تمسكت جماعة الإخوان المسلمين عبر تاريخها بمنهج الإصلاح الحضاري الشامل، مستهدفةً تحقيق وحدة الأمة ونهضتها، وواجهت الجماعة- وما زالت- حصارًا خانقًا من قِبل الأنظمة الحاكمة المتعاقبة وبدعم غربي، يستهدف إفشال محاولاتها في الإصلاح، وبين فعل الإصلاح، وفعل الحصار الأمني، تتشكل ملامح المعركة الدائرة منذ عقود، وفي داخل المعركة انتصارات وإخفاقات، تنتج من طبيعة المنهج الإصلاحي، ونوعية الحصار الأمني الذي يستهدفه، وتتوالى سلسلة الفعل ورد الفعل، فعملية الإصلاح الحضاري هي الفعل الأول الذي يعقبه الحصار الأمني الذي يحاول إفشال الإصلاح، ثم تستمر عملية الإصلاح لترد على الحصار الأمني، وهكذا تدور دائرة الصراع بين محاولة الإصلاح الحضاري الشامل، وبين محاولة فرض الاستبداد القائم على الالتحاق بالغرب.
وتتشكل مساحات للمواجهة، تمثِّل نقاط التحدي الرئيسة؛ حيث تهدف إستراتيجية الحصار الأمني إلى حصار عملية الإصلاح الحضاري الإسلامي في حدود بعينها لا تتجاوزها، وتحاول حركة الإصلاح اختراق تلك الحدود؛ حتى تخترق الحصار الأمني وتحقق هدفها، فالمواجهة بين النظام الحاكم وجماعة الإخوان المسلمين، تتركز على محاولات النظام لحصار مشروع الجماعة في نطاق محدود، ومحاولات الجماعة لتعدي تلك الحدود ونشر رؤيتها في أرجاء المجتمع المصري، ومآل تلك المواجهة يرتبط في جانب منه بما يحدث على أرض الواقع، فكلما استطاع النهج الأمني حصار الجماعة داخل حدود معينة، كلما تأجل مشروعها، وتراجعت قدرتها على تحقيقه، وكلما استطاعت الجماعة الخروج من الحدود المفروضة عليها، فشل النهج الأمني، وتحركت الجماعة نحو تحقيق هدفها؛ لذا يصبح اكتشاف المناطق التي تمثِّل ذروة المواجهة بين الطرفين؛ كاشفًا لمصير تلك المواجهة في المستقبل.
الانتشار المجتمعي في الشرائح العليا
ينظر البعض لمدى انتشار جماعة الإخوان المسلمين في المجتمع، من خلال حجم التأييد الشعبي لها.
ولكن الأمر يرتبط أيضًا بمناطق الانتشار ونوعيته، كما يرتبط بحجمه، والإستراتيجية الأمنية تهدف إلى حصار الجماعة عن التمدد في المجتمع، كميًّا ونوعيًَّا؛ فالملاحظ في منهج النظام الحاكم، محاولته لمنع الجماعة من التمدد في مساحات محددة داخل المجتمع، خاصةً في الشرائح العليا منه.
فالنظام الحاكم يحاول جعل الشرائح العليا مؤيدة له؛ لأن كل ما قام به حتى الآن من سياسات اقتصادية ومالية لم يحقِّق فائدة إلا للشرائح العليا، فالنظام لم يحقق مكاسب للشرائح الوسطى أو الدنيا؛ لذا يرى ضمنًا أهمية تأييد الشرائح العليا له، ومنها بالطبع الشريحة العليا من الشرائح الوسطى، وحيث إن تلك الشرائح هي التي حققت قدرًا من التحسن والنمو في عهد النظام الحالي؛ لذا يحاول النظام جعلها كتلة مؤيدة له، بل ويحاول جعلها كتلة تخشى من أي تغير سياسي كبير، ويجعلها أيضًا تخشى على وجه الخصوص من وصول الإسلاميين للسلطة، خاصةً جماعة الإخوان المسلمين.
وتمثل الشرائح العليا تلك الفئة المسيطرة على الثروة الاقتصادية للبلاد، والتي تدير عجلة الاقتصاد الوطني؛ وهي بهذا تملك الكثير من مقومات القوة والتأثير، ويمكن أن يكون تحركها فاعلاً ومؤثرًا على الأوضاع العامة في البلاد؛ لذا يرى النظام أهمية تنقية الشرائح العليا من أي فئة تؤيد جماعة الإخوان المسلمين، أو المشروع الإصلاحي الحضاري الإسلامي عامة، وحدث هذا بالفعل عندما بدأ النظام يدخل في مرحلة التنمية الرأسمالية، منذ نهاية ثمانينيات القرن الماضي؛ حيث بات النظام يفرز رجال الأعمال الذين تتوسع أعمالهم، ليتأكد أنهم لا يوالون جماعة الإخوان المسلمين، ولا ينتمون للفكرة الإسلامية.
واستمر هذا النهج، مدعومًا بالهجوم الأمني المتواصل على رجال الأعمال المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين؛ حيث حظا خيرت الشاطر القيادي البارز بالجماعة بالعديد من الهجمات الأمنية لتصفية أعماله، منذ عام 1992م، وحتى عام 2006م، والضربة الأمنية التي وجهت للعديد من رجال الأعمال في عام 2006م، ومنهم النائب الثاني للمرشد العام خيرت الشاطر؛ لم تهدف فقط لتجفيف المنابع المالية والاقتصادية لأعضاء وقيادات الجماعة، بل هدفت أيضًا لتخويف رجال الأعمال من الانتماء للجماعة، ومن التعاطف معها، وأيضًا هدفت لتخويف المستثمرين الأجانب من مشاركة رجال أعمال لهم علاقة بجماعة الإخوان المسلمين.
كما لوحظ تركيز النظام الحاكم على خطورة وصول الإخوان إلى السلطة، وأفترض أن ذلك سيؤدي إلى قطع العلاقات الاقتصادية مع مصر من قِبل الدول الغربية، بما ينتج عنه إلحاق الضرر برجال الأعمال، وكما يقال، فإن رأس المال جبان؛ لأنه يمكن أن يتعرض لهزات وضربات قاضية، والنظام يعمل على تخويف أصحاب رأس المال، ليزيد مخاوفهم، حتى يؤثر على مَن يدعم جماعة الإخوان المسلمين، أو من يتعاطف معهم، أو من يتعاطف مع المشروع الإسلامي، ويصور للجميع أن أي تغيير في نظام الحكم سوف يقضي على مصالحهم.
والأمر لا يتوقف فقط على رجال الأعمال، أو الأثرياء، ولكن يمتد أيضًا للنخب، وهي تلك الفئات التي تتقلد المناصب العليا في مختلف مجالات النشاط، ومنها الفئات التي تتصدر العمل العام بمختلف مجالاته؛ فالشريحة المهنية والوظيفية العليا، ومعها الشريحة العليا من الخبراء والمختصين، تمثل فئة لها تأثير على المجتمع، كما أن لها حضورًا إعلاميًّا، وتؤثر في الرأي العام، وكل من ينتمي للشريحة المؤثرة إعلاميًّا، والحاضرة في الوعي العام، يعد ضمنًا شخصية مؤثرة، والنظام يحاول منع وجود أي شخصية تنتمي لشريحة النخبة من جماعة الإخوان المسلمين، ومثال الداعية عمرو خالد حاضر في الأذهان؛ فعندما أصبح الداعية الشاب ضمن الرموز المؤثرة على الرأي العام، كان عليه ترك جماعة الإخوان المسلمين، فلا يمكن الجمع بين العضوية في الجماعة والحضور الإعلامي المؤثر على الرأي العام، وقد رأت الجماعة أن من مصلحة الدور الذي يقوم به عمرو خالد أن يترك الجماعة، فتوافق الطرفان على ذلك؛ ولكن المعنى المهم هنا، يتمثل في محاولة النظام لحصار شريحة النخبة في المجتمع، حتى يبعدها عن أي تمدد لجماعة الإخوان المسلمين داخلها، فالنظام يخشى من مواجهة تضعه أمام أسماء بارزة من شريحة النخبة في المجتمع، يمكن أن تؤثر على عامة الناس وتجذبهم لتأييد الجماعة.
الانتشار المجتمعي في الشرائح العمالية
ورغم المقابلة الواضحة بين الشريحة العليا في المجتمع، والشريحة العمالية؛ إلا أن النظام يرى أن التمدد داخل الشريحة العمالية من قِبل جماعة الإخوان المسلمين، يمثل خطرًا عليه، مثل التمدد في الشرائح العليا، وموقف النظام تجاه العمال يختلف عن موقفه تجاه الفلاحين.
فالعمال يمثلون شريحة مهمة من الأيدي العاملة مثل الفلاحين، ولكن العمال موجودون في المدن وفي المصانع، وهم على مقربة من المدينة والعاصمة، والعمال أيضًا يحضرون في تجمعات كبيرة، خاصة في المناطق الصناعية، وأي تحرك لهم، يمكن أن يكون منظمًا وفاعلاً ومؤثرًا، ويمكن أن يتجه مباشرةً للمدينة وللعاصمة نفسها، وهم في التصور العام، يمثلون شريحة مهمة في المدينة، وهم أيضًا فئة مؤثرة على رجال الأعمال، وبيدهم حركة المصانع وحركة الاقتصاد، وحركة التصدير، وهم بهذا يمثلون فئة ذات تأثير عالٍ، وبالنظر لوجودهم في تجمعات، وإمكانية تحريكهم بصورة منظمة؛ تصبح شريحة العمل ممثلة لمنطقة بشرية حية وفاعلة.
لذا نجد النظام الحاكم مهتمًّا بالحد من وجود جماعة الإخوان داخل الشرائح العمالية، وهو ما ظهر من السيطرة الكاملة على نقابات العمال، بصورة تختلف عن أي نقابات أخرى؛ فالنظام لا يريد أي وجود لأي قوة سياسية مؤثرة داخل شريحة العمال، خاصةً جماعة الإخوان المسلمين؛ لذا يترك الجماعة تنتشر بين شريحة الفلاحين أكثر من انتشارها بين شريحة العمال، رغم أن كلتيهما من الشرائح الدنيا في المجتمع من حيث حظوظهم في المستوى الاجتماعي والاقتصادي، ويلاحظ أيضًا أن تمدد الجماعة في المناطق الريفية لا يمكن وقفه، فالنظام الحاكم نفسه غير حاضر في الريف المصري؛ حيث يتمتع الريف بقدرٍ من الاستقلال الذاتي، بحكم تقاليده وأعرافه، والتي تحول دون سيطرة النظام الحاكم عليه، كما يحدث في المدن.
كما أن الريف المصري يشهد حالة ترابط أسري واجتماعي مرتفعة، ولم تؤثر عليها أنماط الحياة في المدن نسبيًّا؛ لذا يصبح الريف أكثر منعة اجتماعيًّا، وقادرًا على مواجهة تغلغل النظام الحاكم داخله.
كما أن أجهزة الأمن نفسها، لا تستطيع السيطرة على الريف، قدر سيطرتها على المدينة، ولكن الأمر يختلف في التجمعات العمالية المخترقة من الأمن والنظام الحاكم، والتي توضع تحت السيطرة المباشرة والمتابعة الأمنية اللصيقة.
ولعل مشهد الغضب في المحلة الكبرى شاهد على ذلك، فقد استعد النظام ليوم 6 أبريل بصورة مكثفة، تؤكد أنه يرى ضمنًا في تحرك العمال خطرًا داهمًا عليه، وأدركت جماعة الإخوان حساسية المعركة، ولم تشارك فيها، وكان من الممكن أن تتحول تلك الحادثة إلى محرقة كبرى لجماعة الإخوان المسلمين، إذا اشتركت فيها بفاعلية.
الانتشار المجتمعي والفئة الحرجة
الناظر لتاريخ الحياة السياسية المصرية، يعلم ضمنًا الدور البارز للطلاب في الحياة السياسية المصرية؛ خاصةً في المواقف واللحظات الحاسمة، والمتابع لدور الطلاب في الاحتجاج السياسي، يعلم أن دورهم لا يقل أهميةً عن دور العمال، فهم أيضًا شريحة توجد في تجمعات خاصة بها، وداخل حرم جامعي، كثيرًا ما اعتدى الأمن على حرمته بسبب دور الطلاب البارز في تحريك الحياة السياسية؛ لذا ظلَّ تأثير حركة الطلاب والعمال معًا علامة بارزة في لحظات الحراك السياسي الفاعل.
وبالطبع تختلف فئة الطلاب، في أنها لا تؤثر على عجلة الإنتاج ولا على الأوضاع الاقتصادية، ولكنها تتميز بأنها الفئة القادرة على الحركة الفاعلة، والقادرة على المغامرة والقادرة أيضًا على المخاطرة؛ لأن الطالب لا يرتبط بقيود الحياة اليومية، وهو يقبل على المستقبل، ويهمه هذا المستقبل، ويرى أنه المالك الأصلي للمستقبل؛ لذا تصبح شريحة الطلبة، من أهم الشرائح حيويةً وقدرةً على الحركة.
ولكن جماعة الإخوان المسلمين حاضرة في الشريحة الطلابية ومنذ بدايتها زمن مؤسسها ومرشدها الأول، بصورة مكثفة وفاعلة ومؤثرة، وهي الآن أيضًا، توجد داخل شريحة الطلبة بصورة مكثفة، خاصة في مستوى الجامعات المصرية، كما أنها موجودة داخل فئة أعضاء هيئة التدريس بصورة ملحوظة ومؤثرة؛ مما يعني أن الشريحة الطلابية الجامعية، لم تقع تحت سيطرة النظام الحاكم، ولم يتمكن من التعامل معها بصورة تكسبه السيطرة عليها، فهي فئة توجد في تجمعات، ولكنها لا تخضع لنظام إداري، مثل العمال، وهي فئة تتعلم، ولا تعمل مقابل أجر؛ لذا تصبح السيطرة الإدارية عليها غير ممكنة، كما أن السيطرة عليها من خلال قرارات الحرمان والمنع من دخول الامتحان، ليست مؤثرة بالصورة التي تخضعها إلى سيطرة الأمن.
ورغم وجود الأمن بكثافة داخل حرم الجامعة، وإدارته للجامعة من وراء الستار؛ إلا أن كل ذلك لم يحقِّق للنظام الحاكم السيطرة التي يريدها على الحرم الجامعي، وعلى الشريحة الطلابية عمومًا، وظلت تلك الشريحة حيةً ومؤثرة، وتقوم بدور واضح داخل المشروع الإصلاحي الإسلامي.
الانتشار المجتمعي والنسبة الحرجة
رغم أهمية الانتشار النوعي لجماعة الإخوان المسلمين بالنسبة للنظام الحاكم، إلا أنه يولي اهتمامًا كبيرًا بالانتشار الكمي، فمجرد تزايد أعداد المؤيدين للجماعة في المجتمع المصري عمومًا، يؤدي إلى ضعف قدرة النظام على السيطرة على الجماعة أو الحدِّ من دورها، حتى وإن كان هذا الانتشار محدودًا في فئات بعينها، ومتزايدًا في فئات أخرى؛ فحجم عضوية الجماعة، وحجم المؤيدين لها، يمثل الرقم الأصعب في معادلة المواجهة بين النظام الحاكم وجماعة الإخوان المسلمين، فلا يوجد نظامٌ قادر على مواجهة نسبة معتبرة من المجتمع، ولا يوجد نظام أيضًا قادر على حصار نسبة عالية من المجتمع، ومعنى هذا ضمنًا، أن تزايد أعداد المنتمين للجماعة والمؤيدين لها، يؤدي إلى فقدان النظام للقدرة على السيطرة على الجماعة ونشاطها مع الوقت؛ مما ينتج عنه تزايد نشاط الجماعة، وقدرتها على القيام بأنشطتها خارج أي نوع من الحصار؛ مما يؤدي إلى توسعها في الانتشار أكثر، وعندما تبدأ عملية الخروج من دائرة الحصار تدريجيًّا؛ فإن تلك العملية مع الوقت تصل بالجماعة إلى النسبة الحرجة، أي إلى الوجود في المجتمع بنسبة لا يمكن للنظام السيطرة عليها أو حصارها؛ فمعروف أن النظم المستبدة تستطيع حصار فئة، تسميها عادة فئة ضالة أو محظورة أو ما شابه من أسماء، ولكن النظام لا يستطيع الوقوف أمام فئة واسعة من المجتمع، أي شريحة لا يستطيع أن يعتبرها فئة خاصة أو حالة خاصة، ولن يوافق عامة الناس على تصويرها بأنها مجرد مجموعة؛ لذا يصبح وصول أي حركة معارضة داخل المجتمع إلى نسبة حرجة، سببًا في تراجع قدرة النظام على مواجهتها تدريجيًّا؛ مما يجعلها قادرةً على تحقيق مشروعها الإصلاحي في نهاية الأمر، بدفع من قوة الجماهير المؤيدة لها.
لذا يعمل النظام الحاكم على إرهاق جماعة الإخوان المسلمين واستنزاف قدرتها؛ حتى يحاصر معدل نمو الجماعة في المجتمع المصري، ليس فقط النمو العددي، بل الأهم النمو كنسبة من المجتمع.
فحصار الجماعة يعتمد على حصارها داخل نسبة معينة من المجتمع المصري لا تتجاوزها، حتى وإن كانت تزيد عدديًا؛ حتى يمنع الجماعة من الوصول إلى النسبة الحرجة، أي النسبة التي تمنعه من حصار الجماعة في البداية، ثم تمنعه من مواجهتها في نهاية الأمر، وتلك النسبة أيضًا هي النسبة الحرجة للفعل الشعبي المؤثر، أي النسبة التي تمثل تجمعًا شعبيًّا، يصعب الوقوف أمامه والحد من تأثيره، وهي بهذه النسبة التي تمكِّن الجماهير من الضغط على النظام لتنفيذ مطالبها، فأي حركة اجتماعية سياسية، تصل إلى نسبة معينة من التأييد الإيجابي داخل المجتمع، تستطيع أن تفرض رأي الناس على النظام الحاكم، وتمثل قوة ضغط شعبي فاعل على النظام؛ لأن النظام بمنهجه الأمني يستطيع الوقوف أمام فئة من الناس، ولكن إذا توسعت تلك الفئة إلى نسبة معينة من المجتمع؛ يصبح من الصعب عليه الوقوف أمامها بالقوة الأمنية، لما يؤدي له ذلك من تفجر حرب داخلية، تقضي على النظام نفسه.