شعبان عبد الرحمن

 

الأسبوع الماضي زار الدكتور محمود الزهار القيادي البارز في حركة حماس بقطاع غزة الكويت؛ للمشاركة في مناقشات منتدى البرلمانيين الإسلاميين، وقد كان الالتقاء بالرجل فرصة نادرة؛ لسببين:

 

الأول: لأنه قادمٌ من ميدان الحصار والحرب التي لم تتوقف على غزة؛ وهو واحد من القادة الفاعلين والمحركين لتلك الأحداث من جانب، وأحد القادة المستهدفين من الصهاينة من جانبٍ آخر، ومن هنا فإن الاستماع من رجل مثله عن غزة تكون له قيمة كبيرة في استجلاء المواقف، وتجسيد الواقع، واستشراف المستقبل.

 

الثاني: قضية المصالحة الفلسطينية والاحتكاك المتواصل بين السلطة وحماس؛ حيث يعد الدكتور الزهار أحد قيادات الفريق المفاوض الفاعلين، والمطلعين على كثيرٍ من التفاصيل المهمة.

 

وقد لفت انتباهي في حديثه مجموعة من النقاط المهمة، تضمنت معلومات تعلن لأول مرة- أو على الأقل أسمعها أنا من مسئول لأول مرة- تتعلق بعلاقة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، والرئيس المنتهية ولايته محمود عباس، وبالمقاومة، وبالحصار، وبمحمود الزهار شخصيًّا، وبأفراد الحكومة في غزة، وأوضاعهم المالية ومعايشتهم للناس.

 

فيما يتعلق بالرئيس عرفات، أفاض الزهار في الحديث عن حملات الاعتقال والتعذيب التي شنَّتها السلطة برئاسة عرفات على كوادر حماس وقادتها، تنفيذًا لاتفاق أوسلو، وتحدَّث عن أهوالٍ من التعذيب لقيها في سجون السلطة في غزة، وأنه عاش في زنزانة انفرادية مائة وخمسة أيام، مورس عليه فيها تعذيبًا شديدًا أدَّى لكسر أربعةٍ من عظامه، وتم تركه فترةً طويلةً دون علاج، وهكذا حدث مع معظم قادة حماس في غزة على يد سلطة عرفات في ذلك الوقت.

 

لكن ذلك لم يمنع الرجل من شهادة حق لصالح الرئيس الراحل عرفات، فقال: كانت المقاومة في عهد "سلطة أوسلو" تكاد تكون متوقفة تمامًا بسبب ضغوط السلطة، لكن عندما عاد عرفات من مفاوضات "كامب ديفيد 2" في عهد الرئيس الأمريكي "كلينتون"، وبالتحديد عام 2000م، وشعر "عرفات" أنه لن يحصل على شيءٍ من الأمريكان والصهاينة، فاتصل "عرفات" بحركة حماس، وأبلغها بعدم ممانعته من تنفيذ عمليات استشهادية؛ وذلك موقف يُحسب لعرفات في سجل إيجابياته، وإن كان قد اتخذه بعد أن ذاق الأمرَّين من الصهاينة والأمريكان، دون الحصول على شيء.

 

يقول الزهار: إن ذلك الموقف من عرفات فتح الباب واسعًا للمقاومة، وفتح لها الطريق على مصراعيه، من امتلاك أسلحة متواضعة إلى امتلاك صواريخ وتصنيعها اليوم، ومهما يُقال عنها إنها صواريخ كرتونية أو عبثية إلا أن الواقع يقول إنها أحدثت توازنًا للرعب مع الصهاينة.

 

وفيما يتعلَّق بالمقاومة وكوادرها أشار الزهار إلى أن كوادر المقاومة الذين تسابقوا على العمليات الاستشهادية أو الانخراط في المقاومة بصفة عامة هم الذين ساهموا في تسليح أنفسهم أولاً، وقد باعوا مصوغات زوجاتهم ووفروا من قوتهم، وأوضح أن نظام حماس مع من يريد الانخراط في المقاومة هو أن يدفع نصف ثمن السلاح من ماله الخاص، وتساهم الحركة بالنصف الباقي، وقال: إن المقاوم عندما يشتري سلاحه من ماله يستطيع أن يحافظ عليه جيدًا، ثم إنَّ إسهامه من ماله في شراء ذلك السلاح يؤكد أن رغبته في المقاومة حقيقية وأكيدة وليست عاطفية.

 

وقال: إن أبناء المقاومة قدموا في هذا الصدد نماذج رائعة جدًّا.

 

وحول كلام عباس عن هروب قيادات حماس أثناء حرب غزة إلى الحدود المصرية، قال الزهار: لقد رفعت عليه دعوى أمام القضاء ليثبت ذلك، وطلبت شهادة كل الأطراف المعنية، بما فيها الطرف المصري، الذي يقول إننا هربنا عنده، وقال: إننا نقف في مقدمة الصفوف، وأشار إلى استشهاد الدكتور نزار ريان بين أسرته، وسعيد صيام، كما لفت الانتباه إلى أنه فقد اثنين من أبنائه شهداء وزوج ابنته في عمليات صهيونية قبل حرب غزة، وأنه لم يجد مواد بناء لإعداد قبر لدفن ابنه بسبب الحصار.

 

ورد الرجل كذلك على الهراء حول ثراء قيادات حماس وأوضاعهم المادية، فقال: كنت وزير خارجية في الحكومة الفلسطينية بعد فوز حماس في الانتخابات، وابني يعمل الآن سائقًا ومرافقًا في وزارة الخارجية براتب 300 دولار، رغم أنه حاصلٌ على مؤهل جامعي.. بيوتنا ما زالت بيوتنا وحياتنا ما زالت حياتنا.

 

وقد استحضر هذا الكلام من الزهار شهادة مهمة للصحفية البريطانية المسلمة "إيفون ريدلي" التي كانت ضمن أول قافلة لكسر الحصار عن غزة؛ حيث قالت لي في حوار معها عندما سألتها عن انطباعاتها بعد رؤية غزة ومقابلة أهلها، قالت: إن قيادات حماس تعيش ببساطةٍ في كل شيء مثل بقية الناس في ملبسهم ومأكلهم وبيوتهم، بينما عباس يعيش في رفاهيةٍ تفوق كل الحدود.

 

وحول التهجم من عباس المتواصل على قادة حماس لم يمنع الدكتور محمود الزهار من الإدلاء بشهادة حق عنه، حيث رد على ما يقال من أن "عباس" بهائي، قال الزهار: لقد أفادني الدكتور نزار ريان قبل استشهاده أنه تقصَّى ذلك من كلِّ جوانبه العلمية والتاريخية، ولم يثبت أن عباس بهائي، وأردف قائلاً: تلك شهادة حق لا بد أن نقولها في حق عباس ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ﴾ (المائدة: من الآية 8).

 

بنفس مستوى الصراحة والوضوح شدَّد الزهار على أن المصالحة خيار حقيقي وليس دعائيًا، وأن حماس لا تخشى الانتخابات بل تطالب بها، على أن تكون مضمونة النزاهة.

 

أما كلامه عن الحصار والحياة في غزة انصبَّ على أنه تم إبداع ثقافة جديدة في المجتمع الفلسطيني، فبعد أن كان تلقَّى العزاء في المتوفين بتوزيع القهوة المرة والسجائر، أصبح توزيع الحلوى، وتوديع الشهداء بالزغاريد، بدلاً من العويل، حتى الإخوة المسيحيين أصبح هذا دأبهم.

أما مجمل إفاداته عن الحصار؛ فأكدت أن الشعب انتصر على هذا الحصار، وأبدع بدائل تغنيه بفضل الله، دون أن يستسلم للجور والظلم والاحتلال.

-------------

* كاتب مصري ومدير تحرير مجلة المجتمع الكويتية

Shaban1212@gmail.com