لا يزال الوضع في مصر على حاله منذ أطلقت مبادرتي لإنقاذ مصر، وما دام الحزب الوطني لا يزال يأمل في خداع هذا الشعب الأبي، فقد رأيت أن أعيد نشر هذه المبادرة التي تداولتها أجهزة الإعلام منذ عام؛ خاصة بعد أن أعاد الأستاذ هيكل الحديث عن نفس الفكرة، فانقض عليه الحزب الوطني في دفاع مستميت عن الوضع الراهن؛ ولعل في التذكير بهذه المبادرة ما يضيف إلى زخمها، والإعلان عن أن المخلصين من أبناء مصر تكلموا وألحُّوا، ولا يملكون أكثر من الإلحاح والتنوير والكلام؛ حتى يشهد التاريخ أننا لم نسكت على انهيار مصر- لا قدر الله-.

 

لم يعد الوضع في مصر يحتمل جدلاً, فالانفجار سوف يطول الجميع، وسوف تتحول مصر إلى أسوأ مما تعرضت له 15 دولة أخرى, أغلق النظام فيها أذنيه وعقله, فانفجر الشعب، والفارق بين مصر وغيرها هو أن الدول الأخرى كان بها منظمات وقيادات شعبية تنظِّم الانفجار وتحوِّل النار إلى نور, كما تحوِّل طاقة التخريب والتفجير إلى عمل خلاق، أما في مصر فإن محترفي الفوضى والسرقة هم الذين سيبزغون كقيادات لهذا الانفجار.

 

لا أظن أن أحدًا من النظام أو الشعب يتمنى ذلك, ولكن نظرًا لأن الوضع في مصر وصل إلى حد الانسداد في الإنجاز والحوار، وعدم استعداد الحكم لإنقاذ البلاد مما سببه لها من مآسٍ, فضلاً عما يشعر به أبناؤها المخلصون من لوعة في الداخل, وحرج مع الخارج, ومع الأجيال المقبلة التي يجب أن تقرأ على الأقل أن مصر لم تكن كلها كتيبة عاجزة عن الأداء، وجوقة من الكُتَّاب تقدِّم التغطية والتدليس على الإنجازات الوهمية لهذه الكتيبة, وإنما فيها رجال بحت أصواتهم، وجفت حلوقهم من المطالبة بالإنقاذ, ولكن الانفجار حدث لأن أصواتهم راحت سدى.

 

ومن المتوقع أن "إنقاذ" مصر مصطلح يثير عجب النظام في مصر الذي لا يزال رموزه يتحدثون عن الديمقراطية, وسيادة القانون وارتفاع معدل التنمية وتدفق الاستثمارات, ولكني أريد أن أقول لهم بكل صراحة: إن كل هذه التصريحات, بينما الانهيار يعصف بالناس, يزيد الناس استفزازًا, وأن المفردات التي يستخدمونها فقدت عند الناس كل معنى, في الوقت الذي يكتوي المواطن بالآثار المدمرة لحكومة عاجزة عن الإنجاز ومصرة على استمرار المأساة, فضلاً عن شعورنا بالمهانة إزاء استقلالنا وحرية قرارنا؛ بحيث أصبحت المبادئ الستة التي قامت الثورة عام 1952م، من أجلها أشد إلحاحًا في التنفيذ عن الحالة التي أعلنت من أجلها.

 

لكل ذلك أرجو أن تتشكل جماعة صغيرة يخلصون لمصر ولا يعادون أحدًا، ويريدون الخير لها, ونطلق عليها "ربيع القاهرة" تطلع الرئيس على الموقف الحقيقي الذي يناقض تمامًا الموقف في تقارير المسئولين حوله, إذ لا يعقل أن تضيع مصر، ويقال إن 75 مليونًا منهم عشرات الآلاف من المتميزين المخلصين، عجزوا عن إدارة بلادهم أو تآمروا بالصمت على ضياعها.

 

والحل العاجل لوقف الانهيار هو تشكيل حكومة إنقاذ، وفق خطة واضحة ووسائل عملية لتحقيق هذه المهمة, ثم تشرف هذه الحكومة على انتخابات غير حزبية لكل المستويات التشريعية والمحلية.

 

إنني أعرف أن كل الحلول تستبعد النظام بكل رموزه من الحساب على أساس أن النظام نفسه هو الذي تسبب فيما نحن فيه, ولكنني لا أزال أثق في أن الرئيس مبارك يستطيع أن ينقذ مصر رغم كل شيء، وسوف أعتبر هذه السطور بلاغًا للأمة وللتاريخ قبل أن تقع الواقعة, ما دام الفساد قد أثمر هذه الثمار المرة، وصار المواطن لا يثق في شيء ولا يأمن في شيء, بل فقد المواطن الثقة في رحمة الله, فأقدم كثيرون على الانتحار وهم يردِّدون الشهادة.

 

إن حكومة الإنقاذ الوطني هي التي توقف المهزلة، وتعيد الاعتبار لمصر وللمصريين من مسلسل الهزل والاستخفاف, ثم هي التي تتولى الإصلاح الحقيقي, كما أنها تشرف على إصدار دستور يفخر به المصريون وبه يفاخرون غيرهم؛ ذلك أن القضية لم تعد تتعلق بشخص الحاكم أو اسم النظام، وإنما المطلوب هو الإنقاذ بصرف النظر عن هوية المنقذ, كما قال ماوتسي تونج في الصين إنه لم يعد يهمه لون القط ما دام قادرًا على اصطياد الفئران.

 

وأخيرًا أقول كما قال علي لأصحابه نقلاً عن أخي هوازن:

أمرتهم أمري بمنعرج اللوى     فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد

والله غالب على أمره.