![]() |
|
حسن القباني |
خبر استقالة مسئول مصري، صعب أن تجده في أرشيف الصحافة المصرية أو أن تجده على مواقع البحث الشهيرة، لكن من الممكن أن تجده بسهولة ما دامت هناك دماء للمصريين أريقت على جنبات الطريق بطريقة يتفق الجميع على أنها فاضحة، حيث أعلن الرئيس مبارك قبول استقالة وزير النقل على خلفية كارثة قطاري العياط التي راح ضحيتها 18 قتيلاً و36 جريحًا.
الاستقالة لا تجد مكانًا لها في قاموس النظام الذي تولى سدة الحكم في 1981م.
وبحلول عام 2002م قَبِل الرئيس مبارك استقالة د. إبراهيم الدميري وزير النقل والمواصلات بعد أسوأ حادث للسكك الحديد في مصر وسقوط المئات ضحايا في حريق قطار الصعيد، بعد إراقة الدماء على جنبات الطريق وقبيل الاحتفال بعيد الأضحى.
ومنذ عام 2002م لم يفاجئ النظامُ الشعبَ المصري بقبول استقالة وزير إلا عندما أعلن فاروق حسني وزير الثقافة تقديم استقالته "الصورية" إلى الرئيس مبارك مباشرة- التي رفضها الرئيس فيما بعد- في 2005م على خلفية حريق قصر ثقافة بني سويف.
ولم يكن عام 2009م غائبًا عن صخب الإقالات؛ حيث وصفت وسائل الإعلام التعديل الوزاري المحدود الذي تم في 11 مارس 2009م باستبعاد الدكتور محمود أبو زيد من وزارة الري بأنه جاء عن طريق استقالة مدعومة بظروف صحية للدكتور أبو زيد إلى الرئيس، كما توسعت التكهنات بوجود ضغوط أجبرت أبو زيد على تقديم استقالة بأسباب غير حقيقية.
المراقبون يرون أن مصر لم تعتد على استقالة مسئول من منصبه أيًّا كان موقعه، وخاصة إذا كان هذا المسئول في منصب الوزير، فمصر مرت بكثير من الكوارث التي كانت كفيلة بإقالة حكومات بأكملها، ومع ذلك استمرت الحكومة وبقي الوزير دون مراعاة لما يتجرعه الشعب من مرارة استمراره.
وزارة التربية والتعليم والتي كان يتولاها الدكتور حسين كامل بهاء الدين، وهي التي شهدت تخبطًا غير مسبوق كان من نتائجه البلبلة التي عاشتها مصر نتيجة عودة الصف السادس الابتدائي، فضلاً عن أزمات الثانوية العامة وتفحل الدروس الخصوصية، وعدم السيطرة عليها، بل وفشل كل الخطط التي وُضعت من أجل الحد منها، ورغم رحيل الوزير دون حساب أو عقاب عن أي من الكوارث التي شهدها التعليم بمصر كقضية البسكويت الفاسد مثلاً، والفساد في هيئة الأبنية التعليمية وغيرها.
إلا أن القضية الأكثر خطورة والتي كشفتها تحقيقات النيابة بعد رحيل الوزير كانت عمليات الغش الجماعي في الثانوية العامة والشقق المفروشة والتي كانت مستمرة منذ 6 أعوام، أي نصف عمر وجود بهاء الدين في الوزارة تقريبًا، ورغم ذلك أُغلق الموضوع ولم يلتفت أحد إليه.
وزارة الحكم المحلي وهي من الوزارات التي تمتاز بانتشار الفساد بها سواء في الهيئات التابعة للمحافظين تلقائيًّا أو التي تخضع لرقابة وإشراف الوزارة نفسها، ويكفي ما تحمله تقارير الجهاز المركزي للمحاسبات سنويًّا بل شهريًّا عن عمليات فساد في الإدارة المحلية وصفها الدكتور زكريا عزمي رئيس ديوان رئيس الجمهورية وعضو مجلس الشعب وصفها بأنها "للرُّكَب"، إلا أنه لم يلتفت أحد إلى هذه التقارير ولم يعاقب أي وزير عليها رغم أنه مسئول عما يجري في وزارته مسئولية سياسية.
وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية والتي كان يتولاها الدكتور يوسف بطرس غالي وزير المالية الحالي؛ أكدت التقارير الرقابية وجود عمليات تلاعب واضحة وخطيرة في نقاط التجارة الخارجية وخاصة نقطة تجارة بورسعيد، كما كشفت تقارير الضرائب أن عمليات فساد واضحة شابت التبادل التجاري بين مصر والعراق في برنامج النفط مقابل الغذاء والتي كانت تشرف عليه الوزارة؛ مما ضيع على مصر مليارات الدولارات التي استفاد منها أشخاص بعينهم.
وزارة الزراعة والتي حمل تركتها الثقيلة المهندس أحمد الليثي بعد أن تركها الدكتور يوسف والي (عِزبة خربة) أدت إلى انهيار الزراعة وانتشار الأمراض الغريبة على مصر كالفشل الكلوي والكبدي والأورام المختلفة، والتي أكدت التقارير الطبية أنها كلها كانت نتيجة للمبيدات المسرطنة التي أمر والي باستيرادها، ولا يقل أهمية عن ذلك قضية الفساد الكبري في وزارة الزراعة التي كان بطلها الدكتور يوسف عبد الرحمن سكرتير والي، ثم قضية العمولات الكبرى التي كان بطلها أحمد عبد الفتاح المستشار الخاص بوالي، ورغم تصاعد حملات الصحافة المطالبة بعزل والي ومحاكمته إلا أن شيئًا من ذلك لم يحدث، بل وقلدته الدولة وشاح النيل أرفع وشاح ووسام مصري!!
وزارة الخارجية؛ ويكفي وزيرها مقتل السفير إيهاب الشريف ليقدم استقالته دون الالتفات لتراجع دور مصر الإقليمي والإفريقي والدولي.
وزارة الداخلية؛ ويكفي وزيرها تقارير الحقوقيين الذي أثبت أن التعذيب في مصر ممهنج، مؤكدين أن حالات التعذيب في مصر أصبحت سلوكًا وسياسةً منهجيةً تتم على نطاق واسع مكرسة سياديًّا، بمعنى أن السلطات العليا إما موافقة عليها أو تشجعها.
