الصورة غير متاحة

د. حسن الحيوان

 

المسجد الأقصى ليس فقط قيمة مقدسة تاريخية عقائدية, أولى القبلتين وثاني الحرمين بناءً وثالثهما أجرًا وثوابًا، ومنه كان المعراج وإليه كان الإسراء, بل إنه أيضًا أهم قيمة حضارية عالمية تؤسس للسلام وحقوق الإنسان, فلقد تمَّ فيه أهم اجتماعٍ عالمي تاريخي, اجتماع جميع الأنبياء والرسل, ويُمثِّل ذلك المؤشر والمقياس لتقييم الأحوال الدينية العالمية، فتاريخيًّا حينما يكون الأقصى محررًا تحت الإشراف الإسلامي تتحقق قداسة القدس كمدينة تشمل دور العبادة التاريخية للعقائد الثلاث السماوية؛ وذلك في إطار حرية العقيدة والعبادة للجميع على حدٍّ سواء.

 

تلك القيمة الحضارية الواجب على المسلمين تحقيقها, ولا يمكن أن تتوافر هذه القيمة في اليهود أو النصارى المعاصرين؛ لأنهم جميعًا لا يؤمنون بالعقيدة اللاحقة لعقيدتهم، لكننا كمسلمين نؤمن بالتوراة والإنجيل.

 

وبالتالي ينعكس ذلك إيجابيًّا على علاقة الجميع من أتباع هذه العقائد في أنحاء العالم، والذي يُؤثِّر إيجابيًّا على شتى الأوضاع العالمية وإقرار حقوق الإنسان والسلام الدولي، ومن البدهي تردي أوضاع العالم الحالية وخطورتها تبعًا لحالة المسجد الأقصى والقدس تحت وطأةِ الاحتلال.

 

لذلك قضية الأقصى والقدس تمثل جوهر الصراع في المنطقة وفتيل إشعال الصراعات الجذرية العالمية, وإزالة الأقصى هو الغاية النهائية لمشروع "إسرائيل" بسحق ومحق التاريخ والجغرافيا لإلغاء أي علاقةٍ بين المسلمين والقدس, الكارثة العنصرية التي لم يسبق لها أي مثيلٍ تاريخي.

 

فالأقصى والقدس وفلسطين إما عربية حضارية إسلامية أو إسرائيلية عنصرية صهيونية، إما الأقصى أو هيكل سليمان لا مجال لاحتمال ثالث أو حل وسط, (إسرائيل تعلن أنها دولة يهودية)؛ لذلك يستحيل عقائديًّا أو عمليًّا أو عسكريًّا أو سياسيًّا إنجازٍ أو تسوية للصراع إلا بعودة القدس للإشراف الحضاري الذي يضمن الحريات الدينية المذكورة.

 

وما الحصار الأخير للأقصى إلا بداية الطريق، وإذا تمَّت التدخلات أو المعالجات بالمسكنات ستتكرر محاولات الوصول للغاية النهائية.

 

والتاريخ الحديث يؤكد أن نقطة القاع في المسار الإسلامي كانت في 1967م بسبب سيطرة اليهود على القدس دون رد فعل رسمي أو شعبي، ومنذ ذلك الحين انطلقت الصحوة الإسلامية في المنطقة، وبدأ تصاعد المد الإسلامي عالميًّا, كما أن منظمة المؤتمر الإسلامي تم تأسيسها في 1969م بسبب حريق الأقصى المعروف.

 

المسئولية: معروف أنها تخص مليار ونصف مسلم كفريضة شرعية, والمسئولية حاليًّا فردية مجتمعية فقط؛ حيث لا يمكن أن نعول على الأنظمة الحاكمة التي تمادت في التفريط في المقدسات والبدهيات لدرجة محاولة مسح القضية من الواقع العربي والإسلامي، فمثلاً نلاحظ التعليمات الرسمية لخطباء المساجد بعدم ذكرها أثناء خطب الجمعة وصولاً إلى التخاذل في مواجهة الكيان الصهيوني والقوى العالمية التي تريد الإسراع لإنهاء القضية تمامًا لمصلحة الكيان بكل المقاييس.

 

مجالات المسئولية:

- شتى أنواع الدعم المعنوي والمادي للمقاومة المسلحة الإسلامية في فلسطين بالتزام الجميع بنهج المقاومة الشامل, الفرد والأسرة والمجتمع المدني بجميع مؤسساته, الجمعيات والنقابات والاتحادات والأحزاب والنوادي وخلافه.

 

- اتخاذ الجميع لنهج المقاومة كمشروع حياة, كفريضة شرعية وحتمية دنيوية في كل المجالات, السياسية والثقافية والاجتماعية والسياحية والاقتصادية.. لا بد أن نعترف بتخاذل الأفراد والمجتمع خصوصًا بشأن المقاطعة الاقتصادية بالرغم من تأكيد فضيلة المفتي بوجوبها شرعًا.

 

دور المقاومة المسلحة:

ليس المطلوب كما يدَّعي البعض تحقيق نصر مادي على العدو في عدد القتلى والجرحى، بل إحداث الضرر الكافي لتراجع العدو الإستراتيجي أمام المقاومة مع إحداث نقلة نوعية لرؤية شعوب العالم لحقيقة الصراع، ولقد تحقق ذلك تمامًا بعد حرب غزة الأخيرة, فلم يستطع العدو إنجاز الهدف الإستراتيجي من الحرب، وهو القضاء على المقاومة وحققت المقاومة هدفها بالصمود وتأكيد خيار المقاومة الإسلامية كخيارٍ إستراتيجي لمواجهة الصراع.

 

مستقبل القضية: لأنها أعمق وأخطر قضية مصيرية عالمية وإسلامية لا يمكن فهم مستقبلها إلا من القرآن الكريم, فسورة الإسراء تؤكد أن النصر للمسلمين وتحديدًا بدخول المسلمين (للمرة الثانية والمصيرية) للمسجد الأقصى كما دخلوه أول مرة، والتي كانت بالحرب, وليس بأي شكلٍ آخر مثل الاتفاقيات, فالقرآن والتاريخ والواقع يؤكد استحالة التزام اليهود بأية اتفاقيات, والمواجهة العسكرية قادمة لا محالة رغمًا عن أنف مَن يستميت في محاولة تجنبها, واليقين بأن النصر محسوم للمسلمين هو نصف المطلوب لإنجاز النصر والباقي هو الإعداد المعنوي والمادي الشامل, قدر الاستطاعة وليس بمثل ما عند العدو من إمكانات مادية، ونحن الآن كأفراد ومجتمعات عربية وإسلامية بعيدون عن ذلك تمامًا بكل المقاييس..  يكفي أن نلاحظ أن اليهود وهم قلة أقنعوا العالم بكل ما هو مزيف وباطل ونجحوا في وصم الإسلام بالإرهاب العالمي ونحن مليار ونصف لا نستطيع إقناع أحد بالحق.

 

فعلى كلٍّ منا، انطلاقًا من موقعه في الحياة, أن يغتنم الفرصة بتقديم شتى أنواع الجهاد.. التوعية والدعاء والإنفاق والدعم والتضحية تجاه الواجب بشأن أعمق وأخطر قضية مصيرية على الإطلاق.

-------------

* رئيس جمعية المقطم للثقافه والحوار

hassanelhaiwan@hotmail.com