كما كان متوقعًا، انتهى المؤتمر السادس للحزب الوطني تاركًا انطباعًا يؤكد حالة الفراغ السياسي التي يعانيها المشهد المصري العام؛ انطباعًا يعكس مناخًا عشوائيًّا كجزءٍ من المنظومة المنتشرة في ربوع وطننا المكلوم، عشوائيات الإسكان والألوان والأفكار والبرامج سواء بسواء، عشوائيات أزاحت المنطقي والمعقول والممكن، فانتقل غالبية ساسة الحزب ورموزه من مربع الخطاب والممارسة السياسية إلى مربعات متتالية من الردح واللهو السياسي تارة "كما فعل أمين التنظيم 48 دقيقة من الهجوم المتواصل وغير الأخلاقي على الإخوان"، وبين المغالطات والتناقضات تارة؛ "كما فعل رجل القانون الوزير مفيد شهاب؛ حين صرح بأن الحزب يدرس آليات للحوار مع كل القوى السياسية عدا الجماعة المحظورة"، وبين التحريض غير الأخلاقي وغير القانوني تارة؛ "كما فعل اللواء أمن دولة محمد عبد الفتاح عمر"، وبين الضبابية والارتباك وعدم الوضوح تارةً أخرى؛ "كما فعل باقي المتحدثين دون استثناء".. لكن وفي جميع الأحوال جاءت الكلمات موجهة في المقام الأول لجماعة الإخوان المسلمين بمضمون واحد وصيغ متعددة وخلفيات متضاربة.
خلفيات الطرح "الهجوم":
* حرص مجموعة المغامرين الجدد- رجال المال والأعمال- في لجنة السياسات على الانتقال الفوري للسلطة في حياة الرئيس مبارك؛ خوفًا من فقدان الفرصة حال غيابه.
* الهلع المرضي "الفوبيا" التي يعانيها النظام الحاكم من جماعة الإخوان على المستوى الفكري والخدمي والشعبي بل والنخبي.
* القلق من تزايد الرفض الشعبي والنخبي للوريث القادم؛ لافتقاده رصيد الخدمات والمؤهلات لحكم دولة بحجم مصر- راجع استطلاعات الرأي والتقارير والدراسات المحلية والإقليمية والدولية-.
* الاستيعاب الحكومي لأحزاب المعارضة من خلال الصفقات المشبوهة التي أُعلنت خلال الفترة السابقة بهدف التعبئة ضد الإخوان.
* تصفية الحسابات التاريخية التي يتبناها بقايا التيار العلماني واليساري من بعض الساسة والإعلاميين والأكاديميين أدوات النظام "كلمة أحمد عز كتبها الدكتور علي الدين هلال".
نتائج ودلالات:
مع أن الحوارات والتحالفات والتنسيق أنماط وأساليب سياسية، معمول بها في كل بلاد العالم، شرط اتفاقها مع المصالح الوطنية، إلا أن معظم المراقبين للشأن المصري يرون صعوبة تصل لدرجة الاستحالة أن يتم أي نوع من التنسيق أو التفاهم أو الحوار البناء والوطني بين النظام وأي تيار سياسي بمن فيهم الإخوان، لأسباب عدة منها:
* حرص الحزب الوطني التعامل الأحادي والمنفرد مع الكيانات الهشة والضعيفة؛ ليمارس عليها هواياته في الاستبداد والاستعلاء وإملاء الشروط ومنح الفُتات.
* تعارض المناهج والمرجعيات؛ حيث يعتمد الحزب الوطني نهج الانفراد بالحكم والإقصاء والإدارة بالفساد والاستقواء بالذراع الأمنية، وتنفيذ مطالب إدارة المشروع الصهيوأمريكي، وفي المقابل الإخوان يدعون لمشروع إصلاح وطني له مرجعية إسلامية مناهض للمشروع الصهيوأمريكي.
* وقوع القيادة السياسية فريسة لابتزاز مراكز القوى وأصحاب المصالح رجال المال والأعمال أصحاب الأجندات الممتدة للخارج، بالإضافة للتقارير الأمنية والمخابراتية التي تزيد الفجوة، وعن عمد بين القيادة السياسية والقوى الوطنية.
* دور التيار العلماني وبقايا اليسار المصري في تصفية الحسابات مع الإخوان وقوى المعارضة الوطنية بالتحريض وإحداث الوقيعة مع النظام.
وفي الأخير انتهى المؤتمر الذي رفع شعارًا وهميًّا "من أجلك أنت"، ثم وقع في خطيئة التمييز ضد الإخوان المسلمين أكبر فصيل وطني بمصر، ثم في خطيئة الكذب والنسيان بحديثه عن العدالة والدستورية والمواطنة؛ لكنها قد تكون أعراض فوبيا النظام التي يعانيها من الإخوان!!