الأمريكية و"الإسرائيلية"، في ظل هذه الأزمة أظن أن العالم العربي يدرك أن الوقت يمر لصالح "إسرائيل" ما دامت تحوز الأرض وتهودها يوميًّا، وتطرد سكانها العرب بشكل منتظم ومبرمج، وأن المطلوب من العالم العربي هو عمل يرغم "إسرائيل" على وقف التوسع، ولكن نظرًا لأن هذا التوسع جزء من المشروع الصهيوني، فإن المهمة العربية تصبح أشد عسرًا؛ لأن العرب مطالبون بعمل يكون من الحزم والقوة، بحيث يمكنه إما وقف المشروع واختزاله كحد أقصى، أو تحقيق الحد الأدنى وهو إرغام "إسرائيل" على تسوية نهائية مع الفلسطينيين، تحفظ لهم ما تبقى من أراضيهم، خصوصًا في القدس والضفة الغربية.
ولا يمكن القول إن العرب عاجزون عن العمل ضد "إسرائيل"؛ لأن الحديث في هذا الاحتمال يثير على الفور المواجهة العسكرية، وما ينطوي عليه هذا الاحتمال من خوف عربي من القوة العسكرية "الإسرائيلية"، ولكن الحزم مع "إسرائيل" يمكن تحققه بعزل "إسرائيل" كما كانت، قبل أن تنعم بثمار السلام العربي معها بمعاهدات السلام.
من ناحية أخرى، فإن مرونة الموقف الأمريكي مع "إسرائيل" أمر طبيعي ما دامت "واشنطن" تحقق مصالحها بيسر واطمئنان مع العالم العربي، أما إذا تحققت هذه المصالح إذا تجاوبت مع المطالب العربية، فسوف تشعر "واشنطن" أن مرونتها مع "إسرائيل" وتشجيعها على إغفال المطالب العربية يكلفها الكثير في علاقات "واشنطن" مع العرب.
هذا هو الاحتمال الوحيد الباقي الذي يتطلب إرادة سياسية قوية؛ لأن البديل لهذا الاحتمال هو التسليم لـ"إسرائيل" باستكمال مشروعها الصهيوني فيما تبقى من أراضي فلسطين.