د. زكريا سليمان بيومي
سُئل أحد المفكرين اللامعين عن طبيعة الدعوة إلى الله؟ فأجاب: هي مجموعة من القيم والمبادئ، يعيش الإنسان لها لا أن يعيش بها، هي أن تحيا من أجلها باذلاً كل ما في وسعك لنصرتها وتوضيحها وتنقيتها ونشرها، لا أن تتخذ منها سبيلاً للارتزاق وجمع المال وكسب الجاه من حولها؛ وهكذا تكون كل القيم النبيلة الوطنية، والأخلاق، والعدل، والحرية؛ فالولاء النقي للوطن هو تغليب مصلحته على مصالح الأفراد إن تضاربت وبُذل الجهد لرفعته في أي موطن من مواطن العمل، وحب الخير لكل من يعيش على أرضه مهما كانت توجهاتهم، هذا هو المعنى الحقيقي للوطنية، وأعلى درجات حب الوطن هي التضحية بالنفس في سبيله دفاعًا عن ترابه وأهله وعرضه، هذه هي الوطنية التي تستوجب التكريم والاحتفاء، وهؤلاء هم مَنْ وصفهم المولى بالرجال الذين يصدقون فيما عاهدوا الله عليه.

وشعب مصر له نصيب وافر من النضال والجهاد في سبيل نصرة الحق وإعلاء القيم، شهد به الأنبياء، فباركه السيد المسيح عليه السلام، وشهد له محمد صلى الله عليه وسلم، وتاريخه.. الحديث خير شاهد منذ تضحيات أبناء مصر في 1948، 1956، 1967، 1973م، فرصيد الشهداء خلال هذه الفترة كبير، وهذه هي الفئة الأولى التي تستحق قبل غيرها التكريم، تكريم لدورهم، وتكريم لذكراهم، وتكريم لمن شاركهم، ولم تكتب له الشهادة مثلهم، وتكريم لأبنائهم، وتكريم للأرامل الذين حملوا رسالتهم في أبنائهم، هذا هو حقهم على الوطن، وهذا هو العدل لمن يريد أن يحيي القيم والمبادئ.
على أننا فوجئنا بمناسبة ذكرى حرب أكتوبر أن نقابة المحامين المنوطة بالدفاع عن العدل تقيم حفل تكريم لمن اصطنع الحدث التاريخي من الممثلين لا لمن صنعه، للذين قاموا بتمثيل أدوار الأحداث المهمة، لا لمن قام بها فعلاً، وكثير منهم ما زال على قيد الحياة؛ فهل في ذلك عدل؟ هل نداوي جراح الانتماء للوطن بالدواء البديل والدواء الأصلي متوفر؟
القول الذي يعرف طريقه للقلوب؛ هو قول البطل الحقيقي الذي صنع الحدث مهما كانت لغته ركيكة، فهو الصدق بعينه، وليس بالكثير عليه لقاء ما قدم أن نكرمه التكريم اللائق به، وهو تكريم غير مدفوع الأجر بدلاً من الذين حاولوا قراءة أدوارهم بصعوبة، ونالوا أجرًا عاليًا بسهولة.
وقد يبرر ذلك بأنه تجسيد للحدث لتعريف الأجيال الجديدة به، والرد أن الذين صنعوا الحدث ما زالوا أحياء يستطيعون القيام بهذا الدور بدلاً من الكتابة المنقوصة، والتمثيل الخالي من إدراك أبعاد الحدث.
ولعل أبلغ رد على ما قامت به نقابة المحامين جاء في تكريم الكنيسة الكاثوليكية للفنان عمر الشريف الذي رد على عبارات التكريم والإطراء التي طرحها المقدمون بأنه لا يستحق كل هذا، وأن الأولى بالتكريم هو من يقدِّم خدمات جليلة للوطن طبيبًا أو مهندسًا أو جنديًّا، وبالطبع يفوق كل هؤلاء الشهيد، وذكر أن دوره ينحصر كفنان في قراءة أوراق تحمل أفكار غيره، ويحصل على أجر كبير يفوق التصور.
وهناك رد آخر في نفس يوم تكريم نقابة المحامين لمصطنعي الأحداث، أتي من خلال برنامج تليفزيوني يقدِّمه صحفي مصري، يعبِّر عن قلوب المغلولين المقهورين في بلادنا؛ وهو الأستاذ محمد الشافعي الذي لا تربطني به سوى صلة الإعجاب؛ حيث يقدم على قناة (دريم) صورًا حية من الذين قدموا أرواحهم فداء مصر أرضًا وشعبًا، فيشيد بمن قضوا نحبهم من الشهداء، ويكرِّم من ينتظر ممن بقي منهم على قيد الحياة، ويقدِّم لتاريخ مصر خدمة جليلة في توثيق الحدث بلسان صانعيه، دون أن يبحث عن الشهرة من خلال استضافة مصطنعيه.
تحية للفنان عمر الشريف، وتحية لرمز من عشاق مصر الأستاذ محمد الشافعي الصحفي بدار الهلال، وتحية لمن سافر للدفاع عن الشهيدة مروة الشربيني، وسؤالي للمسئولين عن الجانب الثقافي في نقابة المحامين؛ ألم يكن من الأولى تكريم شهداء المحامين على الأقل أو أبنائهم أو الأرامل الذين تولوا المسئولية بعد استشهاد أزواجهم بدلاً من تكريم مَنْ قاموا بأدوار كُتبت لهم وملأت جيوبهم؟ وهل في ذلك عدل أيها المدافعون عن العدل؟!
-----------
* أستاذ التاريخ الحديث- جامعة المنصورة